fbpx
السبت , 23 يناير 2021

في القول باستيعاب الأمن ضمن القوات المسلحة

الحبيب خضر

المقرر العام للدستور بالمجلس الوطني التأسيسي

كنت استمعت لتصريح السيد رئيس الجمهورية أثناء زيارته الأخيرة لوزارة الداخلية والتي قال فيها بأنه، وبحكم الدستور، القائد الأعلى للقوات المسلحة عسكرية وأمنية. وشغلتني أمور شتى عن التفاعل مع ذلك التصريح حتى قرأت تدوينة منسوبة للأستاذ نوفل سعيّد (شقيق الرئيس) يسعى من خلالها للتأصيل الدستوري والقانوني لذلك التصريح الرئاسي فرأيت أن من واجبي أن أدلي بدلوي في الموضوع تعميقا للنقاش ورفعا للبس.

ملاحظة منهجية عامة:

إن النظر في أي مسألة متصلة بالنص الدستوري يقتضي من صاحبه استحضار أحكام الفصل 146 من الدستور الذي قرر أنه “تًفسّر أحكام الدستور ويُؤوّل بعضها البعض كوحدة منسجمة”. فكل اجتزاء من النص الدستوري وتعامل معه بمعزل عن بقية النص يفضي بصاحبه في الغالب إلى انحراف في الفهم حتى وإن كانت همته منصرفة فعلا إلى البحث عن الفهم الأصوب.

الرد الموجز:

لقد بنيت التدوينة المذكورة على جملة من النقاط سأعرض لها في العنونة ثم أبين الرد عليها في ما بعد كل عنوان.

1. في خصوص حذف عبارة “وقوات الأمن الوطني” من الفصل 76 من مشروع الدستور (الموافق للفصل 77 من الدستور):

لقد كانت حصيلة أعمال اللجنة التأسيسية الثالثة المكلفة بمحاور السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والعلاقة بينهما منذ البداية محكومة بصعوبة التوصل إلى توافق داخل اللجنة بخصوص عديد المسائل، وحين تم تقديم تلكم الحصيلة للهيئة المشتركة للتنسيق والصياغة أفاد رئيس اللجنة ومقررتها (العضوان الممثلان للجنة في الهيئة المشتركة للتنسيق والصياغة) أن هذه النقطة بالذات كانت محل خلاف وتم التصويت عليها بنفس عدد الأصوات 8 مقابل 8 وتم إدراج الصيغة المستند إليها بموجب ترجيح صوت الرئيس، فلما فتح النقاش في الموضوع داخل الهيئة المشتركة للتنسيق والصياغة (وكان ذلك يوم 11 ديسمبر 2012) وتم التعرض لطبيعة النظام السياسي وضرورة الحذر من الانحرافات ومخاطر العودة للاستبداد في صورة تجميع كل القوات الحاملة للسلاح تحت إمرة رئيس الجمهورية فتشكل “رأي غالب في الهيئة باعتبار الأمن خارجا عن صلاحيات رئيس الجمهورية وكان هناك رأي آخر بإبقاء الصيغة على حالها…”. (انظر مسودة الدستور، صيغة 14 ديسمبر 2012، ص. 26 وهي منشورة على موقع مجلس نواب الشعب في القسم الخاص بأعمال المجلس الوطني التأسيسي عبر الرابط التالي http://www.arp.tn/…/anc/projet_constitution_14_12_2012.pdf). فالحذف، وهو قرار اتخذته الهيئة المشتركة للتنسيق والصياغة (بعد أن كان مقترحا في المرحلة الأولى) وتجلى في الصيغة المؤرخة في 22 أفريل 2013 ثم في مشروع الدستور المصادق عيه من قبل الهيئة بتاريخ 1 جوان 2013، يفترض لفهمه السليم اعتباره محافظة من الهيئة على نفس الموقف.

وللتذكير فإن الهيئة لم تقر مبدئيا في مشروع الدستور إلا مضامين توافقية لم يعترض عليها أكثر من إثنين من أعضائها الستة عشر. خلاصة هذا أن الخيار التأسيسي في مشروع الدستور وبعض ما سبقه من وثائق تمهيدية لعدم التنصيص على قيادة رئيس الجمهورية لقوات الأمن لم يكن لكونها مستوعبة في القوات المسلحة وإنما حصرا للقيادة العليا لرئيس الجمهورية في القوات المسلحة التي ترادف الجيش بمختلف تشكيلاته.

2. في القول باستيعاب الأمن ضمن القوات المسلحة بحكم عدم استعمال عبارة الجيش:

يجدر التنبيه أولا للخطورة البالغة لهذا التأويل المتعسف، فهو سيجعل رئيس الجمهورية أيضا قائدا أعلى للديوانة التونسية (أوليست مسلحة) وأعوان السجون (أوليسوا مسلحين) وربما حتى حرس الغابات.
ولكن يكفي في هذا السياق طرح السؤال على من تبنى هذا الفهم وذلك بخصوص الفصل 17 من الدستور الذي أورد القوات المسلحة والأمن منفصلين عن بعضهما. إن اعتماد العبارتين يؤكد أن الدستور لم يختر أن تكون عبارة “القوات المسلحة” شاملة لكل من حمل السلاح.
وأجد من باب الانصاف أن من محامد التدوينة موضوع النظر كونها لم تحاول “التسوّر” من جهة توسيع مفهوم الأمن القومي وجعله مستوعبا للأمن ككل، فهذا مما لا يقع فيه أي باحث نزيه.

3. في الاستشهاد بالدستور الفرنسي:

لعل مما أضر بالتجربة القانونية التونسية في عمومها حصرها عدد من نخبها “القانون المقارن” في القانون الفرنسي. للتذكير فغن دستور الثورة قد صيغ دستورا تونسيا منطلقا من ورقة بيضاء واستفاد من تجارب دولية عديدة وفي هذا الموضوع كان أكثر استيحاء من النموذج البرتغالي.

4. في كون القانون عدد 33 لسنة 2015 (المتعلق بضبط الوظائف المدنية العليا) استثنى الوظائف الأمنية وبالتالي أسند التعيين فيها لرئيس الجمهورية:

يكفي هنا اتباع ذات المنطق للرد على هذا الفهم غير السديد، فما بال القانون عدد 32 لسنة 2015 (المتعلق بالوظائف العليا طبقا لأحكام الفصل 78 من الدستور) لم يذكر الوظائف الأمنية؟ هل يكفي هذا للقول بأنه إذن موكولة من حيث التعيين لرئيس الحكومة؟
لندع هذا جانبا، من قال بأن القانون عدد 33 استثنى التعيينات الأمنية؟ أليس الفصل 4 من القانون عدد 33 صريحا في كونه “بصرف النظر عن جميع الأحكام المخالفة، يتم التعيين في غير الوظائف المنصوص عليها بالفصل 2 من هذا القانون بقرار من رئيس الحكومة وباقتراح من الوزير الذي يمارس سلطة التسلسل أو الإشراف الإداري إزاء الأعوان المعنيين”.

5. في كون رئيس الحكومة يعلم رئيس الجمهورية بالتعيينات:

صحيح أن الفصل 92 من الدستور قد أوجب على رئيس الحكومة إعلام رئيس الجمهورية بما يتخذه من قرارات في إطار صلاحياته المنصوص عليها بالفصل 92 من الدستور ومنها التعيينات في الوظائف المدنية العليا. ولكن الفصل 78 من الدستور فرض على رئيس الجمهورية أن لا يجري التعيينات في الوظائف العليا العسكرية والدبلوماسية والمتصلة بالأمن القومي إلا بعد “استشارة رئيس الحكومة”. فالإعلام الأول للإخبار بعد اتخاذ القرار وأما الثاني فهو للمشورة وطلب الرأي بما يفضي للمشاركة بدرجة ما في القرار قبل اتخاذه.
لنترك كل ما سبق جانبا ولنعد للملاحظة المنهجية التي تصدرت هذه التدوينة.

لقد اختار المؤسسون للدستور أن يكون أداة للقطع مع مخاطر الانتكاس نحو الاستبداد والتفرد بالسلطة، ولأن ذلك الانحراف عادة ما يبحث له عن سند في القوات الحاملة للسلاح لفرض الخيارات المنحرفة على الشعب التواق بطبعه للحرية فقد كان هناك حرص على تحقيق توزيع ضامن ولو نسبيا لعدم الانحراف. ولهذا كان رئيس الجمهورية وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة كما هو المسؤول الأول على العلاقات الخارجية صاحب رأي في أشخاص من يتولى وزارة الدفاع ووزارة الخارجية، ولم يمنحه الدستور حقا مماثلا بالنسبة لوزارة الداخلية. هذا لم يكن اعتباطيا بل كان على بينة تتجلى لمن نشد الحق وأنصف.

ختاما، إن النظام السياسي الذي تبناه الدستور يقوم على ثنائية غير متوازنة في السلطة التنفيذية ترجح فيها كفة رئيس الحكومة في مقابل رئيس الجمهورية، في حين يتقدم رئيسُ الجمهورية رئيسَ الحكومة في الرمزية وتمثيل الدولة، والأسلم أن يتقبل الجميع هذه الحقيقة طالما لم يتم تغييرها. ولا يمكن تغييرها في غياب المحكمة الدستورية. والمحكمة الدستورية بالمناسبة هي المختصة بالبت في مثل هذه الخلافات المتصلة بصلاحيات رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، ولذا يكون أسلم وأحفظ لديمقراطيتنا الناشئة التسريع بتركيز المحكمة الدستورية والخطوة الأولى لذلك أن يستكمل المجلس انتخاب حصته من أعضائها وقد كان على وشك أن يفعل في جويلية الفارط لولا اجتياح منصة رئاسة المجلس ذلك اليوم وتعطيل عقد الجلسة ممن دأب على ذلك.

شاهد أيضاً

رئيس الجمهورية في المنيهلة.. تحليل للسياق والإيحاءات

رضا الكزدغلي  استمعت لما قاله رئيس الجمهورية في تنقله لمنطقة المنيهلة أمام عدد من المواطنين …

في فصل السياسة عن السلاح.. على غرار المطالبة بفصل السياسة عن الدّين..!!!

عبد اللّطيف درباله أيّا كان ما يقوله رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. وأيّا كانت صحّة ما …

اترك رد