fbpx
الثلاثاء , 26 يناير 2021

استهلاك الطيب راشد المستهلك في المشكل القضائي التونسي !

طارق العبيدي 

الموجة الإعلامية التي صاحبت فقاعة الطيب راشد التي تسبب انفجارها في الإضراب الوحشي الشامل والكامل لمدة شهر ونصف في كل محاكم البلاد ووزارة العدل وإداراتها الجهوية، كان ملفها يعتمل قبل ذلك لنحو سنة بين أيادي وكيل الجمهورية السابق البشير العكرمي والمجلس الأعلى للقضاء والتفقدية العامة للقضاء. وتسبب الضخ الإعلامي الهائل لتفاصيل ملف أخطبوط فساد الطيب راشد في استبطان الراي العام الوطني والأجنبي فكرة إقبال تونس على إصلاح قضائي كبير تحت عنوان مكافحة الفساد داخل القضاء لتأهيله للتصدي لكل أشكال الفساد خارجه.

وأصبحت تونس كلها حبلى بفكرة القضاء الجديد الطاهر الشريف واستعد قضاتها ومحاميها ومجتمعها السياسي والمدني والاقتصادي كامل الاستعداد لإعلان تاريخ ميلاده. لكن للأسف الشديد عادت كل القوى العاملة في رحاب المحاكم ووزارة العدل إلى العمل الوحشي -تماما كالإضراب الوحشي- تحت قيادة الطيب راشد الذي لا يزال إلى يوم الناس هذا قابعا في مكتبه بالمحكمة العليا بكامل الصلاحيات القضائية والإدارية التي تعطى عادة لكبير القضاة في تونس.

من وجهة نظري كمحام لدى التعقيب مشغول منذ أزيد من عشرين سنة بالعلل القضائية في المحاكم التونسية وتقاطع اهتمامي مع كبار القضاة والمحامين أصحاب الحنكة والسيرة المهنية والمعرفية الواسعة والراجحة أن القضاء في الوقت الراهن لم يعد يشكو نظريا من استقلاله بل من فساده، وان السبب المباشر في استمرار فساده خلل جوهري في اهم أجهزته الرقابية ألا وهي التفقدية العامة للقضاء.

المكان الوحيد داخل القضاء الذي يجب إصلاحه من الخارج وكل ما تبقى من فساد في مختلف أركان وزوايا المحاكم من أسفلها إلى أعلاها سيتطهر ذاتيا ويستقيم عوده. هناك أيضا من يطرح الخلل في المجلس الأعلى للقضاء بسبب اختراقه من وجوه الفساد، ولكني أراه خللا تبعيا للخلل في التفقدية العامة للقضاء.

يضاف إلى هذا الخلل الجوهري في الهيكلة خللا أخر في الثقافة العامة المنتشرة لمفهوم السلطة القضائية المستقلة يتداوله عامة القضاة والمحامين ورجال القانون والسياسة في الإعلام ويجب كسره بسرعة إعلاميا حتي ينتشر الانضباط داخل القضاة والمحامين خاصة المبتدئين منهم.

  1. القاضي ليس سلطة قضائية، السلطة هو المجلس الأعلى للقضاء. وعلى القاضي أن يخضع له خضوعا كاملا مثلما كان يخضع للمجلس الأعلى للقضاء زمن الدكتاتور الفاسد زين العابدين بن علي، حيث كان هذا الأخير هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء ووزير عدله هو عضوه الفاتق الناطق. الفارق بين ذلك الزمن وهذا الزمن أن السلطة القضائية التي لم تعد بيد السلطة التنفيذية لا تعني بأن القضاة أصبحوا سلطة أفراد مستقلين. هذا خطأ كبير أوقعتهم فيه بإحكام مافيا القضاة التي خلفها الدكتاتور زين العابدين بن علي لغرض إحداث مستنقع داخل القضاء يصعب إصلاحه.
  2. السلطة القضائية ليست سلطة سياسية وإنما هي سلطة وظيفية، والأستاذ عبد الرؤوف العيادي هو صاحب هذا المصطلح. وهو مفهوم سليم ومبني على قواعد معرفية صحيحة. فهم واستبطان القاضي لهذا المفهوم ولو تحت وصف اصطلاحي أخر مناسب يخرجه من دائرة التنافس والصراع مع السلط السياسية لأنه في الحقيقة معدلا وحكما بينها، والحكم الناجح عليه أن لا يصارع أو ينافس اللاعبين وإنما يدير لعبتهم.

هذا المفهوم البسيط للسلطة القضائية شبيه جدا بسلطة حكام كرة القدم. فأشهر شروط حكم كرة القدم لياقة بدنية ونفسية كافية ومعرفة واسعة بقواعد اللعبة وصافرة وأوراق صفراء وحمراء ولباس مميز ورضاء الفريقين به حكما. وأشهر شروط القاضي لياقة بدنية ونفسية كافية ومعرفة واسعة بقواعد وعادات وأعراف المعاملات في المجتمعات الإنسانية وبقواعد المحاكمة العادلة والقوانين ومطرقة وقرارات شكلية وأصيلة ولباس مميز ورضاء المتنازعين به حكما.

لذلك، أرى بأن هذه الشحنة الإعلامية الممتازة التي صاحبت موضوع الطيب راشد يجب أن تتجاوز المستهلك وهو الطيب راشد إلى العلة والخلل الذي أنتج الطيب راشد.
علما بأن الطيب راشد هو أشهر خريج مبنى التفقدية العامة للقضاء التي قضى فيها خمسة عشر سنة !… وهو مكمن الداء الذي علينا الانتباه جيدا إليه.

شاهد أيضاً

لا للانحراف بدور وكالة الجمهورية وتفقدية القضاة!

بــيــــــــــان تونس في 25 جانفي 2021 إن القضاة الموقعين أسفله وبعد توصلهم بمعلومات مؤكدة حول …

هل سُخِّرت تفقدية القضاة لإنقاذ الطيب راشد عبر افتعال الملفات لبشير العكرمي وتوليدها؟

القاضي حمادي الرحماني  معلومات متواترة وخطيرة تفيد بأن فريق التفقد المكلف بالبحث فيما كلف به مجلس …

اترك رد