fbpx
السبت , 23 يناير 2021

مقاربة نقدية لمبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل

عادل بن عبد الله 

قد لا يختلف المهتمون بالشأن التونسي في وجود أزمة حادة ترتبط في جزء منها بميراث المخلوع، وترتبط في الجزء الآخر بعجز النخب المتصدرة للمشهد العام منذ 2011 عن إدارة ذلك الميراث والتحرك به في أفق استحقاقات الثورة والانتظارات المشروعة للناخبين. ولكنّ الإجماع على وجود أزمة لم يصحبه إجماع مماثل -أو حتى توافق- على توصيف أسباب تلك الأزمة أو استراتيجيات الخروج منها.

وبصرف النظر عن الدور المشبوه للنظام الانتخابي وللمال السياسي الفاسد في إعادة إنتاج هذا الوضع ومنع وصول أي أغلبية حزبية للحكم، وبصرف النظر عن وجود مسافة كبيرة بين من يمتلك الشرعية الانتخابية وبين من يملك أدوات الحكم واقعيا، فإن أغلب المبادرات “التعديلية” أو الراغبة في تجاوز الأزمات الدورية لنظام الحكم (أي أساسا مبادرات الحوار الوطني بدءا من “الحوار الوطني” الذى أسقط الترويكا ومهد لعودة المنظومة القديمة دون وكلاء، مرورا بحوار قرطاج ومخرجاته الكارثية، وانتهاء بالمبادرة الأخيرة لاتحاد العام التونسي للشغل) تحولت بدورها إلى جزء من الأزمة أو إلى عامل من عوامل إعادة إنتاجها، وهو ما يدعو إلى المساءلة النقدية لمفهومي “الحوار” و”الوطنية” عند الفاعلين الجماعيين المدعويين لهذه الحوارات أو المقصيين منها، بالإضافة إلى التساؤل عن مدى تحقق الصفة “التحكيمية” أو الحيادية عند الداعين إلى هذه الحوارات والمشرفين عليها.

هل يوجد مرجع تحكيمي محايد في تونس؟

لو أردنا أن نفكك الخطابات المحتكرة للدور التعديلي أو التحكيمي بعد الثورة، فإننا سنلاحظ وجود نوع من التوتر الخفي بين ارتباطها “بنيويا” بأنظمة التسمية المترسبة من عهد الدولة الاستبدادية بلحظتيها الدستورية والتجمعية (وما يخفيه ذلك من مصالح مادية ورمزية تختزلها “البورقيبية” باعتبارها خطابا كبيرا لهندسة الذهن والفضاء الاجتماعي على حد سواء)، وبين ارتباطها أيديولوجيا بسرديات تعلن العداء للخيارات اللاوطنية للمنظومة القديمة سواء في مستوى السياسات الاقتصادية والاجتماعية أو في مستوى البنية التسلطية واللاديمقراطية للحكم.

ولكنّ هذا التوتّر “النظري” انحلّ واقعيا وفقد أي قيمة “ثورية” أو حتى إصلاحية بعد رحيل المخلوع، بحكم هيمنة منطق التناقض الرئيس (التناقض خطابيا أو شكليا مع الإسلاميين، والتناقض واقعيا مع كل نفس إصلاحي يهدد بنسف أساطير المنظومة القديمة ومصالح نواتها الصلبة) والتناقض الثانوي (التناقض مع ورثة المنظومة القديمة ظاهريا والتحالف معهم واقعيا تحت يافطة “الدفاع عن النمط المجتمعي”).

ولذلك لم ير التونسيون أي مبادرة حوارية إلا لخدمة المنظومة القديمة بصرف النظر عن أسماء وكلائها وتغير واجهاتها السياسية، ولم يعقب أي حوار تحسنٌ ملموس في معيشة التونسيين أو أي انفراج دائم في الحقل السياسي. فالحوار الوطني الذي أسقط الترويكا كان أقرب إلى فرض شروط الاستسلام على النهضة وشركائها، أما حوار قرطاج فقد كان أقرب إلى عملية إنقاذ لجناح لمرحوم الباجي قائد السبسي في نداء تونس، ولن يكون الحوار الذي يدعو إليه الاتحاد أفضل مما سبقه، وهو ما يمكن أن نجزم به بمجرد الاطلاع على الشروط التي وضعها العقل النقابي المؤدلج لهذا الحوار.

من حوار الخصوم إلى حوار المتشابهين

رغم وجود مبادرتين للحوار الوطني (إحداهما مبادرة حزبية تقدمت بها حركة النهضة للحوار تحت قبة البرلمان ، والثانية تعدها رئاسة الحكومة بالقصبة)، فإن الإعلام التونسي لا يشغل الرأي العام إلا بمبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل، حتى يكاد يُخيّل للمواطن البسيط أنها حبل النجاة الأوحد للخروج من الأزمة. وإذا ما نظرنا في نص مبادرة الاتحاد فإننا سنجد أنها ليست مبادرة للحوار الوطني “المفتوح”، بل هي من جنس “البيع المشروط”.

فالحوار كما قال الناطق باسم الاتحاد سامي الطاهري “لن يكون وطنيا ولا مفتوحا مثلما حصل في 2012، بينما سيكون في إطار تصور قدمه الاتحاد لسعيد، وإذا ما تبناه سيتم تشكيل آلية لهذا الحوار”. إننا أمام حوار “انتقائي” لا تتوفر فيه حتى شروط حوار إسقاط الترويكا. ونحن كذلك في الحقيقة أمام حوار “ثنائي” بين الاتحاد ورئيس الجمهورية وبعض المحظوظين الذين “يصادر” الاتحاد على توفر شروط “الوطنية” فيهم. أما الأطراف المقصية من الحوار، فإن الاتحاد لن يظلمها لأن “المحتوى الذي يتضمنه الحوار سيستثني أطرافا بعينها”، وهي حسب الناطق الرسمي باسم المركزية النقابية؛ تلك الأطراف التي تعتبر الحوار” تجاوزا للسلطات الدستورية ولنتائج الانتخابات” بالإضافة إلى من “يدعو لخطاب الكراهية”، ومن لديهم مصالح اقتصادية ومالية، “وبالتالي لا تريد أن يخرج الحوار بحلول ونتائج ذات بعد اجتماعي”.

شروط الحوار أو فتنة التحكم والمصادرة

نظريا، فإننا مبادرة الاتحاد لن تتسع إلا لمن يؤمن بالدولة المدنية الاجتماعية، ومن يرفض خطاب العنف والكراهية، ومن لا يرتبط بالمحاور الإقليمية المتنافسة على هندسة مسارات الثورة التونسية وتحديد مآلاتها. وإذا ما جارينا الاتحاد في هذه الشروط، فإننا سنتساءل عن الأطراف التي “تصادر” المركزية النقابية على تحققها بهذه الشروط، بل عن مدى تحقق هذه الشروط في الاتحاد ذاته وفي رئيس الجمهورية. فالشروط المذكورة أعلاه ستجعل مبادرة الاتحاد نوعا من “المصادرة” أو “التحكم” الذي لا يعكس الواقع بقدر ما يعكس توازنات الضعف (فلا معنى للحديث عن توازنات القوة في بلد مستباح ولا يملك أي مقوم من مقومات السيادة)، ولا حقيقة وصم البعض بخطاب الكراهية دون غيرهم لمجرد تحركهم ضد سياسات الاتحاد وانحيازاته المؤكدة للمنظومة القديمة. ولا يوجد أي فاعل جماعي غير مرتبط بمحور إقليمي قصديا أو بتقاطعات موضوعية، ولا توجد إلا استعارة ميتة تحت مفهوم الدولة المدنية الاجتماعية التي لم يكن الاتحاد ذاته إلا أحد معاول هدمها بالسياسات النيو-ليبرالية وإملاءات الجهات المانحة زمن المخلوع.

إننا أمام شروط تؤسس لحوار بين “المتشابهين”، وهي قد تبدو في ظاهرها انتكاسة عن “انفتاح” الحوارات الوطنية السابقة، ولكنها في الحقيقة تعكس أزمة العقل المؤدلج ذاته، ومنطق الاستقواء والانقلاب على إرادة الناخبين لخدمة “جرحى الانتخابات” والراغبين في مركزة السلطة مرة أخرى، بالتحالف مع الرئيس الذي استبد به مشروعه السياسي الهلامي.

مبادرة لإنقاذ تونس أم لإنقاذ الاتحاد وشركائه السياسيين؟

إن مبادرة الاتحاد هي في التحليل الأخير تجسيد لمنطق “أحادية الصوت” رغم ادعاء الحوارية، وهي أيضا تجسيد مثالي لمعنى “الوطنية” الذي يحوّل المقصيين منه إلى موضوع للتهميش والوصم، بل إلى موضوع للعنف الرمزي أو المادي “المشروع”. وما منعُ ائتلاف الكرامة من الظهور الإعلامي ومواصلة الهجوم عليه دون منحه حق الرد إلا مظهرا من مظاهر اشتغال هذا العقل “الحواري” و”الوطني”.

ولذلك فإن مبادرة الاتحاد ليست إلا بدلا مخاتلا لمبدل منه هو الإقصاء الممنهج لكل الفاعلين، أو لكل الخطابات التي قد تهدد مصالح النواة الصلبة للمنظومة القديمة ووكلائها التقليديين (وهي نواة لا يمكن اعتبار الاتحاد طرفا غريبا عنها، باعتباره كان دائما جزءا من منظومة الحكم أو من “شركائها الاجتماعيين”).

إن مبادرة الاتحاد التي تقدم نفسها على أنها محاولة لـ”إنقاذ تونس من أزمتها” ليست في الحقيقة سوى مبادرة لإنقاذ جزء من تونس؛ يمثله الاتحاد وشركاؤه السياسيون (“حزب الرئيس” مع جزء من المنظومة القديمة)، وهي مبادرة تحمل بذور فشلها قبل انطلاقها، لأنها ما زالت تصر على حرف الصراع عن مداراته الحقيقية (تحرير الإنسان والكيان وبناء مشروع مواطني جامع يقطع مع منطق المنظومة القديمة ووكلائها)، وإدارته بمنطق ثقافوي هوياتي يؤبد الاستقطابات الأيديولوجية والانقسامات المجتمعية التي لا تخدم في المحصول الأخير إلا أولئك المتحكمين في ركائز السلطة في تونس والمتسببين في أزمتها البنيوية، من وراء حجاب الحوار حينا والتصعيد حينا آخر.

عربي21

شاهد أيضاً

رسالة مفتوحة لكهنة “النمط المجتمعي التونسي”

عادل بن عبد الله  أتحدى كل الذين ينتسبون إلى النخبة “الحداثية” الرسمية -لا المهمشة والمقموعة- …

ماذا بقي من الثورة التونسية؟

عادل بن عبد الله  رغم حرص الخطاب الرسمي على تبرير الإجراءات الوقائية الاستثنائية الأخيرة بأسباب …

اترك رد