fbpx
الأحد , 24 يناير 2021

أمريكا تسيّج ديمقراطيّتها

صالح التيزاوي 

بعد غارة ليلة الخميس على مبنى الكونغرس التي شنّتها العصابات اليمينية المتطرفة الموالية والدّاعمة لسياسات “دونالد ترامب” الرّئيس المنتهية ولايته بشقّ الأنفس، شرعت الولايات المتّحّدة في تسييج محيط مبنى الكونغرس بأسلاك حديديّة. فهل تكون الأسلاك الحديديّة كافية وحدها لحماية الدّيمقراطيّة من الذين وصفهم سياسيون ومشرّعون بالرّعاع؟
أم أنّ الأمر يحتاج إلى أبعد من هذا، كأن تصنّف الجماعات اليمينيّة المتطرّفة والعنصريّة جماعات إرهابيّة؟

كشفت ليلة الخميس الأسود في الولايات المتّحّدة، أنّ الديمقراطيّات حتى العريقة تحتاج إلى تحصين من العصابات المتطرّفة والعنصريّة، فكيف الأمر بديمقراطيّة ناشئة كما في تونس، تكالب عليها أعداؤها من الدّاخل والخارج.

ليلة دامية في مبنى الكونغرس وصفها بعض المشرّعين بأنّها محاولة انقلابيّة فاشلة، كان أبطالها خليط من العصابات المتطرّفة، بعضها قديم وبعضها تشكّل مع صعود ترامب للرئاسة.. جماعة “براود بويز” و”النّازيون الجدد”، وكلّها جماعات ذات أيديولوجيا يمينيّة متطرّفة تركّز على “الهويّة البيضاء”. لم تكن الغارة على مبنى الكونغرس مفاجئة، بل كانت نتيجة حتميّة لسياسات إمبراطور الشّعبويّة والعنصريّة الذي لم يتوقّف عن التّشكيك في المسار الإنتخابي وفي نزاهة الإنتخابات وفي احتقار خصومه وظلّ يردّد حتى اللّحظات الأخيرة قبيل الهجوم الكاسح بأن “الإنتخابات سرقت منّا”.. وكلّ كلامه موجّه للعصابات اليمينيّة المتطرّفة والدّاعمة له.

انشغلت الولايات المتّحّدة مثل دول غربيّة أخرى منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر بمحاربة الإرهاب الخارجي وما تسمّيه “الإرهاب الإسلامي” مطمئنة إلى حصانة ديمقراطيّتها إلى أن تفاجأت أمريكا بأحداث ليلة الخميس الدّامية. قد تدفع الدّيمقراطيّات الغربيّة أثمانا باهظة، بسبب غفلتها أو تغافلها عن العصابات اليمينيّة المتطرّفة، بذريعة مواجهة الإرهاب الخارجي.. غفلة أو تغافل كانا كافيين لتنظّم تلك الجماعات صفوفها وتتحوّل إلي إرهاب محلّي يهدّد أعتى الدّيمقراطيّات.

اللافت للإنتباه بعد الغارة الدّامية على مبنى الكونغرس، أن لا أحد من السّاسة ولا من المشرّعين ولا من الإعلام على اختلاف مشاربهم دعا إلى حلّ الكونغرس أو ذمّ الدّيمقراطيّة (بإستثناء ترامب وجماعاته) كما تفعل بعض النّخب في بلادنا.. كلّما حلّت أزمة في البلاد، مبرّرة كانت أو مدبّرة، قامت قيامتهم وتنادوا إلى الإنقلاب على الإنتقال الدّيمقراطي وعلى النّظام السّياسى وعلى الدّستور الذي يرعاها.. وإن لم يجدوا آذانا صاغية لجؤوا إلى الحيلة لتعطيلها بانتظار الفرصة لإلغائها.. مرّة بقوّة العنف وعنف القوّة ومرّة بدعوات مشبوهة إلى “حكومة الرّئيس”.. ومرّة تحت مسمى “حوار وطني للإنقاذ” !! إنقاذ من؟ إنقاذ البلاد واقتصادها المترنّح حقيقة أم إنقاذ نخب معادية للدّيمقراطيّة من ورطة الإنتخابات ومن فأس الدّيمقراطيّة.. حتى أصبح البرلمان رمز الديمقراطيّة مسرحا عبثيّا لاعتصامات عبثيّة، تهدّد سلامة الإنتقال الدّيمقراطي.. نخب لا يشغلها تحصين الدّيمقراطية بقدر انشغالها بعودة الإستبداد وتحصينه.

ربّما يتوب ترامب عن أفعاله بعد أن استوفي كلّ مسالك التّشكيك في الإنتخابات التي أطاحت به وربّما أقرّ بذنبه بعد الغارة الدّامية، وربّما تبرّأ من الذين ملأهم حقدا وتحريضا وعنصريّة.. لأنّ الرّجل الخطير اصطدم بديمقراطيّة أقوى منه فهي ذات مخالب وذات مؤسّسات تحميها وبقانون نافذ يحرسها، قد يفضي إلى عزله، أيّاما معدودات قبل انتهاء ولايته عقابا له على أفعاله، ولكن لا أمل في تعافى بعض نخبنا (حرّاس الإستبداد) من التّعافي من حالة التّشكيك في مسار الحرّيّة والدّيمقراطيّة… ولا أمل في تعافيهم من التّآمر على مكسب الثورة الوحيد.. قد يحتاج الأمر إلى أجيال إن بقي مسار الإنتقال الدّيمقراطي صامدا في وجه مؤامرات، لا ندري متى تتوقّف.

شاهد أيضاً

المستفيد من أعمال التخريب

صالح التيزاوي  ابحث عن المستفيد تعرف الفاعل قاعدة يطبّقها المختصّون في علم الجريمة لمعرفة الجاني، …

معارضة اللامحتوى

صالح التيزاوي  زمان.. أيّام الإستبداد النوفمبري، كان للمعارضة محتوى، وكانت لأشكال النّضال بريقها، رغم مناخ …

اترك رد