fbpx
الإثنين , 18 يناير 2021

خاطرة في أنّ القوى العظمى تؤتى من داخلها في الأعمّ الأغلب..

زهير إسماعيل 

ما شهدته الولايات المتحدة أمس يؤشّر على انقسام في المجتمع الأمريكي كاد يطول الدولة ومؤسساتها.

1. يُشار إلى أنّ الولايات المتّحدة الأمريكية شعوب مختلفة لا يجمعها إلاّ الدولة (الديمقراطيّة) واللغة. ولها نموذج في الدولة مختلف عن تجربة الدولة في أوروبا.
والديمقراطيّة الحديثة -وأعرقها الديمقراطيّة الأمريكية- لم تكن نتيجة ثورة (الثورة لا تنتج إلاّ حكما كليانيّا) بقدر ما كانت نتيجة لتسوية تاريخية بين رأس المال والسياسة.
فالشعوب التي أسست الولايات المتّحدة في أصلها شعوب أوروبية غازية أقامت وجودها على إبادة السكان الأصليين للقارة الأمريكية. ولم تجعل منهم مادّة لمشروعها أو شريكا في اجتماع متعدد.

لذلك بقيت الديمقراطية الغربية مشروطة بالاستعمار وربما بالإبادة. لاعتقاد أوروبا أنّ نمطها يختزل تجارب الأمم والشعوب ويمثّلها. فلم يختلف فلاسفة أوروبا وقادتها على المهمّة التمدينية للظاهرة الاستعماريّة ولا حول رسالتها التحديثية.

2. لكننا، من ناحيتنا، لم ننس في الجزائر وتونس وسائر بلاد العرب أنّ من استعمرنا هو الغرب الرأسمالي الديمقراطي. فانفكّ ما في أذهاننا من ارتباط وتلازم بين الديمقراطيّة والحريّة.
ومن شأن هذا أن ينبّه إلى تفرّد الإسلام بكونه الفكرة الوحيدة تقريبا التي جعلت من “أعدائها” (الأعراب البُداة) مادّة مشروعها الإنساني وحمَلَة رسالتها إلى الآفاق. وكان هذا حتّى مع الشعوب التي تمّ “فتحها”.
كان النبي، في حديثه عن قريش قومه الذين اضطهدوه وقتلوا أصحابه، يردّد: لعلّ الله يُخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلاّ الله…
عند هذه النقطة يمكن ملاحظة ما بين الاستعمار والفتح من فروق؛ فالأوّل أساسه تناقض/صراع، والثاني أساسه اختلاف/تدافع.
فالصراع باعتباره صورة اجتماعية تاريخية عن مفهوم التناقض يجعل الديمقراطيّة مشروطة بالاستعمار، في حين يجعل مفهوم التدافع باعتباره صورة اجتماعية تاريخية عن مفهوم الاختلاف “الكلمة السواء” مشروطة بالتعارف (لتعارفوا) ومن ثم مشروطة بالحريّة بما هي شرط للتكليف وماهية للكائن (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

وهناك تصوّر لا يرى فروقا في مستوى النتيجة بين الاستعمار وتفتح، ولا يمثّل اجتهادنا في البحث عن أسس مفهومية للفوارق المزعومة سوى حسن ظنّ بتجربتنا لا تسعفه التجربة نفسها.
في مطلع الألفية الثالثة تطمح ثورة الحريّة والكرامة، في اتجاهها إلى بناء الديمقراطيّة والمواطنة الكريمة، إلى تجاوز الديمقراطيّة المشروطة بالعبودية (يونان) والديمقراطيّة المشروطة بالاستعمار ( أوروبا/الغرب)، ومحاولة بناء ديمقراطيّة مشروطة بالحريّة.

فالديمقراطية المشروطة بالاستعمار فكّت الارتباط بينها وبين الحرية، فقد يكون داعية الديمقراطية مناهضا للحرية. وقد يكون مناضل الحرية غير ديمقراطي. فالديمقراطية حرية مشروطة، في حين تتعلق الحريّة بالإنسان بما هو إنسان على اختلاف لونه وجنسه وأرضه.

3. الولايات المتحدة دولة عظمى، وفي الغالب تؤتى مثل هذه القوى الإمبراطورية من داخلها. الولايات المتحدة تسود العالم وتدرك في الآن نفسه أنّ سيادتها غير أبدية. وقد بدأ بعض أهل التجربة الأمريكية ينتبهون إلى ظهور علامات على انحسار القوة الأمريكية (الصحفي توماس فريدمان) وارتدادها إلى محيطها الأطلسي الذي انطلقت منه. ويشدّدون على أنّ قوة الولايات المتحدة الضاربة في العالم اقتصاديا وعسكريا تخفي هشاشة داخلية مفزعة. إذ يكفي أن يقتل رجل أسود حتّى تهتز مدن عظمى ويضطرب النظام فيها. وما أتاه ترامب وجه آخر لهذه الهشاشة الكامنة في أعرق ديمقراطيّة وأقواها في العالم.

وظاهرة ترامب ليست مفصولة عن التجربة الأمريكية وتاريخها، فعنوان الشعبوية الذي يمثّله وما يؤسسه من نزعة قوميّة إنجيلية معولمة يعبّر في عمقه عن “هامش هذه التجربة” و”الفئات الواسعة” التي همّشتها مدن الفساد البرجوازي الكبرى. دون أن يكون ترامب اجتماعيا من هذه الفئات. فهو من نخبة رجال الأعمال والمضاربين المسار الذين جعلوا من السياسة بابا إلى الشهرة ومزيد النفوذ. ولكن الذي يشدّه إلى حشود المهمشين القادمة من عالم الريف وفئات المدن التي همّشها التصنيع هو الرابط العقدي الإنجيلي بنكهة قوميّة شوفينية.

جاك أنجلي

فذو القرنين (جاك أنجلي) الذي تربّع على عرش الكونغرس يوم أمس، بعد اقتحامه من قبل أنصار ترامب هو من حركة يمينية متطرفة تؤمن بأنّه يوجد جهاز مخابرات سرّي يحمل اسم “كيو” يقاوم من أجل منع تزوير الانتخابات من قبل الديمقراطيين. كما تؤمن هذه الحركة بعقائد أخرى في غاية التطرّف قريبة. وشوهد الرجل يحمل لافتة كتب عليها: كيو أرسلني.

ويوم تربو روابط الأصل/العرق والنحلة (ألفين جمعية دينية إنجيلية متطرفة مسلحة) واللسان المحلّي والمستوى الاجتماعيّ على رابطي الديمقراطيّة واللغة فإنّ انهيار التجربة (أو حتّى مجرّد ارتدادها إلى مجالها الأطلسي) سيكون سريعا وكارثيا على العالم، وستنطلق على إثره حروب إقليمية لا أوّل لها ولا آخر كان وجود الولايات المتحدة يمنعها (هذا تفسير لدورها وليس تبريرا له) وسيكون الكيان الصهيوني أوّل الكيانات المندثرة. وعلى هذا الأساس من التحولات التي تعرفها الولايات المتحدة، إلى جانب عوامل أخرى تخص كيانهم المزروع وعلاقته بالمنطقة، ينظر بناة الكيان الصهيوني إلى مستقبلهم ويكادون يجمعون على أنّ نهايتهم أصبحت قريبة.

توازن الاجتماع الإنساني ليس في التنافي العبثي وفي الصراع المدمّر على القوة والثروة بقدر ما هو في مغادرة مفاهيم التناقض والصراع والهيمنة إلى مفاهيم الاختلاف والتدافع والتعارف… فواقع الإنسانية هو في جانب منه نتيجة صورتها عن نفسها.

انحسار الولايات المتحدة وعودتها إلى مجالها الأطلسي لن يكون غدا ولكن عليه أكثر من علامة، وهناك من يربطه بقوّة الصين الصاعدة، وبتغير واضح في أداء الولايات المتحدة في منطقة “الشرق الأوسط”، وشراكاتها الجديدة فيها (روسيا، تركيا) حتّى قال توماس فريدمان، متحدثا عن ولاية ترامب: كنّا ننزعج من تدخّل الولايات المتحدة بكل شيء، فصرنا ننزعج من عدم تدخلها في أيّ شيء.

شاهد أيضاً

نوبات تخريب بلا أفق

زهير إسماعيل  بقدر ما تنبّه إلى تعثّر في مسار بناء الديمقراطيّة والمواطنة الكريمة تشير إلى …

أمريكا تتعرّب..!!!

عبد اللّطيف درباله  أعمال عنف وشغب.. وعدم اعتراف متبادل من الجهتين بنتائج الانتخابات.. وطريقة حكم …

اترك رد