fbpx
الأربعاء , 27 يناير 2021

أمريكا تتعرّب..!!!

عبد اللّطيف درباله 

أعمال عنف وشغب.. وعدم اعتراف متبادل من الجهتين بنتائج الانتخابات.. وطريقة حكم فريدة تشبه طريقة الحكّام العرب..!!

هل أنّ تونس تسير على طريق الديمقراطيّة الغربيّة.. أم أنّ الدول الغربيّة القديمة في الديمقراطيّة هي التي تسير على طريق تونس..؟؟؟!!!

ما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكيّة من أعمال احتجاج وشغب وصلت إلى حدّ اقتحام مبنى الكونغرس في واقعة غير مسبوقة.. هو أمر مثير وجدير بالانتباه..
فللغرابة.. فإنّ ديمقراطيّة عريقة مثل الديموقراطية الأمريكية بدأت تعيش منذ سنوات أزمة شبيهة بظاهرة الديمقراطيّات الناشئة في العالم الثالث.. مثل الديمقراطيّات الجديدة في أمريكا اللاتينيّة وإفريقيا..!!
هذه البلدان النامية هي التي تعرف عادة أعمال رفض لنتائج الانتخابات خاصّة ممّن هم في السلطة وخسروها.. وهي التي كانت تعرف أعمال شغب ومحاولة لتغيير نتائج الانتخابات المرفوضة بالقوّة..
على العكس من ذلك فإنّ ما استقرّ عليه الأمر في الديمقراطيّات العريقة مثل الولايات المتحدة وكندا وأوروبّا وأستراليا وغيرها.. أنّ التنافس يبلغ أشدّه أثناء الحملات الانتخابيّة.. حدّ تبادل الأعمال العدائيّة وتبادل الشتائم والمؤامرات ونشر الفضائح والضرب تحت الحزام.. لكن متى وقع التصويت وخرجت نتيجة الانتخابات.. قُضي الأمر.. وانتهت حالة العداء.. وتقبّل الجميع الأمر الواقع.. مع مواصلة أعمال النقد والمنافسة السياسيّة والإعلاميّة.. لكن بطريقة عاديّة وفي إطار سياسيّ بحت..
خلافا لذلك.. فإنّ وصول رجل الأعمال الموصوف بالشعبوي دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكيّة سنة 2016.. خرج بواقع السياسة في أمريكا لأوّل مرّة تقريبا عن المتعارف عليه منذ عقود.. واعتبرت فئات واسعة في الولايات المتحدة أنّ فوزه غير مستحقّ.. وأنّه لا يليق برئاسة أمريكا.. وأنّ وجوده هو خطر عليها.. والأكثر من ذلك أنّه يجب تنحيته عن الحكم في أقرب وقت قبل حتّى نهاية مدّة رئاسته القصيرة البالغة 4 سنوات.. والتي انتخب ديمقراطيّا من أجلها..

فكرة إزاحة رئيس منتخب عن السلطة فورا رغم انتخابه ومنذ بداية عهدته الرئاسيّة بدت شبيهة مثلا بما حصل في تونس بعيد انتخابات 23 أكتوبر 2011.. إذ فازت أحزاب الترويكا بالحكم بحصولها على أغلبيّة الأصوات.. لكنّ أصوات أخرى من خارج الصندوق علت منذ الشهر الأوّل بزعم عدم استحقاق وعدم أهليّة الفائزين قي الإنتخابات للحكم.. وضرورة تنحيتهم فورا من السلطة.. رغم أنّهم جاؤوا عبر صندوق الاقتراع وبطريقة ديمقراطيّة..
أن يحصل ذلك في تونس حديثة العهد بالديمقراطيّة والانتخابات الحرّة والنزيهة.. يمكن أن يُفهم وتوجد له التبريرات..
أمّا أن يحدث ذلك في بلد يعرف التقاليد الانتخابيّة والديمقراطيّة منذ مئات السنوات.. فهو أمر يدعو للتعجّب والاستغراب.. ويطرح التساؤلات حول ما إذا كانت تونس تسير على طريق الديمقراطيّة الغربيّة العريقة.. أم أنّ الدول الغربيّة القديمة في الديمقراطيّة هي التي تسير على طريق تونس..؟؟؟!!!

فكرة ضرورة إزاحة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من رئاسة أمريكا منذ أوّل يوم دخل فيه البيت الأبيض.. اشتركت فيها فئة واسعة من عامّة الشعب الأمريكي.. لكن وأيضا من نخبته السياسيّة والاقتصاديّة والفكريّة والثقافية والإعلاميّة..
فمباشرة بعد انتخاب ترامب سنة 2016 بدأت احتجاجات وأعمال شغب غير مسبوقة في الشوارع مدفوعة بحركات سياسيّة شعبيّة.. وبترويج وشحن واسع على وسائل التواصل الاجتماعي.. وبتحريض من وسائل إعلام كبرى ومن شخصيّات مؤثّرة من كلّ القطاعات..
كان لافتا للنظر أنّ أغلب وسائل الإعلام الكبرى والعريقة والمؤثّرة ناصبت دونالد ترامب العداء.. وشنّت ضدّه حملة إعلاميّة معادية وشرسة بلا هوادة طيلة أربع سنوات كاملة..
أمّا الحزب الديمقراطي المعارض.. فقد عمل كلّ ما في وسعه لإزاحة غريمه ترامب مرشّح الحزب الجمهوري من السلطة.. ونظّم إجراءات دستوريّة استثنائيّة في محاولة لعزله.. لكنّها فشلت..
وبين هذا وذاك نظّمت حملات وتحقيقات وتتبعّات قانونيّة وقضائيّة عديدة ضدّ الرئيس ترامب بسبب تهم مختلفة منسوبة إليه.. في محاولة لإيجاد سبب قانوني ودستوريّ.. أو سبب سياسيّ.. لإضعافه وتحقيق مغادرته الحكم قبل نهاية مدّته الرئاسيّة في 20 جانفي 2021.
وعلى الأرجح لم يتعرّض سابقا رئيس أمريكيّ منتخب.. وهو في السلطة.. لكمّ الهجومات السياسيّة والإعلاميّة والقضائيّة.. التي تعرّض لها دونالد ترامب..

ربّما كانت عنجهيّة الرئيس الجديد دونالد ترامب.. وشخصيّته المستفزّة المثيرة للجدل.. وأفكاره المستجدّة والغريبة.. وطريقة إدارته للسلطة.. وخاصّة مجيئه من خارج الطبقة السياسيّة التقليديّة.. وعدم خبرته بالسياسة وشبكات النفوذ المعروفة.. هي ما أجّجت الصراع الشرس والقويّ ضدّه..
والحقيقة أنّ ترامب قدّم للأمركيّين المعادين له أسبابا إضافيّة لمحاربته.. بالإضافة إلى كلّ ما سبقت الإشارة إليه في طبيعته الشخصيّة ومردوده السياسي.. ففقد أدار الولايات المتحّدة بنزعة فرديّة غير مسبوقة.. وكأنّه حاكم من العالم الثالث حيث السلطة سلطة الأفراد.. ولا وجود لمؤسّسات حكم وإنّما لزعامة شخصيّة للحاكم.. الشيء الذي انتهجه ترامب واقعيّا في سلوكه الرئاسي..!!

بل أنّ ترامب أظهر “دما عربيّا” خالصا وفريدا في الحكم..!!
فقد أعلن صراحة بأنّه يناصر الحكّام الديكتاتوريّين.. في حين كانت الإدارة الأمريكيّة تفعل ذلك سرّا سابقا.. بالتحالف معهم في الكواليس.. ونقدهم في التصريحات الرسميّة..
كما لم يخف ترامب إعجابه وربّما حسده للرئيس الروسي فلادمير بوتين لكونه يحكم منذ سنوات طويلة.. وبإمكانه البقاء لسنوات طويلة أخرى إضافيّة في السلطة.. وليس مثله سيكون محدّدا بمدّتين رئاسيّتين اثنتين لا تتجاوز 8 سنوات في أقصى الحالات مهما فعل..!!
وربّما كان ذلك أيضا سرّ إعجاب ترامب بالعديد من الحكّام العرب الذين تحالف معهم..!!!
وعلى طريقة الحكّام العرب.. أقحم ترامب بدوره أفراد عائلته في السلطة بطريقة فجّة.. ومنحهم وظائف رسميّة.. وترك لهم العنان للتفاوض باسمه سرّا وعلنا.. وإدارة وعقد الصفقات.. واستعان أيضا بالكثيرين من محيطه ومعارفة الشخصيّين في دواليب الحكم.. في بلد كان يقوم على الاعتماد على الكفاءات الحزبيّة وغير الحزبيّة من ذوي الخبرة السياسيّة العميقة.. وليس على “الأهل والأصحاب”..!!
طوال أربع سنوات.. أدار دونالد ترامب مؤسّسة الرئاسة الأمريكيّة وأعلى هرم السلطة طبق القاعدة العربيّة المعروفة في الحكم عبر إعطاء الأولويّة للولاء الشخصيّ على حساب الكفاءة.. فكان يختار للمناصب العليا باستمرار من له الثقة فيهم ويقدّمون له فروض الطاعة والولاء وليس من يمتلكون الكفاءة والخبرة لشغل المنصب..!!

بمرور الوقت تكوّنت لدى الرئيس الأمريكي ترامب نفس العقدة المعروفة لدى بعض الحكّام العرب وحكّام العالم الثالث.. وهو أنّه الزعيم الأوحد والأفضل لحكم البلاد.. وأنّ المصلحة العليا للوطن مرتبطة فقط بوجوده هو شخصيّا دون غيره في الحكم.. وأنّه لا أحد سواه بإمكانه أن يصنع ربيع البلد الذي يحكمه.. وأنّ من بعده الهلاك..!!
وأصبح ترامب يتخيّل تماما كالكثير من حكّام العالم العربي وإفريقيا وأمريكا اللاتينيّة وأنّ غالبيّة الشعب تثق فيه هو دون غيره.. وأنّ أيّ انتخابات تظهر غير ذلك فتعني ببساطة أنّها مدلّسة ومزيّفة..!!!
لذلك استبق ترامب الانتخابات الأمريكيّة لسنة 2020 بالتأكيد بأنّ التفسير والمعنى الوحيد لاحتمال عدم فوزه بالانتخابات الرئاسيّة هو أنّه جرى تدليسها..!!!
تبعا لذلك رفض ترامب لاحقا الاعتراف بخسارته أمام جون بايدن.. ورفض الاعتراف بنتائج الانتخابات الأخيرة.. وشجّع أنصاره على العصيان وعلى الاحتجاج والتظاهر ضدّ نتيجة الانتخابات.. ورفض التعاون مع الرئيس المنتخب بايدن في ترتيبات انتقال السلطة.. وخرق تقليدا أمريكيّا عريقا باجتماع الرئيس المغادر مع الرئيس الجديد عدّة مرّات قبل التسليم الرسمي للسلطة يوم 20 جانفي من أجل اطلاعه على كواليس الحكم وتهيئته لاستلام إدارة البلاد فورا بأقصى فاعليّة منذ اليوم الأوّل..

ربّما لو كان دونالد ترامب في دولة إفريقيّة أو لاتينيّة أو عربيّة لرفض في النهاية مغادرة السلطة بإنكاره صحّة ونزاهة الانتخابات..!!
ولكان استغلّ سيطرته على دواليب الدولة وربّما تواطئ الجيش والأمن معه.. ولتشبّث بالسلطة بالقوّة.. ناهيك وأنّ تسريبات أفادت بأنّ الرئيس الأمريكي الخاسر دونالد ترامب ناقش فعلا مع بعض مستشاريه والمقرّبين منه بعض الفرضيّات والسيناريوهات والطرق الدستوريّة الاستثنائيّة لضمان البقاء في السلطة رغم إعلان الهيئات الدستوريّة المختصّة فوز منافسه عن الحزب الديمقراطي جو بايدن.. مثل إعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفيّة ونشر الجيش الأمريكي داخل البلاد..!!!!
لكنّ طبيعة النظام والبنية السياسيّة الأمريكيّة لا تسمح في النهاية بمثل تلك الممارسات والمغامرات.. وهو ما دفع حتّى قيادات في الحزب الجمهوري الذي ترشّح باسمه دونالد ترامب لاستنكار تلك الأفكار والممارسات والفرضيّات ورفضها تماما.. ودعوا ترامب للاعتراف بالهزيمة في الانتخابات.. وللتعاون في مسألة انتقال وتسليم السلطة للرئيس المنتخب والفائز جو بايدن بطريقة سلميّة وسلسة..

واقعيّا.. يمكن القول بأنّ عدم الاعتراف بنتيجة الانتخابات كان من الطرفين..
فالرئيس الحالي دونالد ترامب يرفض الاعتراف بنتيجة انتخابات 2020.. ويعتبر أنّ فوز منافسه جو بايدن شابه التزوير..
في حين أنّ جزء هامّ من الدولة الأمريكيّة رفض ضمنيّا الاعتراف بنتيجة الانتخابات في سنة 2016.. واعتبر أنّ فوز دونالد ترامب بالرئاسة أمر شابه سوء التقدير..

أيّا كان الأمر.. فقد لُطّخت الديمقراطيّة الأمريكيّة العريقة في الأعوام الأربعة الأخيرة بشوائب دخيلة وممارسات غريبة كان مجرّد افتراضها منذ سنوات هو ضرب من الخيال..!!!
وبدت بعض الممارسات في عقر الولايات المتحدة الأمريكيّة شبيهة بممارسات الديمقراطيّات الناشئة والهشّة بأمريكا اللاتينيّة وافريقيا..
ومنذ مجيء ترامب سنة 2016 “فاحت” أجواء عربيّة أصيلة في الجوّ السياسي العام بأمريكا.. حتّى بدا كما لو أنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة “تتعرّب”..!!!

شاهد أيضاً

في انتظار تحويل الثورة إلى ثروة..!! 14 جانفي 2011 – 14 جانفي 2021

عبد اللّطيف درباله  بن علي “فهم الجميع” في تونس.. وأذياله لم يفهموا شيئا بعد عشر …

خاطرة في أنّ القوى العظمى تؤتى من داخلها في الأعمّ الأغلب..

زهير إسماعيل  ما شهدته الولايات المتحدة أمس يؤشّر على انقسام في المجتمع الأمريكي كاد يطول …

اترك رد