fbpx
الأحد , 17 يناير 2021

إقالة المشيشي لوزير داخلية قيس سعيّد.. وجه آخر للصراع على السلطة بتونس

عبد اللّطيف درباله 

إقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي لوزير الداخلية توفيق شرف الدين يوم الثلاثاء 05 جانفي 2021.. لا يتعلّق في الواقع بأيّ خطأ خاصّ ارتكبه الوزير.. وإنّما يتعلّق في الأصل بالصراع السياسي الدائر عموما في أعلى هرم السلطة بتونس اليوم.. بين رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد ورئيس الحكومة هشام المشيشي شخصيّا رأسا برأس.. وبين كتلتين سياسيّتين يمثّل إحداها الرئيس سعيّد وبعض الأحزاب والقوى السياسيّة الداعمة له مثل حزب التيّار الديمقراطي وحركة الشعب وغيرها.. ويمثّل الأخرى رئيس الحكومة المشيشي وبعض القوى والأحزاب الداعمة له مثل حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة..

هشام المشيشي كما يعرف الجميع كان مرشّح رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد لرئاسة الحكومة.. باعتباره كان موضع ثقة الرئيس الذي اختاره سابقا كمستشار قانوني له برئاسة الجمهوريّة.. ثمّ سرعان ما فرضه على الياس الفخفاخ كوزير للداخليّة باعتباره موضع ثقته حينها..
لكنّ الطرق بين سعيّد ومرشحّه المشيشي سرعان ما انقطعت في آخر فترة تشكيل حكومته وقبل أيّام فقط من التصويت بمنحها الثقة..
وقد حاول قيس سعيّد حتّى قطع الطريق على المشيشي في الساعات الأخيرة لعدم بلوغه منصب رئيس الحكومة.. لكنّ الوقت كان قد فات تماما..
واستطاعت أحزاب النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة استقطاب المشيشي الذي كان بدوره يبحث عن حزام سياسي داعم يضمن له التمتّع بمنصب حاكم تونس الذي لم يكن يحلم به يوما على الأرجح..

لعلّ هشام المشيشي أكثر شخص يعرف طرق تعامل رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد مع وزير الداخليّة.. فقد كان وزيرا للداخليّة بدوره معيّنا من سعيّد.. وتحت إمرته وفي خدمته شخصيّا.. وهو يعرف اهتمام هذا الأخير بالجهاز الأمني وبالاستخبارات وبالمعلومات.. خاصّة في إطار صراعه السياسي المستجدّ مع القوى السياسيّة التي أصبح رئيس الجمهوريّة يناصبها العداء..
فالجميع يعلم بأنّه وبرغم الثورة.. وبرغم النظام الديمقراطي الجديد بتونس منذ 14 جانفي 2011.. فإنّ الدولة البوليسيّة التي أسّسها بورقيبة ثمّ بن علي.. لا زالت تلقي بظلالها على الحياة السياسيّة في تونس.. ولا زال للجهاز الأمني بكلّ تفرّعاته.. ولكبار القادة الأمنيّين.. ولاستعلامات الأمن ومخابراته.. وللقوى النظاميّة الحاملة للسلاح مثل قوّات التدخّل والحرس الوطني وفرق النخبة الأمنيّة المختصّة والقويّة.. كلّها لا يزال لديها ثقل لا يمكن إنكاره على مجريات الحياة السياسيّة بتونس حتّى اليوم..
ومازالت وزارة الداخليّة تعدّ واقعيّا العمود الفقري للسلطة بتونس.. خاصّة في ظلّ جوّ التناحر السياسي الحادّ الذي تغرق فيه البلاد..

أمام كلّ ذلك.. لم يكن رئيس الحكومة هشام المشيشي مرتاحا بتاتا وهو يرى بأنّه رئيس لحكومة لم يأت لا هو ولا الأحزاب الداعمة له اليوم بأغلب أعضائها.. وإنّما هو مضطرّ للحياة والعمل والصراع ضمن فريق اختاره في الأغلب رئيس الجمهوريّة ومساعديه.. والذي أصبح يناصبه العداء اليوم بشكل لا يخفى على أحد..
ولا يمكن للمشيشي أن يشعر بأنّه يحكم البلاد فعلا في حين لا تزال “أهمّ” وزارة في البلاد تخرج عن طوعه وسلطته.. وتخضع لسلطة “غريمه” رئيس الجمهوريّة الذي يتربّص به..
ولعلّ احتفاظ رئيس الحكومة هشام المشيشي لنفسه بالإشراف وقتيّا على وزارة الداخليّة إلى حين تسمية وزير جديد في وضع معقّد قد لا يسمح بذلك قبل أشهر طويلة.. يعكس بوضوح من جهة رغبته في وضع سلطة خبرها بيده هو شخصيّا طوال ستّة أشهر وهو وزير للداخليّة بحكومة الفخفاخ.. ويعكس من جهة أخرى عدم ثقته في أيّ وزير آخر في حكومته لمسك الوزارة الهامّة بالنيابة لكون أغلب الوزراء هم رجال قيس سعيّد في الأصل..!!!

ولعلّه من المفيد التذكير بالتاريخ.. وبأنّ رئيسا حكومة.. أو الأصحّ وزيرين أوّلين فقط سبق لهما في تونس الإمساك لفترة بوزارة الداخليّة مع كرسي قصر القصبة.. وهما محمّد المزالي وزين العابدين بن علي..
وقد رُوِيَ عن محمّد المزالي الذي أمسك بمنصب الوزير الأوّل مدّة ستّة سنوات كاملة في أوّل الثمانينات بأنّه قال انّه لم يشعر بأنّه يحكم البلاد فعلا إلاّ في فترة الأشهر القليلة التي أمسك فيها بوزارة الداخليّة في نفس الوقت..!!!
أمّا بن علي فالجميع يعرف بأنّ سيطرته على الأمن كوزير للداخليّة مهدّت له طريق الإنقلاب والسيطرة على كامل السلطة والإطاحة بالرئيس بورقيبة لاحقا..!!

لذا فإنّ سعي رئيس الحكومة هشام المشيشي “لاسترجاع” وزارة الداخليّة كان مسألة وقت لا غير.. وكان فقط في انتظار اللحظة المناسبة.. وربّما جرت محاولات في الأثناء لاستقطاب توفيق شرف الدين.. وقد تكون فشلت على الأرجح لمحافظته على الولاء لشخص قيس سعيّد..!!
بل أنّ المشيشي كان بمعيّة الأحزاب الداعمة له يفكّر في كيفيّة استرجاع كامل الحكومة من قبضة من جاء بأغلب أعضائها وهو الرئيس قيس سعيّد.. الذي عيّن ليس فقط وزير الداخليّة وإنّما أيضا وزراء الدفاع والعدل وغيرهم..
وكانت أخبار التحوير الوزاري شبه مؤكّدة وتطبخ على مهل.. في ظلّ صدّ متوقّع من الرئيس سعيّد الذي سبق وحذّر من تغيير وزراء الحكومة بسرعة.. وفي ظلّ صعوبات نتيجة الصراعات والتوازنات السياسيّة التي تفرضها حالة الاستقطاب الشديدة في مجلس نواب الشعب..
وقد كان إيقاف رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي مؤخّرا على ذمّة التحقيق من جديد ضربة موجعة لمساعي أهل السلطة الجدد للسيطرة على الحكومة و”تطهيرها” من وزراء قيس سعيّد.. على الأقلّ في ما يخصّ الوزارات الفاعلة والمهمّة والمؤثّرة..!!

زيارة رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد لمقرّ وزارة الداخليّة ليلة رأس السنة.. وتنسيقه مباشرة مع وزير الداخليّة توفيق شرف الدين.. قد لا تكون هي القشّة التي قسمت ظهر البعير ودفعت المشيشي للتعجيل بإقالة شرف الدين والسيطرة على وزارة الداخليّة.. بقدر ما كان السبب على الأرجح هو إنكشاف التوجّه “المريب” لرئيس الجمهوريّة قيس سعيّد ضمن خطابه التصادمي بمناسبة العام الجديد.. وحديثه عن “القوّات المسلّحة”.. ونبرة الاستقطاب التي يعمل بها لاستمالة الأجهزة الأمنيّة.. واعتباره ضمنا لكن بوضوح أنّها جزء لا يتجزّأ من القوّات المسلّحة التي تضمّ الجيش الوطني.. في حين أنّه القائد الأعلى للقوّات المسلّحة طبق الدستور والتي تعني عادة القوّات العسكريّة.. لا الأمنيّة.. لكنّ تأويلات قيس سعيّد قد تجنح للتوسّع.. بحيث يضيف إلى نفسه صلاحيّات الأمن إلى صلاحيّات الجيش.. بما يعني منعرجا خطيرا.. خاصّة في ظلّ إدارة وزارة الداخليّة من قبل أحد الموالين له والذي كان أحد قادة حملته الانتخابيّة وهو المحامي توفيق شرف الدين..!!!

لا شكّ أنّه بقطع النظر عن من كان على خطأ ومن كان على صواب.. فإنّه وفي ظلّ الصراع السياسي الشرس الدائر في البلاد.. فإنّه ليس لعاقل في السياسة أن يترك المؤسّسة الأمنيّة بالإضافة إلى المؤسّسة العسكريّة بيد شخص رئيس الجمهوريّة وحده.. والذي أظهر نوايا معلنة لقلب النظام السياسي برمّته.. وهو يعادي الحكومة والأحزاب المكوّنة لها خصوصا.. ويعادي منظومة الأحزاب عموما ويعتبرها آليّة سياسيّة قديمة وبالية يجب تغييرها.. بل واعتبر نفسه وكأنّه “من كوكب آخر”.. وسبق وأن كرّر خطاباته الصداميّة وهاجم خصومه السياسيّين وتوعدّهم في خطب حماسيّة غاضبة وعدائيّة داخل ثكنات الجيش والأمن نفسه..!!!

هذا دون الخوض في بعض التفاصيل الأخرى المتداولة في الكواليس حول توجّهات وقرارات وسياسة وزير الداخليّة توفيق شرف الدين.. ونقاط خلافه مع رئيس الحكومة هشام المشيشي في الإشراف على المؤسّسة الأمنيّة.. مقابل تماهيه مع توجّهات رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. والتي تتعدّد الروايات في شأنها.. وقد تخرج للعلن قريبا..

مرّة أخرى وخارج أيّ تقييم لقرار رئيس الحكومة المشيشي.. وبقطع النظر عن التساؤل إن كان وزير الداخليّة توفيق شرف الدين يستحقّ الإقالة من عدمه.. فإنّ طبيعة الأشياء في الوقت الحالي تقف عند اعتبار أنّ إقالته كانت متوقّعة ومنتظرة بل ومحتومة تماما.. وستتلوها غالبا إقالات أخرى..

شاهد أيضاً

في انتظار تحويل الثورة إلى ثروة..!! 14 جانفي 2011 – 14 جانفي 2021

عبد اللّطيف درباله  بن علي “فهم الجميع” في تونس.. وأذياله لم يفهموا شيئا بعد عشر …

“بُوسطاجي الرئيس”، الرجل الذي كان سببا في إقالة توفيق شرف الدين

مــاهر زيــد محافظ الشرطة من الصنف الأعلى خالد الرحالي المعفى من مهامه في جهاز المخابرات …

اترك رد