fbpx
الثلاثاء , 19 يناير 2021

مسرحية هزلية يظنها الحمقى تراجيديا حقيقية

أبو يعرب المرزوقي 

هل يمكن تحديد عوامل الردع والترادع المتوازن من خلال ما يجري حاليا بين الولايات المتحدة وإيران حتى يتبين حمقى العرب الطابع الهزلي الذي آل إليه الأمر بينهما بصورة تبدو فيها الأولى أضعف من الثانية وأكثر ترددا ويبدو فيها عرب الخليج أكثر من المترادعين ذعرا واستعدادا لكل التنازلات أيا كانت التبعية المترتبة؟

سـأحاول بحث هذه الإشكالية بصورة تخرجنا من المهزلة الجارية والتي ستنتهي بمزيد التبعية العربية لفقدانهم عوامل الترادع الخمسة بين الدول عوامله التالية:
اثنان من القوة المادية: وهي عسكرية واقتصادية
اثنان من القوة الثقافية وهي منزلة الإنسان وطبيعة النظام السياسي
والأخير هو المتوقع الاستراتيجي العالمي الذي يحافظ على الأحلاف العميقة.

فلو قارنا بين الولايات المتحدة وإيران في العاملين الأولين لما كان يوجد وجه للمقارنة. فأمريكا تملك ما يمكنها من تخيير إيران بين الاستسلام أو المحو من الوجود أصلا لو كانت العلاقة في عمقها والأفعال من جنس ما تبدو في الظاهر والأقوال.

لكن لو قارنا العاملين الثانيين لانعكست العلاقة لأن منزلة الإنسان عسر التضحية به في أمريكا بخلاف الإنسان ويسر التضحية به في إيران وطبيعة النظام الديموقراطي الذي يحد من سلطان الحاكم الأمريكي بخلاف طبيعة النظام الثيوقراطي الذي لا حد لسلطانه ييسر المغامرة لعدم حسبان الكلفة.

فالمغامرة في لعبة البوكار لا تكلف النظام الثيوقراطي الذي لا يعطي أهمية لمنزلة الإنسان وليس له حسيب ولا رقيب على ما يكلفه لشعبه من تضحيات لأنه مطلق الاستبداد ولا يهتم كثيرا بكلفة الحرب لعلمه بأن عدوه أقل قدرة على المغامرة بسبب خضوعه لرأي عام ولحسابات الربح والخسارة السياسي للحزب الحاكم.

لكن لو يجد الجد ويشعر أن النظام يمكن أن يسقط في حالة إقدام العدو على الحرب فعلا وتجاوز الأقوال إلى الأفعال فستذوب كل العنتريات القولية ويستسلم دون خوض ادنى معركه لأنه لا يجهل الفرق اللامتناهي بين القوتين أعني العاملين الأولين.
لذلك فما يطمئنه هو العامل الخامس وهو الذي يعنيني أكثر من الأربعة السابقة أولا لأن هذه الأخيرة تبدو للجميع مما لا يحتاج إلى استدلال:

فكذبة أن إيران لها تقدم علمي وتقني يمكن أن يمكنها من محاربة أمريكا أو حتى إسرائيل في حرب فعلية وليس في مناوشات مليشاوية لا يصدقها حتى “بوسعدية” (بالتونسي حتى أشهر احمق).
وكذبة رضا الإيراني لو كان حرا على ما يجري أكثر كذبا من الأولى لأن الشعب الإيراني لا يقل ثورة على ما يجري في بلاده من غيره من شعوب الإقليم ومن ثم فالنظام عدو شعبه كذلك.
العامل الخامس هو اذن العامل الذي يحتاج إلى شرح: فمنذ القرون الوسطى مع الحركات الباطنية عامة وبداية من تأسيس الدولة الصفوية خاصة اقتنع الغرب بأن التشيع أفضل حليف يمكن أن يساعده في طعن الخلافة السنية من خلف وهو يعلم أن القوة الحقيقية التي حاربته وهزمته مرتين:

  • الاولى بقيادة العرب للامة بتحرير الاقليم من بيزنطة وفارس.
  • الثانية بقيادة الأتراك لها بحماية ما تحرر وتحرير ما حوله في آسيا وأوروبا.

وهما إذن رمزا القوة التي يخشاها في علاقته بالاسلام: وإلى الآن هذه الاستراتيجية متواصلة وهم غير مستعدين لضربة لإيران تفقدهم حليفا مهما.
سيقول سفهاء الممانعة إن هذا موقف طائفي: وغالبا ما يتهمني عملاؤهم من النخب العربية التي تحقد على الاسلام وهم إما ماركسيون أو مسيحيون يدعون العلمانية ويحالفون الثيوقراطيا الصفوية والثيوقراطيا الصهيونية.

لكنهم لا يستطيعوا نفي الحقائق التاريخية التي بدأت منذ اغتيال الفاروق وتلتها دورهم في الفتنة الكبرى ثم كل الأحلاف مع الصليبيين والمغوليين والاسترداديين ومع أمريكا في أفغانستان وفي العراق والآن في كل البلاد العربية التي يتقاسمون معهم استعباد العراق فسوريا فلبنان فاليمن.

وأكثر من ذلك فإسرائيل وأمريكا وقبلهما الامبراطوريات الاستعمارية الغربية تستعمل تخويف الانظمة العربية عامة والخليجية خاصة بإيران لجبرهم على عدم الاستغناء عن القواعد الامريكية والتطبيع مع اسرائيل: إيران هي العصا التي تؤدب انظمة العرب الذين جل قياداتهم يقضون ليال سوداء في هذا الكرنفال والمهزلة التي يعلم الجميع أنها ذر للرماد في العيون لأن ترامب انتهى ولن يغامر البنتجون في معركة فائدتها حاصلة ومغنية عنها.

والمشكل هو أن كل العرب لا مشروع لهم وهم اخصياء فلا قدرة لهم على المغامرة الاستراتيجية مثل الإيرانيين رغم أنهم لا يقلون عنهم احتقارا لمنزلة الإنسان ولا استبدادا بمعنى أن الجبن عندهم ليس خوفا على الإنسان وليس لمانع المحاسبة الشعبية إذ هم يشاركون إيران في ذلك كله وقد يتفوق البعض منهم عليها فيه بل هو لفقدانهم معاني الإنسانية بلغة ابن خلدون ولاخلادهم إلى الأرض كالانعام.

فليس لأي نظام من أنظمة العرب من المحيط إلى الخليج البعدان الماديان رغم إمكانات كبيرة لو أحسنوا التصرف فيها لحازوهما لكنهم يفضلون الحضارة المستوردة مكتفين ببيع ما ورثوه عن الأجداد ككل من يرث ثروة لم يعرق لتحقيقها إذ لا أحد من العرب بذل جهدا لا يدويا ولا عقليا لإنتاج ثروة طبيعية يبذرونها.

فعندما يكون أكبر أربعة بلدان في آسيا -السعودية والعراق وسوريا واليمن- واكبر أربعة بلدان في إفريقيا -السودان والجزائر ومصر والمغرب- يستوردون حتى خبزهم اليومي فاعلم أن ابن خلدون لم يخطئ عندما اعتبر أن الشعوب التي تخضع للتربية والحكم العنيفين تفقد معاني الإنسانية فتصبح عالة في الرعاية وفي الحماية ككل العبيد.

والسؤال هو: لماذا صار حكام العرب ونخبهم اخصياء لا مشروع لهم ولا قدرة على المغامرة الاستراتيجية إذ التاريخ ليس هو إلى تراجيديا الشجعان ولا يسهم فيه أي خصي جبان لماذا هم بهذا العجز رغم أن ذلك ليس خوفا على الإنسان أو من محاسبة الشعب.

فالإنسان عندهم لا قيمة له والحكام لا يولون أهمية لرأي الشعب ولا يخشون حسابا ولا عقابا ديموقراطيا فما يقتلوا من الشعب بظلمهم أكثر مما تقتله أي حرب لحماية الوطن جوابه هو البعد الثاني من فساد معاني الإنسانية: فالشعوب التي فسدت فيها معاني الإنساني فاقدة للطموح التاريخ وللكرامة والرجولة الغائبة عند فاقدي الفحولة.

لكنك ترى حكام العرب ونخبهم “ليوثا” في ما بينهم وهم مستعدون لخوض حرب تدوم عقودا من جنس داحس والغبراء رغم أنهم يرتعدون من “زعيق” أي قرد إيراني أو اسرائيلي ما كان ليفعل لو بقي من العرب من فيه شعرة من خالد الذي أطاع بامبراطورتين دون ما ورثة الأجداد الحاليين من الامكانات قياسا بإيران متسولة.

والمعلوم أن الدخل القومي الخام للإمارات مثلا يرادع دخل إيران القومي الخام رغم أن سكان هذه حوالي 160 مرة (نصف مليون إماراتي مقابل 80 مليون إيراني). لكن إيران تبني شروط الحماية وتعمل من أجل تحقيق شروط الرعاية والإمارات تبني المواخير وتستورد السلاح والمرتزقة لتدمر كل ما حولها ممن هم أكبر منها حتى يصبح الجميع أقزاما مثلها وأول ما تجد في تهديمه السعودية التي صارت “خربة” يقودها احمق.

يلجأون لإسرائيل محتمين. ولا يعلمون أن آخر هموم إسرائيل حمياتهم لأنها هي بدورها محمية غربية وهي تريدهم حطب الحرب إن حصلت حتى تكون بمنآى عن الدمار الممكن. هي تبحث عمن يتلقى الضربة الاولى قبلها لأنها لا تمانع في اقتسام الكعكة لعلمها أن إيران لا تنوي محاربتها وليست قادرة حتى لو نوت إذ إذا كانت ستصنع قنيبلة فلها قنابل مثل الغرب وهو معها
إسرائيل تعلم أن إيران ليس هدفها تهديدها ومثلها يعلم الغرب أنها لا تنوي تهديده بل هدفها تهديد باكستان وتركيا حتى تصبح مسيطرة على الإسلام السني حلم الفرس الابدي منذ اغتيال الفاروق ولا يضيرها تقاسمه مع اسرائيل والغرب كما كانت تفعل طيلة تاريخ الإسلام من العبيدية إلى الباطنية إلى الصفوية إلى الخمينية الحالية: وما أتوا به حبا في حرية الإيرانيين. لذلك فكل من يتصور أن إيران بلغت العظمة التي تجعلها قادرة على مناطحة أمريكا يصدق كذبتين:

  • الاولى هي توهم امريكا تناطحها حقا لأن الجد لم يجد حقا.
  • والثانية هي توهم قدرة إيران الفعلية مطابقة لخطاباتها القولية.

والعجيب أنه كلما ثار الشعب الإيراني كلما هدأت أمريكا المسرحية الهزلية للمحافظة على النظام الذي يظن مهددا منها. وما يصدق هذا الظن إلا مليشيات القلم العربية والمحللون الاستراتيجيون المزيفون كثيرو الإعجاب بأنفسهم إذ يتلوون وكأنهم “يرون أنفسهم مرئيين” خدمة للمشروع الصفوي والصهيوني حتى وإن كان بعضهم بلا وعي لأنهم يصدقون المسرحية.
ومن يرى انسحابات أمريكا الحالية يظن أن أمريكا قد خافت من إيران وأن إيران قوة عظمى تخيف من تخافه الصين وروسيا وهزم اليابان وهتلر وقادر على محوها من وجه الارض لو كان ذلك يحقق أهدافه ومصالحه. وإيران طبعا تستفيد من هذا الإيهام وخاصة في الخطاب الرسمي. رغم أن الجميع يعلم أنها في الخطاب الدبلوماسي الخفي وحتى العلني في العراق حاليا تثبت لإسرائيل قبل أمريكا أنها لا تنوي تهديد مصالحهما لأن أعداءها هم نحن لا هما. وقد عايشنا مرتين على الأقل بداية ثورة شبيهة بالربيع العربي في إيران. ولم يكن بوسع النظام السيطرة عليهما من دون مناورة مضاعفة من أمريكا والغرب كله.

أولاهما هي المبالغة في اظهار النقمة على النظام حتى يسهل عليه اتهام الثوار بالخيانة والثانية التخلي عن الثوار في ذروة مسعاهم فيضربون. وحتى مناورات أوروبا ضد ترامب في مسألة النووي فهي من مؤيدات التأويل الحالي.

فماكرون مثلا لضرب تركيا سعى إلى المصالحة بين إيران واسرائيل فقام بجولة قابل فيها “قواد الملالي” في بيروت ومليشيات الحشد في بغداد. واليوم نرى بأم العين كيف أن بلحة مصر وحفتر ليبيا واقزام الثورة المضادة في الخليج واليونان بزعامة فرنسا وإسرائيل يعدون العدة لضرب تركيا والمستهدف هو مشروع القوة الإسلامية التي بدأت مع اربكان واستئنفت مع أردوغان.

فمن لم يفهم أن مشكل الغرب ليس مع النظام الإيراني بل مع تحرر الشعوب بمن فيهم شعوب إيران وشعب العراق وشعب سوريا وشعب لبنان وشعب اليمن وشعب كل القبائل التي تظن نفسها دولا وهي ليس لها من سياسة غير ترضية ايران وإسرائيل ومن ورائهما شرقا وغربا حتى يبقوا على قبائلهم الذي يسمونها دولا.

وأخيرا فلا فرق بين نظام الملالي والأنظمة القبلية والعسكرية العربية. فأمريكا والغرب يحتاج إلى هذه الانظمة كلها وهو الذي يحميها وهم يخدمونه بولاء لا حد له ولا ينتظرون منه إلا السماح لها بأن يفعلوا بالشعوب الإسلامية كل ما يشتهون فيفسقوا فيها مخلدين إلى الأرض كالكلاب لا يتوقفون عن اللهيث خوفا من أن تحمل عليها الشعوب وهي قد شرعت ولله الحمد. وذلك هو ما يخيف الغرب: ليست هذه الانظمة هي التي تخيفه بل الشعوب التي بدات تدرك أن مناعتها المادية وحصانتها الروحية هي في استئناف عزتها ووحدتها الإسلامية. وهذا دليل على أن الشعوب لم يعد ينطلي عليها مهازل الخداع: الاستئناف أصبح مشروع الأمة المتجاوز لكل المهازل الجارية.

شاهد أيضاً

تحية للثورة عرفان بدَيْن لشباب الثورة

أبو يعرب المرزوقي  أحيانا أسأل نفسي: ما الذي أدين به للثورة التي بدأت منذ عقد …

الانقلاب وسيناريو إفشاله المرجح

أبو يعرب المرزوقي  الانقلاب: ما أقدمه ليس معلومات. لكنه ليس رجما بالغيب. إنما هو تحليل باعتماد …

اترك رد