fbpx
الإثنين , 25 يناير 2021

أنا والقاضي وعم يونس… وفيل السلطان

طارق العبيدي 

المضحك المبكي في بلاد زوجة العم يونس المشهورة بإسم تونس أنّه :

  1. بعد كلّ هذا الحراك وبعد كل هذا اللغط والقيل والقال في الفساد القضائي الممنهج ورفع غطاء الحصانة عن زعيم الفساد الطيب راشد وتجميد عضويته بالمجلس الأعلى للقضاء،
  2. وبعد شهر ونصف من الإضراب الوحشي الشامل عن العمل من قبل كل القضاة وكلّ موظفي وزارة العدل وغلق أبواب جميع المحاكم وتشميع العدل وزوجته العدالة والإنصاف وزوجته نصيفة والقانون وزوجته قانونة والحق وزوجته حقوقة والحر وزوجته حرية بالشمع الأحمر،
  3. وبعد ظهور المسيح الدجّال أمام قصر العدالة بالحاضرة رافعا راية النصر الأحمر معلنا بأنّه سيملأ دار زوجة العم يونس عدلا مثلما ملأت جورا، وأسد الأمّة العربية الواحدة على يساره حاملا الرسالة الخالدة ولبؤة العدل أميرة قصر العدالة على يمينه حاملة أحمر الشفاه على شفتيها، والأيادي البيضاء تعانقه من الأمام ومن الوراء ومن اليسار واليمين ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه،
  4. وبعد الإتفاق التاريخي المعلن مع جمعية القضاة،
  5. وبعد الإتفاق التاريخي السري مع نقابة القضاة،
  6. وبعد الزيارة التاريخية التي أدتها جماعة “نحن السلطة” إلى جماعة “نحن الإضراب”،
  7. وبعد الترقية الإستثنائية لكتبة المحاكم والـ 50 دينار الزيادة في الشهرية،
  8. وبعد أن إكتشفنا أن الأكلة المفضلة للنقابي عثمان الحطاب هي “الهرقمة” وأنّه لا يدخل عتبة المحاكم قبل إكتفائه ذاتيا “بالهرقمة”،
  9. وبعد أن رفعت كل الإضرابات وعاد كل المضربون والمضربات إلى العمل صبيحة هذا اليوم،

إتضح بأنّ كل هذا الحراك وهذا اللغط وهذا القيل والقال وهذا الإضراب والمضربون وهذا المسيح الدجال وهذه الأيادي البيضاء وهذا الأسد الخالد وهذه الأميرة حمراء الشفاه وهذا الأنس وهذه الجمعية وهذه النقابة وهذا البوزاخر وهؤلاء المحامين وهؤلاء الكتبة وهذا الحطاب وهذا البوقرّة وهذا البودربالة وهذا البوستة وكلّ هذا الشعب عادوا جميعا صبيحة هذا اليوم للعمل والتقاضي تحت إشراف فساد كبير القضاة الطيب راشد.

أنا فعلا أستحق بأنّ أكون أغبى إنسان على وجه الأرض، لأنّني فضلت الإلتحاق بالمحاماة في تونس سنة 2000 لأسباب وطنية على ثلاثة فرص خاصة ثمينة لا تتوفر لأي كان تضمن لي تدريس القانون الجبائي (الذي تخصصت فيه بجدارة والعصي على أغلب رجال القانون) في جامعات تونس والمغرب وخاصة كندا التي منحتني القبول لإنجاز الدكتوراه في أفضل جامعاتها ومكنتني حكومتها من شهادة الإقامة، كلّ ذلك كان سنة 2000 وأنا شاب مليء بالنشاط والحماس… والذي لا يعلمه عني أغلب الأصدقاء والزملاء أنّني عصامي التكوين وكل الفضل في تعلمي وتحصيلي العلمي يعود إلى الدراسة بالمراسلة (عن بعد) في اختصاص علوم ورياضيات في مؤسسات عمومية جزائرية بعد أن ساهم يساري تونسي متصابي من ذرية الزعيم الحبيب بورقيبة لا يختلف كثيرا عن أغلب أقرانه المتصابين اليوم في التسبب في تسربي من إحدى معاهد الكاف رغم أنّي كنت الأوّل في مدرستي في إمتحان الدخول للمعهد الثانوي… ولولا هذه التجربة المليئة بالمغامرات التي أرادها لي الله سبحانه وتعالى لكنت كأغلب العلب التي علبها ذرية الزعيم الحبيب بورقيبة في تونس والتي تتحدث كثيرا ولا تفعل شيء.

عندما إتخذت القرار وألتحقت بالمحاماة في تونس لم ألتفت إلى نصيحة عم يونس أحد المزارعين في أحدى المناطق الحدودية النائية بولاية الكاف. فهو الذي عايش الخيانة والغدر والعمالة منذ أحداث حرب التحرير ضد المحتل الفرنسي على الحدود التونسية الجزائرية وهو الذي تنتمي أصوله إلى عرش أولاد بوغانم اللذين قووا شوكة ثورة علي بن غذاهم، وقد كان أوّل من جلبت شجاعتي إنتباهه وحاول تحذيري من المصير المشؤوم الذي ينتظرني وأنّني سأنتهي غبيّا معزولا من الجميع إذا سلكت الطريق الذي سلكته فعلا وشعرت فعلا بعد 20 سنة بأنّني أقترب من المصير الذي حذّرني منه.

ككل محام أو طبيب حديث الإلتحاق بمهنته بمدينة مثل مدينة الكاف كان النظام المعمول به أنذاك (ولا يزال إلى اليوم) أن يكرس التجمع حزب عبير موسى كل رجالاته من الأمن إلى الإدارة إلى القضاة إلى المحامين والفلاحين كل فخاخه للإيقاع بك في شراكهم وإذا فشلوا مثلما وقع معي أنا يشغلون آلة الأحزاب المعارضة الكرتونية التي صنعوها على المقاس لاحتوائك حتى لا تهتدي إلى الحقيقة وتقع رهينة لهم مقابل نجاحك المادي في مهنتك. وإذا لم تنجح الكرطونات في المهمة يقع التنكيل بك وبكل أفراد أسرتك حتى تكون عبرة لمن يعتبر. وقد لاحظ هذا المزارع المتواضع مقاومتي ومواصلتي الطريق غير عابئ بكل هؤلاء التافهين، فأقترب مني ناصحا وقص علي حكاية الرجل الشجاع وفيل السلطان علي أعتبر من بني وطني. الحكاية ربما يعرفها الكثير وهي أنّ سلطانا كان يمتلك فيلا ويفرض على كل فرد من رعيته ضريبة لتوفير الأعلاف له. وكلما كبر الفيل وزاد سنة في عمره زاد استهلاكه للعلف وارتفعت الضريبة على الرعية وهم صابرون رغم الجفاف وقلة المحصول إلى أن ظهر فيهم شاب شجاع راح يحكي بينهم عن المسكوت عنه ويؤلبهم على الضريبة وبث فيهم روح التمرّد. وتبعوه إلى أن وقع الإتفاق بينهم على التجمع أمام قصر السلطان ومطالبته بالتخلص من الفيل لعدم قدرتهم على تحمل ضريبة أعلافه… وفي اليوم الموعود تجمعت الرعية كلها أمام القصر وهي تنادي الفيل… الفيل… الفيل. وصل الخبر إلى السلطان فخرج مطلا على الرعية من إحدى شرفات القصر وناداهم ماذا يريدون ؟ فأجابوا بصوت واحد والشاب في مقدمتهم: الفيييييييل الفييييييل الفييييييييل… فردّ عليهم وما بال الفييييييل ؟ فصمت الجميع وتراجعوا إلى الوراء وبقي الشاب الشجاع وحيدا بارزا للسلطان دونهم. نظر إليهم جميعا وفهم الدرس جيدا وعلم بأنّهم قرروا خذلانه، فأستقام مواجها السلطان ورفع صوته عاليا نكاية فيهم “يلزمه فيلة تؤنسه وتؤمن له الذرية”.

هذا بالضبط ما حصل في حكاية الطيب راشد الرئيس الأوّل لمحكمة التعقيب… للأسف أنا لأوّل مرّة وبعد 20 سنة تجربة محاماة وثورة وعضوية هيئة عياض بن عاشور والمجلس التأسيسي أحكي بهذا الأسلوب اليائس من النخب والشعب التونسي، وأنا بعد فوات الأوان أثمن نصيحة عم يونس المزارع الذي يعلم جيدا بأنكم في النهاية ستخذلون القاضي الشجاع الذي أوقع بالطيب راشد وستضطرونه إلى تنفيذ حكاية الرعية وفيل السلطان عليكم… ليقول الطيب راشد تلزمه طيّبة راشدة تؤنسه وتؤمن له الذرية الفاسدة في القضاء.

شاهد أيضاً

استهلاك الطيب راشد المستهلك في المشكل القضائي التونسي !

طارق العبيدي  الموجة الإعلامية التي صاحبت فقاعة الطيب راشد التي تسبب انفجارها في الإضراب الوحشي …

معركة فساد كبير القضاة الطيب راشد: زوبعة سياسية في فنجان القضاة !

طارق العبيدي  سنة كاملة من أبحاث وكيل الجمهورية الأسبق لحاضرة تونس ومثلها في أبحاث التفقدية …

اترك رد