fbpx
الإثنين , 25 يناير 2021

الجاحظ والرئيس الذي من كوكب آخر…

نور الدين الغيلوفي 

في تونس “أراد” الشعب بعد سنوات تسع من قيام الثورة أن ينتخب رئيسا له من خارج “السيستام” لأجل أن يقطع به مع كلّ رئيس خاضع.

روى أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ خبرا لبعض بخلائه جاء فيه:
قال: «اشتكيت أيامًا صدري، من سعال كان أصابني. فأمرني قوم بالفانيذ السكريّ، وأشار عليّ آخرون بالخزيرة تُتَّخذّ من النشاشتج والسكر، ودهن اللوز، وأشباه ذلك. فاستثقلت المؤونة، وكرهت الكلفة، ورجوت العافية. فبينا أنا أدافع الأيّامَ، إذ قال لي بعض الموفَّقين: «عليك بماء النخالة، فأحسُه حارًّا» .
فحسوت فإذا هو طيّب جدا، وإذا هو يعصم، فما جعت ولا اشتهيت الغداء في ذلك اليوم إلى الظهر. ثم ما فرغتُ من غدائي وغسل يدي حتى قاربت العصر. فلمّا قرب وقت غدائي من وقت عشائي، طويت العشاء وعرفت قصدي».
فقلت للعجوز: «لم لا تطبخين لعيالنا في كلّ غداة نخالةً؟ فإنّ ماءها جِلاءٌ للصدر وقوتَها غِذاءٌ وعصمةٌ، ثم تجففين، بعدُ، النخالةَ، فتعود كما كانت، فتبيعينه إذا اجتمع بمثل الثمن الأول، ونكون قد ربحنا فضل ما بين الحالين». فقالت: «أرجو أن يكون الله قد جمع لك بهذا السعال مصالحَ كثيرة، لِما فتح الله لك بهذه النخالة التي فيها صلاح بدنك، وصلاح معاشك». وما أشك أن تلك المشورة كانت من التوفيق».
قال القوم: «صدقت. مثل هذا يُكتسب بالرأي، ولا يكون إلا سماويا».

•••

أمّا في تونس فقد “أراد” الشعب بعد سنوات تسع من قيام الثورة أن ينتخب رئيسا له من خارج “السيستام” لأجل أن يقطع به مع كلّ رئيس خاضع لجهة من الجهات المتنفّذة التي تعيق تقدّم البلاد وتشلّ حركتها لا سيما مع وجود عصابة نقابيّة يقودها زعيم أمّيٌ كلُّ عملِها أنّها تقطع الطريق على كلّ عمل تنتفع منه البلاد وتزدهر به الحياة بذريعة اسمها الحقّ النقابيّ.. عصابة نقابية تعيش تفرّغا دائما لإعلان الإضراب عن جميع الأعمال في منظّمةٍ الشغلُ من بعض أسمائها الكثيرة…

الرئيس قيس سعيد

وكان هذا الرئيس، إذا هلّ هلالُهُ، يركب إلى الشعب الكلام فحسبوه فارسا من فرسانه فما كان كلامه غير دابّة التصق بالأرض ظهرها.. إذ لم يخطب فيهم غير بعض المناسبات حتّى حفظوه عن ظهر قلب وعرفوا بكل ما في جعبته من كلام لم يكن يملك الخروج عنه..

ومن طريف أمره أنّ معجمه الذي كان يصدر عنه في تدبيج خطاباته لم يكن يحوي كلمة واحدة للتفاؤل ولا عبارة للأمل ولا فكرة للخلاص ولا معنى للشفاء.. وكانت كل الطيور التي يزرعها في الأنحاء، كلّما تكلّم، غربانا سوداء يخرجها من جرابه ثمّ يعيدها استعدادا لمناسبة أخرى يرجم فيها الشعب الذي ذنبُهُ أنّه انتخبه…

وما مرّت سنة على حكمه حتى خرج عليهم في زينته.. ظنّوه جاءهم مهنئا بمطلع العام الجديد ولكنّه قال لهم:
“أحيطكم علما بأنّني لست من كوكبكم الأرضيّ ولكنّني جئتكم من كوكب آخر سأسمّيه لكم في خطاب لاحق”…
مع عبارات أخرى لم تخرج عن التأثيم والتخوين والتكذيب والإرجاف والوعيد والتهديد…
لقد حفظ الشعب رئيسه.. بينما ظلّ الرئيس يتأمّل مصير بغلة لعمر بالعراق يخشى أن يُسأل عن عثرتها.. ويفكّر في الطريق التي تعبر منها حتّى يسوّيها لها.. اختلطت الطرق على الرئيس وضاعت بغال العراق وبغال العرب جميعها.. ونسي الرئيس عمر.

شاهد أيضاً

اليسار العاجز أبدًا.. عن أيّ ثورة يتحدّث هؤلاء؟ وعن أيّ شعب؟ ما صلتُهم بالشعب أصلًا؟

نور الدين الغيلوفي  اليسار منذ سبعينات القرن الماضي وهم “يدّاحرو”.. ولم يتّفقوا على تحديد طبيعة …

عن الموت والسياسة تداعيات نعي محرزية العبيدي

نور الدين الغيلوفي  رحم الله محرزيّة العبيدي ورزق أهلها جميل الصبر والسلوان… قاومت نائبة الشعب …

اترك رد