fbpx
الأحد , 24 يناير 2021

أزمة تونس تشخيصها غير الموارب شرط علاجها

أبو يعرب المرزوقي 

إلى حدود الانتخابات الأخيرة كانت تونس تعاني من علتين تسببان أزمتها البنيوية كلتاهما مضاعفة:

العلة الأولى:

1. ثقل مخلفات الاستبداد الذي مر بمرحلتين كانت الأولى سياسية بالأساس وليست خلقية مثل الثانية لأن أصحابها لم يتحولوا إلى مافية بخلاف ما تتهم به النخب البورقيبية قبل الانقلاب الذي قام بن ابن علي مستفيدا من مآل الاستبداد الذي تولد عنه الفساد الذي سيطر على محيط بورقيبة.

2. التحول التدريجي إلى مافية تجمع بين الاستبداد والفساد النسقي والمافيوزي الذي ضرب الدولة في مقتل بأن صارت التربية والحكم فيها خاضعين لنظام توظيفها من أجل الإثراء السريع بالتهديم النسقي لكل ما تحقق في المرحلة الأولى التي لا ينكر فضلها رغم الاستبداد إلا معاند يخلط بين المرحلتين.

العلة الثانية:

3. لما حصلت الانتفاضة الشعبية كان للمسهمين فيها مباشرة -اليسار والاتحاد والمحرومين من النخب وخاصة المحامين والعاطلين من المتعلمين- حساب وللشعب حساب مختلف بصورة مطلقة. وتلك هي علة انقلابهم عليها لأنها آلت إلى غيرهم أعني إلى من كانوا فعلا ضحايا العهدين السابقين وخاصة الثاني منهما رغم كل المحاولات لمنع ذلك بمناورات السنة الأولى التي انتهت بانتخابات خسروها.

4. فأصبح من توهموا أنهم قادة الثورة قادة الثورة المضادة أو الرستوراسيون: ولما كانوا مفتتين اضطروا للحلف مع النظام السابق. ودور السبسي أنه أطر هذه العودة أو الرستوراسيون
ولكن توخى حلا وسطا أولا لأنه يخافهم وثانيا لأنه كان يعلم أن البورقيببية التي اتخذها شعارا لا تمثل المافيات التي هو مضطر للاعتماد عليها لكنه لم يكن يريد حربا أهلية لإعادة مافية ابن علي النقابية واليسارية والقومية والمزعومة حداثية.

5. وتلك هي الوضعية التي انتهت إليها تونس قبل الإنتخابات الأخيرة أعني:

  1. فشل العلاج الذي مال إليه السبسي بعد تفتت حزبه.
  2. وفشل العلاج الذي مال إليه الغنوشي ومآله إلى تفتيت النهضة مثل النداء.

فالنهضة التي توهمت قيادتها قابلية التحالف ما آل إليه أمر الثورة المضادة أعني عودة مافيات ابن علي للبقاء في الحكم بتوسط الشاهد شرعت في الغرق مثل حزب السبسي. فكان ما حصل هو تفكك الحزبين اللذين يمثلهما النداء والنهضة.

وتلك هي الفجوة في نسيح تونس السياسي أو الثغرة التي أنتجت قيس سعيد وتخريفه الذي يمثل ظاهرة عجيبة جعلت الساحة وكأنها ركح دراويش يمضغون الكلام في شطحات نفروتيك عصاب يلامس الذهان.

وهذه هي الأزمة الحالية وهي أزمة أفضل ممثل لحال تونس بسببها هو شخصية سعيد.. تونس تعاني من نفس المرض الذي يجسده سعيد فهي مثله نائمة تحت تأثير بوطليس: أي فشل الحزبين الأكبرين وتفتتهما:

  • حزب السبسي: الذي يحمل اسم بورقيبة كذبا لأن حقيقته هي مآله أي مافية ابن علي بقيادة بلاط عبير حاليا.
  • وحزب الغنوشي: الذي يحمل اسم الثعالبي كذبا لأن حقيقته هي مآله أي مافية البشير (السوداني) بقيادة بلاط الغنوشي.

وإذن فالمعركة التي تدور في مجلس النواب ليست بالصدفة بين عبير والغنوشي خاصة وهي من علامات الكساح الذي اصاب الحياة السياسية ولن تخرج منه تونس من دون فهم هذه الوضعية بتشخيصها دون مواربة.

ولا يمكن التحرر من سيطرة بوطليس الحالية -أي قيس سعيد- إذا لم نفهم أنه يمثل الكساح العام للحياة السياسية ويجسمه ومن دون عزله لن تستعيد تونس توازنها لتواصل عملية الانتقال الديموقراطي مهما كثر “المفركحون” في المسرح السياسي الذي يرواح بين مطالب عبير ومطالب الغنوشي.

لم أجد لقبا يطابق دمية قرطاج يمكن أن يصفه وصفا مطابقا لصورة تؤديها في المخيال الشعبي صورة “بوطليس”: سعيد بوطليس بارك على ذبابه من العامة التي صارت نخبة قائدة للرأي العام.

نعم هو من كوكب آخر. وهذا الكوكب هو كوكب التنويم البوطليسي في المخيال الشعبي ناكر لعجزه الذي ينسبه إلى مؤامرة الجميع ضده لمنعه من تحقيق ثورته وهو بارك على حركتهم لكنه يبث في وعيهم إرادة تغيير العالم.

هم مثله وكلهم يعبرون عن حال تونس وخاصة بعد سيطرة جائحة كوفيد يعانون من نفس كساح بوطليس الكارش في قرطاج بعد المنيهلة يوهمهم بثورة تغير العالم بالبني بني الخطابي البليد:
قرطاج اليوم منصة الهذيان والنوم البوطليسي والعالم كله يتحرك من حول تونس وهي في سبات وهذيان لا حد له. قرطاج اليوم فراش هذيان عام يصحب أبلد خطاب حول حرب النجوم بصواريخ الدمار الشامل الجاري.
فوضى عقل مريض من حوله كاهنة حمقاء وجزار أمي وفيلسوف لا يقل عنه أمية ونخبة بدأت تفقد الأمل في شغل مواقع ذاقتها في عهد المرزوقي وعهد ابن علي مع نخبة تدعي الحداثة وهي أكثر تخلف من القبائل التي تمولها ولا تحركها إلا الحرب على الإسلاميين والحلف مع الثورة المضادة في الإقليم.

تأثير بوطليس لا يقتصر على الدمية إذ إن الجميع صار يهذي في تعطل عجيب لكل إرادة ذات استراتيجية لتشخيص الداء ووصف الدواء. الخطر الوحيد هو أن تونس كلها صارت تحت تنويم بوطليس:
وحتى لو وجد من يمكن أن يحزم أمره ليفعل فإن أدوات الفعل التي تتكون منها الدولة لن تطيعه أعني الإدارة وجهازي العنف الشرعي والإعلام ومقومي الإنتاج أي راس المال والعمل: فالمافية مسيطرة على قياداتها جميعا لأنها هي بدورها من أدوات مافية ممثلي الثورة المضادة وقادتها الاستعمارية سواء كان شرقية أو غربية.

شاهد أيضاً

تحية للثورة عرفان بدَيْن لشباب الثورة

أبو يعرب المرزوقي  أحيانا أسأل نفسي: ما الذي أدين به للثورة التي بدأت منذ عقد …

الانقلاب وسيناريو إفشاله المرجح

أبو يعرب المرزوقي  الانقلاب: ما أقدمه ليس معلومات. لكنه ليس رجما بالغيب. إنما هو تحليل باعتماد …

اترك رد