fbpx
الثلاثاء , 19 يناير 2021

كوفيد 19 أو الرجوع من مرارة كلّ شيء…

نور الدين الغيلوفي 

كوفيد 19.. اليوم الحادي والثلاثون من شهر ديسمبر أعود إلى مكتبي بعد عشرين يوما تركته فيها للغرفة التي حجرتُ بها نفسي وحظرتُ حركتي بسبب هجمة الفيروس…
هاجمني الفيروس في شهر ديسمبر.. وفي ختام هذا الشهر كنتُ شددت رحالي إلى هذه الحياة منذ ستّ وخمسين سنة.. فكأنّني والمسيح أجوار ميلاد.. ووجع…
عام انقضى على هذا الفيروس الزاحف على الأرض لا تكاد تجد بشأنه قولين متماثلين.. ولك أن تفتّش في من تعرف من الذين أصابهم قرحه فلا أظنك تجد إجابة تتكرّر.. كأنّ الفيروس يأخذ له لكلّ بدن لونه ويقتني من كل شخص بصمته ويستعير من كلّ عين عدسة.. عام مضى على ضرب الفيروس في الأرض.. وكان لا بدّ من أن يحول الحول ليجد طريقه إليّ رغم كلّ التوقّي…

إيجابيّ:

مختبر

كان للخبر وقع الصاعقة.. أن يساكنك الفيروس متسلّلا إليك من بعض أهلك فلا يعني ذلك سوى أنّ بيتك صار هو ساحة المعركة.. لم تنفع الحصون المانعة وقد اقتحم عليك الفيروس بيتك بل صارت الحرب داخل شوارع بدنك وأنت لم تتدرّب على حرب الشوارع داخل البدن..
مارس مقاومتك كما لم تفعل من قبل…
في الليل هرعت مع الطفلين إلى المختبر بعد أن ثبتت إصابة أمّهما.. الدكتورة صاحبة المختبر مهذَّبة تجني مالا وفيرا لقاء تهذيبها.. في المبنى نفسه صيدلية لأشقاء لها يبيعون الدواء في النهار.. وفي طرف المدينة والدها يبيع الدواء بالليل..
– الوالد في صيدليته هناك يعرف وصف بروتوكول العلاج لكم…
في الحروب والأزمات يموت من الناس من يموت.. ومنهم من يفوز بفصل جديد من الحياة فيفرح.. ومنهم من يعتصر أكباد المعذَّبين ليزيد من ثرائه.. ويمرح…
أخذت الدواء إلى الزوجة وتحصّن كلّ فرد من العائلة ببيته…
الوضع مستقرّ.. ولا شيء يدعو إلى الخوف..
من الغد هاتفتني فتاة المختبر:
– ” يا مسيو تحليلك مع الصغار طلع لاباس”
– الحمد لله
ولكنّ الأعراض بدأت تظهر تباعا بعد خروج نتيجة التحليل.. أو لعلّ الفيروس يختار وقتا لدخول البدن ووقتا آخر ليفصح عن نفسه لمن استفصحه.. هذا إذا أدركه المسح فوصفه.. الفيروس يشقّ طريقه وحده يكتسح العالم سلاحُهُ الرعبُ يسبقه إلى العقول يشلّها.. فتعجز وصفات الأطبّاء عن متابعة أبدان المرضى وقد خلت شوارعها أمامه.. فلا حاكم لها غيره…

فيروس كوفيد 19 إذا تسلّل إلى البدن تلوّن به واختلف عنه في غيره من الأبدان.. لعلّ من ذلك صعوبة وضع لقاح نهائيّ له يسلّم به الناس جميعا.. أو قل هو اختبار للأبدان وكشف لما بها من أسرار فليس يموت إلّا من ضعفت مناعته.. فإذا الأحياء مثل الأوراق على أغصانها تنتظر هبوبا ليسقط منها ما كان منذورا للسقوط.. وتُرْسَلُ الأخرى.. تلك التي لا يزال لها في الأرض مقام.. وسعة.. ونصيب أنفاس…

يستوي بدنك مع الفراش فإذا أنت كائن أفقيّ لا عماد ينصبه.. تتحوّل المفاصل إلى آلات للارتجاف.. الأضلاع لا ترعى لها انسجاما.. ولا اتّساق بين العضلات.. الأمعاء في الداخل تتنافس أصواتا تعزفها لا تكاد تعرفها.. جوارحك ليست طوع إرادتك وسعال يهزّ الكيان هزّا.. البدن جميعه في حالة طوارئ كبرى ولا موعد للإذن بالجولان.. قريبا…

حواسُّك تنسى طرقها إلى ذواتها حتى لا تدري إن كان لك أنف ولسان أو إن كانت شفتاك المرتجفتان منك… الحواس طريقك الأولى إلى المعارف تتخلّى عن وظائفها الأولى ليستويَ وجودها بعدمه.. ومن أشدّ اللحظات عليك أن تغيب عنك قدرتك على ميز المعرفة من اللامعرفة.. أشمّ.. لا أشمّ.. أتذوّق.. لا أتذوّق.. النفي والإثبات يتنازعانك حتى لتنفصل عنهما وتنظر أن يحسما بينهما أمرهما فيك أنت المسوق إلى معركة لا تملك لها سلاحا المدعوّ إلى معرفة لا تدري لها وسيلة…

الزمان والمكان في علاقة توتر كأنهما قررا أن يختصما وجعلا من بدنك ساحة معركة انفصالهما… يستوي لديك النهار بالليل.. والبدن يمتصّه الفراش فتتحوّل تقلّصات ما به إلى خدر إذا قرّر بدنك أن يغرق في العرق بسبب من دواء أو بلا سبب… وشيئا فشيئا تغيم الصورة أمامك كأنّك مقبل على ثقب أسود تدخل إليه مطمئنًّا لا تملك فعلا من انزعاج أو خوف أو رغبة أو رهبة.. متاهة تراك تسير فيها لا تخاف ضياعا.. تغيب.. ثمّ تعود.. فإذا تنفّس الصبح ألقاك بين أنفاسه كأنّك تولد من جديد.. وتظلّ على هذه الحال بين علوّ واستفال وحضور وغياب أيّاما لا تكاد تحصيها إلّا من حبّات الدواء التي تتجرّعها ولا ترى لها في بنيانك أثرا…
وتكتفي بإحصاء الأيّام إذا أسعفك الوعي…

ينضح بدنك، إذا أخلدتَ إلى النوم، عرقا أنت فيه بين غيبوبة وصحو.. كلّ رجفة ببدنك تدنيك من رشفة ماء تبلّ ريقك.. تتنزل حبّة العرق من جبينك إلى أنفك وتستقر عند شفتك العليا في انتظار انفراج الشفتين.. يهرع إلى استقبالها حنينك إلى الماء فيصطدم لسانك بملوحة نسيتها.. شيء ما منك قد عادت إليه ذاكرته.. تلك ذاكرة المذاق.. قبل أن تقتحم عليك الغرفة ذاكرة الرائحة مع قهوة صباح لولا اتقاء الصداع ما قبلت بها بعد أن صارت الروائح لا تعرف طريق النفاذ إليك…

تهتزّ الشجرة من عروقها إلى جذعها إلى أغصانها وتنفخ الريح الأوراق عاليا حتّى كأنّ أرضك علقت بسمائها فصباحها في مسائها وعراؤها في كسائها…
في الأثناء تزفر الريح في الروح زفرتها فتعيدك إلى ساحة وعي تركتها حين لذت بالفرار داخل متاهة جعلت من وعيك بقعا سوداء في أفق لا حدّ له.. ولكنّ تلك النقاط المتناثرة التي هي أنت ترتسم حروفا تكتب اسمك أمام ناظريك فتعود إليك من سفر بعيد عبرت فيه أودية وعرة وثعابين طريق…
الحمد لله على الإبلال.

فيروس كوفيد 19.. الحادي والثلاثون من شهر ديسمبر

شاهد أيضاً

14 جانفي 2021 إنّ في البلاد ثورة ولكنّهم لا يبصرون…

نور الدين الغيلوفي  الحرية شرط الكرامة ولا يضيق بها إلّا بليد… صورة عن ماضيهم الفاسد: …

رأي في زوبعة نصاف بن عليّة

نور الدين الغيلوفي  ما الذي قالته الدكتورة نصاف بين عليّة في المربّين الأجلّاء حتّى تلقى …

اترك رد