fbpx
السبت , 23 يناير 2021

ترامب.. المهزلة السوداء

محمد بشير ساسي 

على غير عاداتها وتقاليدها السياسية مع نهاية حقبة كلّ رئيس، تعيش الولايات المتحدة الأمريكية على وقع فترة استثنائية على كلّ الأصعدة تحت حكم رئيس استثنائي وُصف بالأغرب على مستوى العالم والتاريخ السياسي بصفة عامة.

فعلى مدار أربع سنوات من ولايته، صدرت عن الرجل المهووس بالتغريدات على تويتر عديد التعليقات الساخرة والتصرّفات الكوميدية كلّها أثارت الضحك والاستهزاء، لكن يبدو أن صورة “الرئيس المهرّج” بدأت تتوارى عن المشهد السياسي وتحديدا بعد مسلسل انتخابات الرئاسية المثير للجدل، لتحل معها صورة “المُقامر المتعجرف”، حيث شعر الشعب الأمريكي والعالم على حد سواء بغياب الإدارة المسؤولة عن تسيير بلد في حجم ووزن الولايات المتحدة.

غير أنّ السيناريو المخيف والأخطر اليوم كما يعتقد كثير من المراقبين، هو ما قد يفعله الرئيس ترامب في الأيام المتبقية له في منصبه، والذي من المفترض أن يتركه يوم 20 يناير/كانون الثاني المقبل.

الشعور بالقلق من ردّات فعل قبل مغادرة حاكم البيت الأبيض لمنصبه تحوّل عند البعض إلى حالة رُعب شديدة مثل التي تلازم اليوم إيريك كومر المدير التنفيذي في شركة دومنيون للأنظمة الانتخابية الذي أكّد في حديث لشبكة “سي إن إن” الإخبارية الأميركية على تعرّضه منذ نهاية الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، هو وعائلته، لتهديدات جديّة بالقتل، على خلفية اتهامه من قبل الفريق القانوني لحملة الرئيس ترامب بتزوير الانتخابات عبر أنظمة “دومنيون”.

الإعلام الأمريكي أيضا دخل على خط التوجّس والتحذير من أي “مجازفات ترامبية”، حيث نشرت “نيوزويك” تقارير تفيد بأن القادة العسكريين المسؤولين عن منطقة واشنطن في حالة تأهب قصوى يضعون خططا للطوارئ تحسّبا لاستدعاء الجيش أثناء تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن وذلك من دون علم البيت الأبيض وحلفاء ترامب في البنتاغون، خوفا من إيقاف تلك الخطط.
فكل هذا التنسيق الخفي نقلا عن القادة العسكريين يخطّط له خشية أن يُقدم ترامب على عمل غير محسوب، من قبيل أن ينزل مسلحين ومليشيات موالية له إلى الشوارع في واشنطن، لخلق الفوضى ومنع تنصيب بايدن، ومن ثم يفرض الأحكام العرفية ويطلب تدخل الجيش.

ثمة مراقبين للمشهد السياسي في أمريكا من يفسر تحضير هذا التحرك على خلفية مناقشة للرئيس الـ45 للولايات المتحدة خيار لعب ورقة الجيش الأمريكي لإعادة كتابة نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي هزمه فيها جو بايدن.

وحسب المعلومات التي أوردتها صحيفة “الإندبندنت” البريطانية، فإن بعض كبار المسؤولين أعربوا لترامب عن معارضتهم تلك الخطة التي تدخل في إطار بحثه عن خيارات بديلة للالتفاف على خسارته.

وحتى صحيفة “نيويورك بوست” التي أيّدت ترامب خلال حملته الانتخابية الأخيرة أدارت له ظهرها اليوم، ففي افتتاحية نارية تحت عنوان “السيد الرئيس توقف عن الجنون” طالبت الصحيفة -التي يملكها الملياردير اليهودي روبرت مردوخ- ترامب بوضع حد لما سمّتها “المهزلة السوداء” والكفّ عن هوس قلب نتائج الانتخابات في 6 يناير/كانون الثاني المقبل.

وتابعت “نيويورك بوست” أن الرئيس يشجع على انقلاب غير ديمقراطي، في حين أنه كان من الأجدر به أن يركّز على اليوم الذي قبله -الخامس من يناير/كانون الثاني- حين يخوض مرشحان جمهوريان انتخابات جولة الإعادة على مقعدي مجلس الشيوخ في ولاية جورجيا.

“نيويورك بوست” قست على الرئيس واصفة إياه بغير المتوازن فهو، يتحالف مع منظري نظرية المؤامرة الذين يخبرونه بما يريد أن يسمعه عن فرصه في البقاء رئيساً، مضيفة أنّ اقتراح المستشار السابق للأمن القومي مايكل فلين بالقيام بانقلاب أمر مخز وإعلان الأحكام العرفية بمثابة خيانة كبرى للناخبين في البلاد.

لا أحد ينكر اليوم أن أميركا عرفت مشكلات إجرائية على مدار تاريخها فيما يتعلّق بالانتخابات من حيث منع البعض من الوصول إلى صناديق الاقتراع، والتشكيك في شرعية النتائج، وطرح الطعون القانونية، وإجبار الناخبين على الوقوف في طوابير طويلة، لكن لم يسبّب أي منها أزمة بالمعنى الحقيقي إلا في انتخابات عام 2020، حيث لا يَبدُو الرئيس ترامب مؤمنا بضرورة اتباع التقاليد الأميركية الراسخة، وهو ما يدفع لتقويض الديمقراطية الأميركية والتسبب في أزمة ثقة في نظامها وإجراءاتها السياسية، الأمر الذي أدى لطرح أسئلة عن موقف الجيش من أزمة مستقبلية!!!

تساؤلات فرضها في الحقيقة إقدام الرئيس المنتهي ولايته على تغييرات واسعة بين قادة وزارة الدفاع قبل فترة قصيرة من تنصيب الرئيس الجديد في العشرين من يناير/كانون الثاني المقبل.
البعض أرجع هذه التغييرات -والتي أطاحت بوزير الدفاع مايك إسبر وعدد من كبار المسؤولين بالبنتاغون- إلى عدة أسباب منها حسابات شخصية تتعلق بطبيعة شخصية الرئيس ترامب، في حين رأي آخرون أن الرئيس يريد فريقا يدعم استكمال سياساته خلال الفترة المتبقية له في الحكم.

صحيح أنه من الناحية الدستورية، سيستمر الرئيس دونالد ترامب رئيسا وقائدا أعلى للقوات المسلحة حتى منتصف يوم العشرين من يناير/كانون الثاني المقبل حين يتم تنصيب الرئيس الجديد جو بايدن حيث يمكن لترامب، خلال الفترة المتبقية له في الحكم، اتخاذ أي قرارات تتعلق بتمركز وانتشار القوات الأميركية في الخارج “بما يزعزع الاستقرار الإقليمي ويحدّ من سياسات بايدن المستقبلية”، طبقا لخبراء أمريكيين…

لكن برأي المعلقين عندما تصبح تصفية الحسابات الشّخصية القاعدة الأساسيّة لقرارات ترامب، فإن ذلك يُعتبر خطوة خطيرة يتخذها الرئيس خلال الفترة الانتقالية من الرئاسة كما حذر من ذلك النائب آدم سميث -رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب- معتبرا أن الرئيس الأمريكي يمكن أن يَحمله “الإنحراف السيّاسي” للقيام بأشياء مجنونة. فالصورة النمطيّة التي التصقت بترامب، تسببت في تعرّض الديمقراطية الأميركية لهجوم غير مسبوق من قبل الكثير من الأنظمة في العالم خاصة في الصين وروسيا مع وجود شخصية سياسية تميل إلى الشعبوية الاستبدادية كما ير.

فقد أظهر الرئيس تلك الشقوق الخفية التي كانت موجودة دائما في ديمقراطية شابها العوار كُشفت ليراها الجميع، ومن خلال هذه الثغرة استغل منافسو أمريكا انتخابات 2020 للنيّل من النموذج الديمقراطي والترويج بأن نظام الليبرالية الديمقراطية التمثيلية لم يعد صالحا للمجتمعات المتقدمة المعقدة خاصة في ظل التسارع الكبير لاستخدام التطبيقات التكنولوجية. ويتم الاستشهاد بقوة وصعود النموذج الصيني القائم على معادلة الإنجاز الاقتصادي مع غياب الحريات السياسة أو آلية الانتخابات التنافسية.

إجمالا وعلى الرغم من منح الدستور الأمريكي الرئيس صلاحيات واسعة (منها أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة) فلا يمكن لترامب أو أي رئيس تغيير المواد الدستورية أو إدخال أي تعديل على الدستور يمنحه صلاحيات أوسع أو مهام أكبر، حيث يقف الرئيس عاجزا أمام نصوص مقدسة لا يجرؤ على طلب تعديلها من حزبه، رغم سيطرته الكاملة عليه في لحظة استثنائية من التاريخ الأميركي..

وفي هذه الحالة ليس أمام ترامب سوى خيار وحيد هو تخيل حكومة يسيطر عليها أعداؤه نانسي بيلوسي في مجلس النواب، وتشاك شومر في مجلس الشيوخ، وجو بايدن في البيت الأبيض”..

إعلامي وكاتب تونسي

شاهد أيضاً

الأيادي المرتعشة لن توقف نزيف الفساد

محمد بشير ساسي  محاربة الفساد بعد عقد من الزمن مرّ ثقيلا مُثقلا بالإنتظارات على معظم …

أمريكا تتعرّب..!!!

عبد اللّطيف درباله  أعمال عنف وشغب.. وعدم اعتراف متبادل من الجهتين بنتائج الانتخابات.. وطريقة حكم …

اترك رد