fbpx
السبت , 23 يناير 2021

حل البرلمان: مطلب شعبي أم حلم انقلابي أم رغبة رئيس ؟

نور الدين الختروشي 

الدعوة إلى حل البرلمان ونسف النصاب الدستوري القائم، بدأت أياما بعد انتخابات التأسيسي مع مبادرة الموازي، التي اقترحها محسن مرزوق، ونشطها سمير بالطيب لاحقا واغلب من تداول على منابر بالقاضي والبلومي وعكاشة زمن حكم الترويكا، وكادت أن تنتهي بمصيبة التحارب الأهلي، لولا حكمة النخب التي أدارت مبادرة الرباعي يومها.

الدعوة تتجدد مع كل بداية سنة سياسية بصيغ متعددة َورسالة وَاحدة مدارها استعداد الخاسرين من الديمقراطية لإسقاط السقف على الجميع.

الجديد والمقلق في هذه الدعوة أنها استدعيت كعنوان خلاص وطني من الأزمة العميقة التي تمر بها البلاد، وتتقاطع في افقها منازع الغضب الشعبي والاحتجاج الاجتماعي من فشل النخب السياسية المتعاقبة على الحكم في تقديم الأدنى من الحلول والاستجابة لانتظارات الناس، مع شراسة مواظبة لأجندات تخريب المسار المدعومة إقليميا، مع برنامج الحكم المجالسي في ما سمي ببرنامج الرئيس، والذي وصل قرطاج مدججا بشرعية حوالي ثلاثة ملايين ناخب، وفي ظل مركب حكومي هش، اقل تماسكا وانسجاما من كل الحكومات التي تداولت على القصبة بعد الثورة.

لا شك أن عبث بعض النواب، وفساد البعض، وفضائحية مشاهد التلاسن وَالسب بالمباح وغير المباح داخل قبة البرلمان، قد ساهمت في اقتناع الكثير من التونسيين بعدم أهلية النخب السياسية لحكم البلاد وتسطير مصيرها. هذا واكثر منه معروف ومتداول لدى الرأي العام منذ صولات إبراهيم القصاص، وسب الجلالة على لسان النائب اليساري منجي الرحوي. فالموقف العام من الأداء البرلماني كان ومازال مشككا في جدية المؤسسة، وأهليتها للقيام على دورها المركزي والحيوي في الحفاظ على توازن النظام السياسي الجديد الذي أقره دستور الثورة، فضلا عن وظيفتها التشريعية والرقابية.

الجديد في العهدة النيابية الحالية هو ترأس الأستاذ راشد الغنوشي للبرلمان في خطوة رمزية قوية قوامها تطبيع الإسلاميين التونسيين لعلاقتهم مع الدولة، وإحداث قطيعة عنيفة في مخيال ووعي النخب اللائكية التي لم تستوعب -ولا تريد أن تستوعب- إلى اليوم حقيقة النقلة التاريخية العميقة التي أحدثتها الثورة بعنوان النقلة بالإسلاميين من هامش المجال السياسي إلى قلب مجتمع الحكم.

لست هنا بصدد تقييم مبادرة حركة النهضة بترشيح رئيسها للبرلمان ثم بتقديمه لرئاسته، ولكن اسجل فقط أن النهضة قد غامرت بتصدير آلة الدعاية السوداء ضدها من مونبليزير الى باردو، لتمرر من خلالها رسالة استراتيجية فارقة مفادها أن رغبة، أو إرادة، أو أجندة استئصال للإسلاميين ستكون مستقبلا في مواجهة مفتوحة مع الدولة وعلى حسابها.

الدعوة الموسمية لزرع مفاعيل التهارج الأهلي والفوضى تأخرت هذه السنة من الشتاء إلى الربيع بفعل تأخر تشكيل الحكومة وأزمة الوباء. والجديد في دعوة هذا الموسم ليس التوقيت فقط بل أساسا في تقاطع هذه الدعوة مع برنامج قيس سعيد الداعي لشطب الديمقراطية التمثيلية لصالح الديمقراطية الَمجالسية المباشرة، وشدة هجوم الصفحات المحسوبة على أنصاره على الأحزاب السياسية ورموزها والدعوة المتكررة لحلها وإعادة تشكيل المشهد على نموذج النظام الرئاسوي الأبوي الوصي على الموجود السياسي.

نلاحظ عند هذا الحد التركيز الممنهج للدعاية السوداء على حركة النهضة وتحميلها المسؤولية الأخلاقية والسياسية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي الكارثي، وهذا التركيز والتكثيف لمعاني الدعاية الخبيثة القائمة على الافتراء والكذب والإشاعة، لا يحيل على حجم مسؤولية حركة النهضة على مآلات الوضع، بقدر ما يحيل على وعي الأذرع الداخلية والغرف الخارجية بأن النهضة كانت ولا زالت اهم دعائم التجربة الجديدة ومقومات استقرارها، بل وعنوان التحول التاريخي العميق من زمن الاستبداد إلى زمن الحرية.

ما يقلق في هذه الدعوة إلى جانب التقاطع مع برنامج الرئيس هو هشاشة التركيب الحكومي في القصبة، و عدم امتلاكه لشروط الاستقرار والاستمرار، فحكومة المشيشي التي شكلها الرئيس ورغب في إسقاطها بعيد ساعات من إعلانها، حكومة بدون عقل سياسي، هندسها القصر لتسيير دواليب الحكم وليس للحكم في قفز مشبوه على طبيعة وموقع وظيفة رئاسة الحكومة كما حددها دستور الجمهورية الثانية. واذا كانت الحاسة السياسية للكتل البرلمانية التي دعمت مرورها قد أنقذت فريق المشيشي من مصير حكومة الجملي، فأن غياب حزام حزبي ممثل في الحكومة، يعمق المخاوف من محدودية قدرة القصبة على إدارة الأزمة في غياب الحس السياسي والوعي بالأبعاد الإستراتيجية لمعركة معلنة ومفتوحة رهانها النظام السياسي ونفسه والمسار بكل محاميله التاريخية ودلالاته السياسية.

تفاهة الأصوات المنادية بحل البرلمان والانقلاب على المسار تقلل من جديتها، وتطمئن أنها مجرد دعاية سوداء لبث البلبلة وتعميق الشرخ بين قرطاج وباردو والقصبة، وتفجير التناقضات داخل المركب الحكومي، ولكن عدم استواء الحالة السياسية على ثوابت راسخه، وتعدد الأطراف الخاسرة من الديمقراطية، وتغول اذرعة المافيا وحيتان السوق، وتقاطع استراتيجياتها في استفراغ الثورة من معانيها ومحمولاتها السياسية مع أجندة خارجية وإقليمية نشطة ومعلنة على عنوان إجهاض التجربة التونسية كفرقة ناجية من ظلمات لعبة الدم والرصاص في المحيط العربي. كل هذا وغيره يدفعنا الى الحذر والاستعداد لكل احتمالات تطور الحالة التونسية التي تبحث عن ساعة لتلتقط فيها أنفاسها وتتفرغ لإنجاز الممكن من أشواق التونسيين في حياة حرة وكريمة وعادلة.

ما العمل ؟؟
ثورة جديدة . ؟؟

الثورة على الثورة هي دائما ثورة مضادة وان تلحفت بلحف تصحيح مسار الثورة الاولى، وحتى ان وقعت هذه الثورة فهي والى حد الساعة متروكة للقدر، بل بحساب الحاضر الوطني فستكون اكثر عفوية، وفائض العفوية سيرمي بها حتما في فوضى ثمنها سيكون من دماء التونسيين ولن يربح فيها رابح وسيخسر الجميع.
الاحتمال الثاني هو السقوط في مربع الفوضويين والاستجابة لغواية المباراة بالرصاص. يقيني في الحالة أن تونس الثورة لن تنتصر ليس لأن أعدائها أقوى، ولكن لان تسعة أعشار مفاعيل التحارب الداخلي بيد الخارج الإقليمي والدولي، أو هكذا اثبت الحالات العربية في السنوات الأخيرة.
الحل الثالث -وهو الاصعب سياسة- هو ان نتمسك بوحدة الدولة وبالسلم الأهلي كخط أحمر، ونناور ما استطعنا لتجنب الحرب الأهلية، ونتمسك بالاقصى من مكاسب منجز 14 جانفي، ونتعكّز دون ان نتثاقل في الدرب الاصعب، وهو تحديدا التمسك بالحامل السياسي والمدني للمعركة، ومواصلة استراتجية المناورة على ألغام القوى المتضررة في الداخل والخارج من الديمقراطية. وهذا لن ينجز الا باستراتجية الدمج بين مصلحة الدولة ومصلحة القوى المؤمنة بالثورة والديمقراطية.

دعوة رئيس الجمهورية الصريحة للانقلاب العسكري تصدر اليوم عن وجوه من النخب الخاسرة من العملية السياسية، وجيوب الردة والأزلام، وغرف التآمر الإقليمي. والقلق الجديد منها، وفيها، وحولها، هو في تعبيرها عن رغبة معلنة من الرئيس في نسف أسس الديمقراطية التمثيلية.. هنا مكمن القلق وهنا صرة المعنى.. وهنا علينا واجب التقريب بين الرئاسات وسد المنافذ على الأصوات المشبوهة التي تدفع بنعومة ممنهجة لاستعداء الرئيس والنفخ في مزامير الغيرة ومغالبة رئيس البرلمان ورئيس الحكومة.

حكومة المشيشي في حاجة إلى تعديلات وازنة، تدمج فيها وزراء من حزامها البرلماني، خاصة بعيد التعاطف الشعبي الذي “حصدته” مع حملة “الأيادي البيضاء” التي أطاحت بوزير البيئة ومن تورط معه في ملف النفايات الإيطالية، واستبشار الرأي العام ببداية معركتنا الحاسمة والشرسة على الفساد أو “أم الداء” في اجتماعنا السياسي، وكل التحدي أمام الفريق الحكومي اليوم مداره إدماج هذه الخطوة في استراتيجية وطنية جامعة، تنقل معركة أجندات التخريب والضياع إلى مربع المعركة الحقيقية وتستفرغها من مشاحن ومحاميل الردة على المسار وتقويضه.

تونس اليوم على مفترق طرق والوضع في غاية الحساسية وممكنات انزلاقه نحو المجهول وارد جدي، وبدون استعادة الدولة لانسجامها، وتوافق القوى المؤمنة بتونس الجديدة على خارطة طريق جدية للخروج من النفق ضمن رؤية جديدة واستراتيجيا واضحه، بدون هذا قد يتقاطع ضجر الشعب مع حلم الانقلابيين ورغبة الرئيس في نسف نظام التمثيلية ليجعل من هذا الشتاء كابوس الثورة والحرية والدولة.

جريدة الرأي العام

شاهد أيضاً

في الذكرى العاشرة لثورتنا: الثورة بين كرم التاريخ وعبث السياسة وغمَوض القادم (2-2)

نور الدين الختروشي كانت نتائج الصندوق في رئاسيات وتشريعية 2019، بداية الاستبشار بتغيير رافعة التوافق …

في الذكرى العاشرة لثورتنا: الثورة بين كرم التاريخ وعبث السياسة وغمَوض القادم (1-2)

نور الدين الختروشي هل كانت انتفاضة أم ثورة ؟ لعله من أكثر الأسئلة التي تداولت …

اترك رد