fbpx
الثلاثاء , 26 يناير 2021

استقلالية القضاء تحاك في ” الغرف المظلمة “

محمد العجمي

بعيدا عن المجادلة في أحقيّة القضاة بتحسين ظروفهم وإبعادهم عن ضغوطاتها المادية والمعنوية كشرط ضرورة لضمان حياد القضاة واستقلالية المؤسسة القضائية… يثير هذا الإتفاق في سريّته جملة من الملاحظات الرامية إلى التنبيه إلى جملة من المخاطر :

1. لست أدري، بكل استغراب، ما الذي يمكن أن يكون متعلّقا بتكريس إستقلالية السلطة القضائية ويبقى خارج إطار العلم به من طرف الخاصة والعامة… خصوصا وأن المعايير الدولية (المبتهج بها) لا تترك مبدأ أو نصا حول الإستقلالية إلا وذكرت بشأنه النزاهة والشفافية والحياد… كلها في صيغة الوجوب… فهل أصبح متاحا الحديث عن إستقلالية للقضاء تحاك في «الغرف المظلمة» !!

2. إخفاء محتوى الإتفاق عن العموم وحتى عن القضاة له تداعيات خطيرة في مستوى تعميق أزمة عزلة القضاة وفقدان الثقة في القضاء لأن الإستقلالية، يا سادة، تحتكم من حيث مبرر وجودها إلى مشروعية تسمى بالمشروعية الديمقراطية للسلطة القضائية والتي تمّ تقنينها بكامل الوضوح ضمن توطئة الدستور (في فقرتها الثالثة) والفصلان 49 و102 منه.. وهذه المشروعية لكي تكون مستحقة تحتاج إلى إثبات القاضي لمشروعية موضوعية في مستوى الأداء والتعامل مع السلطة السياسية أساسها النزاهة والمصداقيّة… وهي لا تكتسب إلا من خلال امتلاك سند تواصلي مع المجتمع يبقى رهين تقييم المواطن لأداء القضاء…

إنه السند المدني والبعد المجتمعي للقضاء بوصفهما شرط-ضرورة في الحديث عن فاعلية القضاء ومنها رمزيّته وهيبته أيضا… فأيّ منقلب تنقلبون وأنتم في حلّ من كل رابطة مع المجتمع وكأنكم جسم غريب عنه لا يعنيه ما يعنيكم ولا حق له في العلم بما تتفقون عليه مع السلطة السياسية !! ولا تنسوا أن ما سرّب حول فحوى الإتفاق من مخالفة أحكام الدستور والقانون المتعلقة بالتصرف في المال العام بشأن إعفاء المنح المسندة للقضاة من الضريبة إنما هو شأن عام بامتياز ومن متعلقات المصلحة العامة بكل تأكيد… فضلا عن إنخراطكم في مخالفة حق النفاذ إلى المعلومة والحال أن القضاء هو الضمانة الأساسية في التمكين من ذلك الحق واقعا وقانونا… فهل أصبح القضاء عبر من يمثّله، ولو جزئيا، عنصرا مضافا في الفشل… فشل الدولة في احترام القانون وضمان علويّته !!

3. ما لم يتم نشر محتوى الإتفاق للعموم فإن القرائن القانونية والواقعية تقول بأن التحفّظ والسرّيّة مرادف لسياسة «الفعل تحت الطاولة» وعنوان لمقايضة سلعة بسلعة بين طرفي الإتفاق… وكم هو مؤلم القول بأن القضاة «سرقوا» حقّهم في الزيادة في الراتب الشهري… كما ألم التساؤل: بأيّ ثمن تمّ ذلك ؟!… اللهمّ إلا إذا إنطلت بلاهة أن الحكومة أصبحت على حين غرّة «قطّوس يصطاد لفائدة الإستقلالية» !!

4. في المحصلة، كان ولا يزال مؤكّدا، منذ وجود نقابة القضاة التونسيين، أن السلطة السياسية لها وجهين للقضاة: وجه لا ترغب فيه ولكنه مفروض عليها (الجمعية) ووجه ترغب فيه لأنها تحتاجه (النقابة).

5. إن إعتبار أن الإستقلالية ليست «شهريّة» وكفى، لدى عدد هائل من القضاة، أضحى مسألة في حاجة إلى الإثبات خصوصا مع اللحظات التاريخية الحاسمة وهي جميعا على الطاولة منذ الآن وأهمها مشاريع الأنظمة الأساسية وقانون التفقدية وكيفية التعامل مع الملفات ذات الخصوصية وعلى رأسها ملفات الفساد داخل القضاء وخارجه.

6. أخيرا، أخشى أن يكون لعبارة «اللَّبِنة» (المستعملة في بيان النقابة) معنى مرادف، من حيث الأصل، لذاك الوارد لغويّا في لسان العرب وهو: «الطين الذي يُبنى به»… وفي معنى آخر «البقرة ذات اللبن أي التي تعطي لبنا كثيرا وجيّدا». والسلام على إستقلالية القضاء بوجهين وسرعتين ومن كل زوجين إثنين.

أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بسوسة

اترك رد