fbpx
الإثنين , 25 يناير 2021

الوطن… ليس قبعة الشرطي!

عبد اللطيف علوي 

أمّا أنا… فقد كانت المرة الأولى التي أكتشف فيها أنّ الوطن… ليس قبعة الشرطي!

لم أكن أنا، خالد الشّرفيّ، أهتمّ بالسّياسة، ولم أكن أفهم منها قليلا، ولا كثيرا. كلّ ما صرت أعرفه تعلّمته على يدي عامر الصّالحي في مدّة الإيقاف، وعلّمتني إيّاه ليالي التّعذيب الطّويلة، وأنا أصرخ وأتلوّى تحت هراوات البوليس، أعوي مثل جراء الكلاب والقطط العمياء، في شعاب الجبال.

كنت أحيانا، في طريق العودة من المدرسة، أمرّ بـ” شِعْبة الطِّيرْ”، أضع محفظتي على الحافّة، وأنزل إلى القاع، حيث الأحراش والصّخور الملوّنة، وشجيرات الحرمل والدّفلى، أتتبّع مسار الماء الهزيل وهو يتحسّس طريقه، مثل أفعى ربيعيّة ناعمة، إلى عين “سوادة” و”الصوالح” و”زهوة”. أحيانا أجلس على صخرة ناتئة، في منحدر مخفيّ عن الأعين، وأمكث هناك ساعات، بلا حراك أو صفير، مثل فراخ الحجل الّتي تلتصق بالأرض المحروثة، وتكمن لساعات، مثل حجر نائم، أو طوبة يابسة، إلى أن يمرّ الصّيّاد وتأمن عودته.

كنت في فصل الرّبيع أتغيّب عن القسم أحيانا، حين تأخذ الأرض في استعادة الخضرة، وتتفتّح الشّمس في الصّباح مثل زهرة العبّاد، وتسري في كلّ شيء روح الله من جديد. كنت أمسك الحجر وأمسحه بكفّي وأضعه على خدّي فأتحسّس برودته الرّخوة ونعومته، أقرّبه إلى أذني وأصغي، فأسمع في أعماقه حسيس الحياة. روحه تخفق، وفقاقيع الماء والنّدى تترقرق داخله، كالمضغة الّتي تتشكّل في أرحام بيضة صغيرة دافئة.

ذات مرّة سمعت مواء شاحبا متقطّعا، تتبّعت أثره، ووجدت بين الصّخور ثلاثة جراء صغيرة، قططا مغمضة الأعين، تنتفض أجسادها الهزيلة من الجوع والبرد، تتحسّس المكان بأرجلها الطّريّة، تسقط وتنهض… تفتح أفواهها الحمراء وتموء دون توقّف، ذلك المواء الشّاحب المخنوق. مددت يدي إلى أحدها، فاستشاط مواؤه من جديد، وتصاعد صراخ أخويه، بصوت يائس كأنّه استغاثة الرّمق الأخير، وتشبّث بأصبعي، يريد أن يلحسه ويرضعه.

حملت القطط الثّلاثة، وضعت اثنين منها في جيبيْ معطفي، والثّالث في المحفظة، وعدت، وفي قلبي يخفق ذلك الإحساس الّذي لم يفارقني بعدها أبدا، الإحساس بالأمومة، والإحساس بالفقد الرّهيب.

في ذلك اليوم خيّل إليّ أنّي كرهت أبي، وانقطع ذلك الحبل السّرّيّ الّذي كان يربط بيننا، لم نجتمع بعدها أبدا على شعور واحد، أو رأي واحد. رأيته مرّة في عيد الأضحى، يهتك الغشاء، ويغرز قبضة يده في صدر السّقيطة المعلّقة، ثمّ يقتلع قلبه وكبده في جذبة واحدة. في ذلك اليوم، فعل معي تماما ما فعله بتلك السّقيطة.

لم يهتزّ له طرف، وهو يأخذ تلك المخلوقات الضّعيفة العاوية، ويلقي بها الواحد تلو الآخر، في صفّ من صفوف التّين الشّوكيّ، ما يعرف في قريتنا بــ”الهندي”، وهو يعربد بصوته الجبليّ الحادّ:
ـ أعرف أنّك لن تصبح رجلا أبدا!
ثمّ التفت إلى أمّي موبّخا:
ـ هل أنت سعيدة بتربية ابنك المخنّث؟ علّميه كيف يكون رجلا قبل أن يفوت الأوان.

لم أنم ليلتها، ولم أذق طعاما، إلاّ بعد أن أخبرتني أمّي أنّ للقطط سبعة أرواح، وأنّها ستنجو حتما، وتستكمل الحياة بأرواحها المتبقّية، لكنّني شعرت منذ تلك الحادثة، أنّ ذلك الرّجل الّذي يقاسمنا البيت، صار عدوّي!

في غرفة الإيقاف أيضا لم أنم لأيّام، وشعرت للمرّة الأولى، أنّ ذلك الموظّف الّذي يرتدي البدلة الرّسميّة للدّولة، صار عدوّي. كنت أخافه وأتّقيه، لكنّني لم أشعر يوما أنّ بيننا ثأرا، لأتّخذه عدوّا.
حدث ذلك في زمن، صار اليوم يبدو لي قديما… قديما جدّا أيّام ما قبل التّلفاز، والمجلاّت الملوّنة. أيّام كان للصّور وللرّسوم سحر وإيحاء غير ما صارت عليه اليوم.

نحن الّذين درسنا في كتب “الرّياض”، كانت هي كلّ عالمنا، يوم نشتري الأدوات المدرسيّة، القليلة، أوّل ما نبدأ به هو أن نتصفّح كتاب القراءة، بشغف ودهشة لا تتكرّر إلاّ مرّة في بداية كلّ سنة دراسيّة، نتصفّحها بلهفة بحثا عن الصّور، كلّ الصّور، ولم تكن في الحقيقة سوى رسوم بالقلم وحده، بلا ألوان وبلا أيّة تعقيدات، غير أنّ أعيننا كانت تنفتح أمامها دهشة وذهولا، وعقولنا تسرح فيما وراءها، وكأنّها نوافذ تنفتح على عوالم من السّحر والأسرار.

من أكثر ما شدّ انتباهي في تلك الرّسوم، صورة الشّرطيّ، ذلك الأنيق دائما، الوسيم دائما، البشوش دائما، يقف في المفترق شامخا مستقيما ويشير بيديه بحركة أنيقة، أو يمدّ يده إلى عجوز كي يعبر بها الطّريق، وعلى وجهه ابتسامة الرّضى، وفي عينيها نظرة الامتنان.

كانت بدلته السّوداء تبدو مكويّة بإتقان عجيب، يقارب الكمال، لم يكن لدينا مكاوٍ حينها. كان يكفي أن تكون ملابسنا نظيفة، وبأقلّ ما يمكن من الرّقع، ولا يهمّ بعد ذلك كيف تكون، حتّى ولو مضغتها ناقة.

أكثر ما كان يشدّني في كسوته هو قبّعته المهيبة، بشكلها المميّز، وغموضها السّاحر، خاصّة حين تنحني قليلا لتغطّي جانبا من عينيه، وذلك الشّعار الّذي يحلّيها من أمام. كانت تجعله في نظري شخصا بلا نظير، تمنحه الهيبة والكمال والاستعداد الدّائم لمحاربة اللّصوص والأرواح الشّرّيرة وأعداء الوطن.

لم أكن أرى الشّرطيّ إلاّ في رسوم كتاب القراءة، حتّى حدث أن هاجمني ذات يوم أحد الكلاب السّائبة في الدّوّار وأثخن فيّ عضّا، كلب جارنا “بولكتاف” الّذي يكرهه أبي كثيرا، وكان ينتظر أيّة فرصة، كي يقلي له الزّيت في عينيه مثلما كان يقول.

كان عمري ربّما تسع سنوات، أخذني أبي يومها إلى مركز الحرس، كي يقدّم الشّكوى بجاره اللّدود.
عندما دخلت، فوجئت بأنّ العون الجالس في الاستقبال لم يكن أنيقا جدّا ولا رشيقا كما كان يبدو لي في الرّسوم. كانت صدمتي أكبر أن وجدته أصلع، بشعرات قليلة متنافرة على الجانبين، والقبّعة ملقاة على طرف الطّاولة الخشبيّة المهترئة.
حين وقف، جذب السّروال إلى أعلى من الجانبين ثمّ من الوسط، ثمّ أعاد شدّ الحزام جيّدا إلى بطنه البارزة، ثمّ نظر إلى أبي وصرخ في وجهه:
ـ لم يبق لنا إلاّ أن نركض خلف الكلاب كي نمنعها من مهاجمة أبنائكم! اغرب عن وجهي قبل أن أبيّتك في “الجيور!”
لم أكن قبل ذلك اليوم أتصوّر، أنّه يوجد في هذا الكون من يجرؤ على أن يكسر عنجهيّة أبي وشموخه. في ذلك اليوم، رأيته يعود كسيرا، طول الطّريق، وهو يركب الحمار وأنا وراءه، لم ينبس بكلمة واحدة سوى سبّ الحمار ولكزه وضربه حتّى كاد يطير بنا!

أمّا أنا… فقد كانت المرّة الأولى الّتي أكتشف فيها أنّ الوطن… ليس قبّعة الشّرطيّ!
اليوم أيضا، حفر في صدري حفرة عميقة، بمعوله الحادّ، وألقى فيها بذرة شيطانيّة ملعونة، وأهال عليها التّراب. اليوم شعرت للمرّة الأولى أنّه عدوّي.
لقد خرجت حيّا من تحت التّعذيب، لم تفلح الصّعقات الكهربائيّة، ولا السّياط الّذي أكل من لحمي وعظمي شهرا كاملا، لم تفلح كلّها في أن تجعلني أموت، لكنّ ذلك الطّفل الّذي عاش في داخلي ثلاثين عاما، مات من التّعذيب، ومن القهر والخوف والهوان، وشعرت في لحظة موته، بولادة وحش مشوه في داخلي، ما انفكّ يتخبّط ويعوي وينهش أحشائي دون توقّف…

(من رواية الثقب الأسود)
عبد اللطيف علوي

شاهد أيضاً

الغصّة الّتي قتلت محرزية، الغصّة التي سوف تقتلني

عبد اللطيف علوي  محرزية العبيدي عرفها الجميع سيّدة نبيلة بين النّساء، أوّل نائب لرئيس مجلس …

الرّابع عشر من جانفي… أسفر الصّبح بطيئا بعد ليلة طويلة لم أنم فيها إلاّ القليل

عبد اللطيف علوي  أسفر الصّبح بطيئا يتحسّس العالم بين كسف السّواد الثّقيلة، بعد ليلة طويلة …

اترك رد