fbpx
الإثنين , 25 يناير 2021

عروس صفاقس حلُّومة !

عبد الحفيظ خميري 

ظلّ محمّد يُحملق في ساعته كطائر هجره السّرب، وقد ضيّع خريطة عودته وبات في البرد وحيدا.. لقد أكلته صور الماضي وخيالات الغياب وطيف حبيبة لا يجود الزّمان بمثلها قد توارت خلف حجاب الموت.. إنّه من وحدته وبرده ليستغشي وما به نعسة لعلّ حليمة طائر الفينيق تعود في منامه.. فتملأ البيت زهوا وتخلع على اليتامى الدّينار والعشرة.. وتهب المحتاج والمحروم القميص والسّروال والمعطف وكلّ ما تستطيع أن تجود به..

حليمة معالج

محمّد هو الآخر قد بات يتيما فمن له من بعد حليمة؟
وأشدّ أنواع اليتم يُتم الزّوج الكهل في زوجته حين تموت وتتركه..
لم يكن يعلم أنّه بين عشيّة وضحاها سيجرفه سيل اليتم، ويحطّ به من أعلى قمّة الحياة الجميلة والأنس إلى قاع الرّوتين والفراغ والوحشة برحيل شقيقة الرّوح الّتي ملأت حياته زوجة وأمّا وأختا وصديقة..
لقد كان يفتخر بصداقته مع زوجته..
وكان لا يخفي عليها صغيرة ولا كبيرها إلّا وأخبرها بها..
نظر محمّد في ساعته مليئا وكأنّ النّظرة نظرة الوداع الأخير..
وكان يقول لشقيقته الكبرى:
– حليمة صديقتي قبل أن تكون زوجتي..
تقول له أخته وهي سعيدة لسعادته إلّا أنّها تحبّ أن تشاكسه:
– ولهذا لا تخفي عنها شيئا يا محمّد!
– ولما أخفي عنها ومعها تنحلّ جميع العُقد؟
لكم كان له مع هذه السّاعة من حكايات ومن أحاديث ومن طرائف مضحكات!
ولكم كان فرحا مسرورا كلّ هذه الأعوام وعقاربها ترقص غبطة ونشوى.. وتظلّ تدور ولا تتوقّف كي تحمله لمن كانت طول عمره قصيدة حبّ في ديوان عاشق.. تدور العقارب مسرعة فيسرع محمّد نحو زوجته حليمة الّتي لا يشقى جليسها وفي صحبتها يسعد ويأنس.. والنّفس لا تملّ حديثها وهي تزهو وتزهى!
ولكنّه الفراق ومن يقوى على ردّه؟
فجأة ناخ الردّى بدار محمّد وسرق منه الهناء والدّفء، واختطف منه بلبله الشّادي، وأطفأ شمعة بيته في ليلة شمطاء عبوس.. هذا الفانوس الّذي ظلّ ينير كلّ الظّلمات والابتلاءات في طريقه لثلاثين سنة خلت انطفأ مرّة واحدة..
رحلت حليمة ولم تبق منها إلّا ذكراها.. والذّكرى لم تعد سلوة العاشق.. فالحبيبة غيّبها التّراب وقبر طوى منها الوجه البشوش والثّغر الصّبوح.. وقد ذهبت الرّوح لبرزخها في انتظار جمع الشّمل على أرض ليست كهذه الأرض وقد انتصرت السّماء للمظلوم ومن ظالمه اقتصّت..
نعم لثلاثين سنة دامت عشرتهما خالية من كلّ ما يمكن أن ينغّص حياة زوجين، لم يرزقهما الله بالذّرّيّة من بنت أو ولد.. وكانت حياتهما كالمسك والعنبر يملآن الفضاء عطرا وأريجا، ويظلّان يُعطّران حياة النّاس: الأقارب والأصدقاء والجيران وكلّ غريب عابر للسبيل..
نظر محمّد في ساعته مليئا وكأنّ النّظرة نظرة الوداع الأخير..
فهذه السّاعة قد تأبّطتْ معصم يده اليسرى ليلا ونهارا كلّ سنوات زواجه.. فلا يتركها ولا تتركه كأنّ الرّوح معلّقة بها… لازمته طويلا تمنحه فيضا من الهناء والرّاحة.. ولازمها طويلا بشوق طبيعي لا تهدأ بوصلته إلّا في قرب حليمة..
كان لا يكفّ عن النّظر في ساعته في طريقه لبيته وزوجته، والعقارب منها تسرع كما يسرّع عدّاد بنزين السّيّارة، والعجلات هي الأخرى تمضي في شوق تدور وتدور.. فينزل من السّيّارة لتفتح له الباب بدرا أشرق وابتسامة قد أضاءت ما حولها.. وقد كانت وصلت قبله بحكم القرب من عملها.. وهذا عمله هو من البيت بعيد..
تصدّع البيت وهو ما يزال في جدرانه سليم.. فقد رحلت الأصيلة بنت الأصيل عنه.. فتيتّم وهو الكهل بموت حليمة رفيقة دربه فترنّحت أيّامه الجميلة وذوت أغصان ربيعها في أيّام جفّ فيها الرّيق وما بضّت السّماء بقطرة..
كم حاول التّخلّص من هذه السّاعة برميها في حفرة أو تحت عجلات شاحنة أو حتّى تحت عجلات المترو الحديديّة، لتتحوّل إلى قطعة حديد باردة لا حرارة فيها، وقد ماتت حرارة الحياة في معصم يده الشّمال!
كان يقرّر في كلّ مرّة عازما الخلاص منها ومن طنين عقاربها.. وكان يتراجع في كلّ مرّة بعد تصميمه الشديد.. وكم مرّة عزم على وأدها حيّة في قبر ضيّق على المقاس.. وهذه عقاربها تنبض بالحياة وهي لا تتراجع الى الوراء أبدا..
إنّ المشكلة الحقيقيّة بينه وبين ساعته، وقد ماتت حليمة أنّه كثير الرّجوع إلى الماضي.. وهذه السّاعة تولّيه الظّهر ولا تتراجع.. وإنّما هي في شأنها تركض دائما إلى الأمام ولا تتوقّف.. وقد بات عاجزا عن يجاريها في دورانها.. وقد غابت نجمته الّتي كان من حولها يسعى ويطوف، ويُقبل بالودّ والمحبّة والكلمة الطّيّبة..
فكر في شنق هذه السّاعة وهي حيّة بأن ينزع بطاريتها.. فلم يعد للزمن ذبذباته الحُلوة في حياته.. وقد صارت عقاربها قضبان حديد، تعصر عوده، وتكدّر صفوه، وتكاد تُخرج روحه.. تغيّرت الحياة.. ولم يعد ما كان كما كان، وهذه حليمة قد غابت عن الأنظار، وهذه السّاعة في معصمه تظلّ ترنّ وتخنقه وتشلّ سمعه وهي كذبابة قد سقطت في إناء من حليب.. فجُنّ جنونها.. وطال طنينها.. فلا هي تستطيع الخروج من الإناء ولا هي تموت.. فيرتاح من عويلها..
لقد أعطى الزّمن في قرب حليمة لحياته المعنى والقيمة.. فقرّت عيناه بها وقرّت عيناها به.. فقد شغلته عن غيرها من النّساء.. وملأت حياته معها أنسا وبهجة..
وظلّ يروم التّخلّص من هذه السّاعة وهي تُطوّق معصمه.. وكان يتراجع في كلّ مرّة عن نزعها من يده اليسرى قائلا لها:
– يأبى عليّ الجميل وطول العشرة أن أتخلص منك!
يسمع دبيب عقاربها يشقّ هذا الصّمت الّذي يغطس فيه كلّ شبر في كلّ غرفة من غرف البيت الخمس.. لكأنّ الآلات تنطق بالجوى بعد طول الودّ والصُحبة.. وكأنّه يسمعها في أسى تقول :
– عشتُ معك سعيدة عمرا طويلا يا محمّد!
قاطعها قائلا:
– أفلت السّعادة بموت حليمة يا ساعتي!
قالت وعقاربها تتقارب من بعضها وتحتدّ:
– منذ تسلّمتني هديّة من أخيك في يوم عُرسك وكلانا سعيد..
قال وهو يمسح دمعة ساخنة:
– ماتت الّتي كنت ألبسك من أجلها ومن أجلها كنت سعيدا..
كأنّ تنعى نفسها.. ورغم ذلك لا تتوقّف وهو يريد أن يوقفها.. فما عاد يحتمل هذا دبيبها يتسرّب إلى أذنيه.. فيشعل فيهما النّار.. ويتسرّب إلى أصقاع روحه.. فتزداد جراحا على جراح والشّفاء من جرح موت الحبيب عسير..
وعاد محمّد يقول ودمعتان تنسكبان في صمت والرّوح لزوجته تشتاق:
– رغم معزّتي لك أيّتها السّاعة لم يبق لك حضور في حياتي..
وهو يترك النّظر فيها واصل يتكلّم:
– مات الغناء في عقاربك كما مات الفرح في عينيَّ بموت حليمة..
قالت السّاعة وعقاربها ما تزال تدور:
– الموت بيد الله وعقارب الحياة غصبا عنّا تظلّ تدور…
قال وهو ينظر فيها نظرة مؤمن يتألّم:
– ونِعم بالله.. إنّني أعرف ذلك وهذه عيني باكية والقلب منّي حزين.. وإنّي لفراق حليمة لموجوع… ولكن مثلي لا يقول: إلّا ما يرضي الله!
وهو يتأمّلها وكأنّه يعيش معها هي الأخرى آخر لحظاته.. وقال في وجع عميق:
– ماتت حليمة مَن كانت تمنحك المكانة في حياتي وترفع من شأنك..
قالت السّاعة وهي في حيرة من أمرها:
– الموت لا يستشير أحدا يا محمّد حين يأتي!
وكأنّها تبكي وهل رأيت ساعة تبكي وصلت تقول:
– أبعد كلّ هذه السّنين تريد أن ترميني؟
قال وهو يتحسّس زجاجها:
– عاشتْ معي حليمة قرابة الثّلاثين سنة ومعها قد عشتُ ومعنا قد عشت..
قالت السّاعة تؤازره وتضمّ صوتها لصوته لعلّه يحنّ ويتراجع:
– حياتي في صحبتكِ كانت معها أجمل.. فمنذ رحلت حليمة لم تعد تتأمّلني كعادتك وقد نبت على وجهي الغبار واجتاحني جفاف المشاعر.. لقد تحوّلت بعد حليمة إلى قطعة منسيّة حول معصمك.. وعيناك لا تكادان تُلقيان عليّ في اليوم ولو نظرة يتيمة.. فلقد توارى نجم الّتي كنت تكرمني من أجلها، وغاب عن هذه الدّنيا الفانية حضور امرأة، كانت قبل أن تفكّر في سعادتها، كانت تقدّم سعادة النّاس..
قال ونياط القلب منه تنزف وجعا:
– لقد ماتت من كانت تعطي لرؤية الوقت فيك مذاقه ومتعته..
يريد أن يتخلّص من السّاعة.. ولكنّه يخاف أن يُغضب حليمة في قبره.. وحليمة في صحبته طيلة حياتها لم تغضب.. فحليمة كانت لا تغضب إلّا من الظّالمين والمستبدّين..
إنّه يكره طنين هذه السّاعة وقد حرّم عليه النّوم فلا ينام إلّا متى هدّه التّعب..
وكم من مرّة فكّر في فتح بطن هذه السّاعة وتفتيت ما بها من آلات صغيرة… وفي الأخير يجعل من عقاربها الثلاثة أعمدة لشنق ما باتت حياته عليه من رتابة.. ولما لا يصنع من هذه العقارب سهاما في حرب شرسة، لا تدور مربكة إلّا في ذاكرته وهي تقتحم أذنيه لكي تندسّ في رأسه ألغاما تنفجر تلو ألغام؟
كم بات يكره هذه السّاعة وعقاربها تئنّ كعجوز مريضة.. ورغم ذلك يصبر عليها.. ففيها من ريح الغالية ما يجعله يصبر على عويلها وأنينها!
في الحقيقة لم يعد الزّمن يحيط بهذه العقارب الثّلاثة.. ولا هي باتت تسوقه كما تسوقه كلّ تلك السّنوات.. فزمن هذه السّاعة لم يعد يمثّل له شيئا ولا هو ينسجم معه.. فبموت حليمة اختلّ كلّ شيء في نظره رغم أنّه لم يتغيّر في الطبيعة شيء.. لكن عنده تغيّر كلّ شيء.. اللّيل والنّهار وعدد السّاعات وحركة النّاس.. وحتّى مذاق الشّاي قد تغيّر عنده.. وبات مرّا رغم كميّة السّكر الّتي فيه.. وهكذا قد غاب الشّاي عن المائدة.. ونبحت عقارب السّاعة.. وتاهت زوارقي بين الأمواج والعواصف.. وما وجدت من أمري مخرجا.. فترمّلت مشاعري.. وزمّلت رأسي حين تدفّقت أوجاعي.. وتشابهت الأيّام كما الألوان عندي..
يتذكّر حديثها الحلو الجميل.. وقد رشحت فيه الدّعابة..
وها هي تصبّ الشّاي في كأسه قائلة:
– شاي حليمة لا يضاهيه شاي!
يردّ عليها وهو يتسلّم منها الكأس منشرحا:
– وحليمة لا تضاهيه عندي في النّساء امرأة!
تغمز بالعين مشاكسة:
– هذا كلام كلّ الرّجال المتزوّجين…
لا يتركها تكمل وهو يرتشف كأسه:
– هذا كلام محمّد الّذي لا تسحره ابتسامة غير ابتسامة حليمة!
لم يعد الزّمن زّمنه ولا وقت وقتها وقد فاضت دنياه بالألم والحرمان.. وأمسى الزّمن ثاويا هنا في هذا العقل، وهذا القلب، وهذه الذاكرة، جامدا لا يتحرّك… هو يحبّ عقرب الثّواني لأنّه رقّاص ماهر وعدّاء واثب، يطوي المسافات، ويختصر الطّول والعرض.. وأمّا عقرب الدّقائق فهو في صراع مع نفسه أفضل حالا عنده من عقرب الشّيطان.. هو يحبّ عقرب الدّقائق مرّة ويكرهه مرّة حسب النّشرة النّفسيّة الّتي هو عليها، سواء كان مُستيقظا في فراشة أو قابعا أمام شاشة التّلفاز.. أو كان يتمشّى في طرقات المدينة بحثا عن اليد التي كانت تتأبّط ذراعه…
مشكلته العميقة كلّ هذه الشّهور ظلّت مع عقرب السّاعات.. فهو قصير جامح.. يسير ببطء ويأكل من راحته وصبره… وكم هو ماكر وخبيث وهو يتمطى ويتثاءب.. يترنّح في سيره عمدا وهو يُحوّل حياته إلى صخرة ناتئة في طريقه، ويجعل منها إيقاعا رتيبا مُملاًّ يلازم نفس الوتيرة، ويحافظ على نفس الإيقاع..
ولا تحدث هذا العقرب نفسه في أن يُدحرج الصّخرة عن طريقه ولو قليلا..
وما ينفكّ يتساءل:
– لماذا لا يدور هذا العقرب ؟
ولطالما كان هذا العقرب من قبل يسرع في حياة حليمة الّتي كان يحلو له أن يناديها: حلومة.. هذا العقرب بات ثقيلا كشوكة في الحلق تتحرّك ولا تتحلحل من مكانها.. وما حاول هذا العقرب ولو قليلا أن يختصر الوقت، لكي ينقذه من ركام هذا الحزن الأسود الّذي طبع كلّ شيء منذ رحيل ملاكه، وهي الّتي كانت تؤنس وحدته، وتزيّن حياته بخفّة روحها ولطف دُعابتها، وتطبخ له شاي السّعادة مع صينيّة من الحلويات، وعلى رأسها لاحت البقلاوة.. وفي الكأسين – وقد ضاق الوسط منهما واتّسع الصّدر والقاع – تربّعت حبّات الكاكويّة تتحرّك غنجا كلّما تحرّك الكأس..
كان يحبّ الشّاي الّذي تتفنّن حلومة في إعداده.. ومن يوم وفاتها ما تزيّنت المائدة بإبريق الشّاي، ولا تزيّن كأس الشّاي الأحمر بحبّات البندق أو الكاكويّة وهي تأبى أن تنزل للقاع، وتظلّ تطفو فوق الكأس..
في انتظار حليمة الّتي أعطت لحياته طعمها، وأصبغت على هذه العقارب الثّلاثة حياة وإحساسا، كان ما ينفكّ بين الحين والحين ينظر في ساعته ويطيل النّظر فيها.. يعدّ الدّقائق والثّواني.. فمتى ينهي عمله ويعود إلى زوجته وقرّة عينه؟
وبعد مرور كلّ هذه السّنوات في صحبتها، ها هو يجلس في الأماكن الّتي استطعم فيها لذة الثّواني والدّقائق والسّاعات برفقة حلومة.. وقد ذاق حلاوة كلّ الطّرقات وكلّ المسافات الّتي قطعها في صحبتها، واليد في اليد قد سكنت أنسا ومودة..
كغصن مقطوع تركض به ريح المدينة، ويلهو أطفال الحيّ بضرب بعضهم البعض به تواصلت حياته كيفما قلّبتها لا تستوي.. وواصل يدخل البيت ويخرج منه دون طعم.. وواصل العمل دون طعم.. وواصل يأكل ويشرب دون طعم.. يدخل المنزل وهو يدفع قدميه دفعا.. إنّه يرى خيالها في كلّ شبر منه وهي تقبل عليه بفنّ وتنثني بفنّ.. تحاول إنهاء شؤون البيت بسرعة وكان لا يتوانى في مساعدتها وعونها.. تسرع قضاء ما يجب قضاؤه لكي تتفرّغ للجلوس إليه.. فتجلس بقربه تحدثه ويحدّثها عن تفاصيل يومها.. تتحرّك بحبّ.. وتعطي لكلّ شيء في البيت طعمه الخاصّ… هنا كانت تجلس كلّما تعبت من التّنظيف وتنظيم كلّ حجرة من حجرات هذا البيت الكبير…
سنوات مرت عليهما في هذا البيت.. ورغم أنّهما حُرما من الذُّرِّيّة إلّا أنّها كانت راضية بقدر الله.. وكانت الابتسامة لا تفارق شفتيها.. وكانت تقول له: الحمد لله الّذي عوّضني بك يا محمّد عن كلّ شيء!
كان كلّما عاد إلى البيت تأمّل صورتهما يوم زفافهما، وقد عُلّقت على جدار غرفة الجلوس.. كانت تبتسم وهي في قمّة حزنها وهي من سجن لسجن.. كانت في أقسى الأوقات وأصعبها تبتسم وهي تقول:
– تفاءلوا خيرا فغدا تشرق شمس الحرّيّة!
لم يرها تتأفف ولا رآها متبرمة ولا مكشرة على ما أصابها من شرّ المخبرين وأذى المرجفين.. وقد ضاقت الأرض بما رحبت على أبناء حزبها.. كانت مؤمنة بحياتها وبنضالها وكلّ الشّوارع وكلّ السّاحات تعرف شجاعتها وجرأتها في الحقّ وهي لا تخاف من بشر.. كانت مؤمنة بقدرها حين لم ترزق بولد أو بنت.. وكانت مؤمنة بأنّ عليها أن تعيش كما أراد الله لها…
ورغم أنّ البيت من غير أطفال سجن ضيّق، يسكن القلب والعقل إلّا أن حليمة صابرة محتسبة أمرها كلّه لله.. وكانت تكرم أطفال الجيران، وتعتني بالفقير واليتيم منهم.. وكانت تقول وهي تحادث الجارات والصُّويحبات:
– كلّ أبناء وبنات الجيران أبنائي وبناتي!
وكان الجميع يحبّها إلّا جارتها الاستئصاليّة الّتي كانت تشي بها إلى المخبرين.. وكانت لا تتوقّف عن التّجسّس على حليمة وعلى زوجها محمّد.. ورغم معاملة حليمة الطّيّبة لها إلّا أنّ هذه المومس الحاقدة وقد كانت تتلقّى المال من الوالي والمعتمد كان لا ينفع فيه عقار المعاملة الطّيّبة ولا المحبّة دواء.. فقد أفسد عليها طمعها وحقدها كلّ الخصال الحميدة..
كانت حليمة لا تشتكي مثلما تشتكي نساء كثيرات وهنّ يُشعرن رجالهنّ بالعجز والقصور.. وقد كانت الواحدة منهنّ لا تتوقّف عن الرّغي والشّكوى قائلة مردّدة في كلّ حين:
– زهري امْشوم وحياتي أشوم..
ينهرها الزوج موجوعا وخائفا إن طلق هذه اللفعة خرج من البيت وظل عمره كله يدفع النفقة:
– اتق الله يا وجه البومة ما هو العيب فيك!
تواصل رغيها كبومة ضالة:
– شومي على زهري.. دار جيراني تغلي بالصّغار وأنا داري خالية واتْبَوَم!
أغلب النساء معادن مغشوشة ومعدن حليمة نادر في هذه الأيام..
ومرّت الأيّام من بعد حليمة على محمّد طويلة ثقيلة..
وظلّ يتصارع مع نفسه: أيترك هذه السّاعة أم يتخلّص منها، وقد ظلّت تنبح كالكلب المقيّد، وتظلّ على طول اليوم تئنّ ولا تتوقّف كنحلة أو زنبور؟
كانت تقول له في كلّ مرّة تلمّ بها الحمّى أو مرض خفيف: يا محمّد هذه مذكّراتي إنْ متُّ قبلك.. فإنّي أسمح لك بقراءتها.. ولا تنس نشرها.. ففيها شهادة على سنوات الجمر .. وفيها رحلة امرأة مع الظّلم.. ورغم ما أصابها لم تطأطئ الرّأس إلّا لخالقها… وإن تزوّجت ولا بدّ أن تتزوج.. فتصدّق بكلّ ما يخصّني من البيت وادفن صوري إلى جواري في قبري.. فلا أريد أن تُفسد عليك حياتك مع زوجتك الّتي أرادها الله لك أهلا وصاحبة من بعدي.. فلا أريدها أن تَغير عليك.. وقد كانت عائشة – وهي من هي – تغير من السّيدة خديجة وهي ميّتة..
وبين مطاردة طيف حلومة في البيت وفي حديقة البيت، مضت أيّام محمّد وشهوره متشابهة لا طعم لها ولا مذاق.. فمضى قانعا بالوحدة مستأنسا بالذّكرى وألبوم الصُّور.. وقد فُرضت عليه العزلة فرضا.. ولا يسعفه من عزلته وقد تراكمت أيّامها إلّا العودة لمواصلة قراءة يوميات حليمة ويسعى للاتّصال بدور النّشر لإصدارها كما وصّته حليمة.. وكلّما أنهى فصلا من الفصول استيقظ لطنين السّاعة في معصمه وهي تظنّ وتظنّ ولا تتوقّف ولا تتراجع.. وتمضي عقاربها رغم ما يتهدّدها من مصير وخيم تدور وتدور.. فلقد عجز محمّد على التّخلّص منها.. وبين الحين والحين يعود ينظر في ساعته، وقد مضى يكلمها:
– أيّتها السّاعة لو لم تكوني عزيزة عليّ لهشّمت زُجاجك، وحطّمت أجزاءك، وتركتها قطعا يلهو بها أطفال الجيران… لطالما كنت أتأمّلك وأنا أسرع الخطى نحو البيت.. فحليمة في انتظار عودتي من العمل لنتناول الغداء معا.. فقد تعاهدنا منذ زواجنا أن لا يتغدى أحدنا بدون الآخر..
ترك النّظر في السّاعة وهو يكاد ينزعها من معصمه.. وعاد ينظر إلى صورة زفافهما في إطارها المزركش قبل ثلاثين سنة معلّقة على حائط الصّالة.. وانتصب واقفا وهو يقترب من الصّورة أكثر فأكثر.. وهذه ابتسامة حليمة مشرقة في إطارها كأنّ المصوّر قد قام بالتقاطها للتوّ.. تمعنّ في الصّورة جيدا.. فحليمة ما تزال رغم الموت تبتسم.. نعم لثلاثين سنة لم تسقط راية ابتسامتها.. ولا هي تعثرت رغم عقبات الحياة الكؤود.. وظلّت صامدة في وجه الجلّاد، وفي وجه الأعداء، وفي وجه كلمات بعض الجارات الجارحة بأنها عقيم لا تنجب ..
وظلّت عينا محمّد معلّقة بالصورة ودمع عينيه ينهلّ في صمت.. وذهب يكلّمها يشكو لها ما فعلت به الوحدة.. ويهرب لسنواته الجميلة في صحبتها قائلا:
– اشتقت لك يا زوجتي الغالية! والله اشتقت لك!
يمسح دموعه ويمضي يقول:
– مَن لي ولسعادتي ولأنسي بعد رحيلك يا حليمة وهذه السّاعة لا ترحمني؟ فلا طنينها يهدأ.. ولا عقاربها تتوقّف.. ولا أنا أستطيع نزعها من معصمي.. واتركها دون بطريّة في ركن مهجور؟
ــــــــــــــــــــــــــــ
مشروع رواية …

برقية عاجلة من موظفة إلى الحكيم يوسف الشاهد

حليمة معالج حاضرة في قلوب الأحرار

شاهد أيضاً

التدوينة الأخيرة

حليمة معالج  30 أوت 5:24 تعداو عليا 4 أيام صعاب برشة، السخانة ما حبتش تهبط …

برقية عاجلة من موظفة إلى الحكيم يوسف الشاهد

حليمة معالج سي يوسف : الموظفين راهم ماهمش الحيط القصير متاعك كيما ماشي في بالك…!! …

اترك رد