fbpx
الأحد , 17 يناير 2021

العرب بين جائحتين: الكورونا والتطبيع

صالح التيزاوي 

منذ بداية تفشّي وباء الكورونا، كتب المفكّرون المشتغلون بعلوم التّخطيط والتّنظير واستشراف المستقبل، بأنّ عالم ما بعد الكورونا، لن يكون كما قبلها، وبدأ اشتغال الأقوياء والمتنفذّون في عالمي الإقتصاد والسّياسة في رسم خريطة جديدة للعالم. وبينما انطلقت الأمم الحيّة والتكتّلات الإقليميّة لأخد مكانها على الخارطة الجديدة، انخرط العالم العربي في أضخم موجة تطبيع مع الكيان الصّهيوني فيما بات يعرف بالموجة الثّانية بعد مصر والأردن. فهل تكون جائحة التّطبيع أبرز سمات المنطقة العربيّة في عالم ما بعد الكورونا؟!

تزامن غريب، فما دلالته؟

دشّنت الإمارات موجة التّطبيع الثّانية ولحقت بها كلّ من البحرين والسّودان والمغرب (وقد تكون دول أخرى على لائحة الإنتظار)، بالتّزامن مع استعار الثّورات المضادة بقيادة غرفة “أبو ظبي” وموجات جائحة الكورونا. لم يفاجئ تطبيع الإمارات المتابعين والمحلّلين، لأنّه كان جار على قدم وساق في السّر، وقد تمّ إخراجه إلى العلن مع انطلاق حملة “ترامب” الإنتخابيّة. كل المؤشرات كانت تشير إلى أنّ الإمارات في طريقها إلى التطبيع وأنّ المسألة مسألة وقت لا غير. إذ ليس من المعقول أن تلعب هذه الدويلة الصغيرة أدوارا أكبر من حجمها الجغرافي والتّاريخي والحضاري إلا إذا أعطيت ضوءا أخضر من أصحاب القرار في مطابخ السّياسة العالميّة. التقت مصلحة الإمارات المتوجّسة خيفة من عدوى الثّورة والحريّة مع مصلحة الكيان الصّهيوني المتخوّف من ظهور أنظمة عربيّة ديمقراطية، فاجتمعا على معاداة الرّبيع العربي على غرار كل الأنظمة الإستبدادية في المنطقة العربيّة (النّظام الإنقلابي في مصر ونظام البراميل المتفجّرة في دمشق)، فأشعلوا ثورات مضادّة، عبريّة الهوى لقتل ثورات الربيع العربي في مهدها قبل أن يشتدّ عودها وتفضي إلى ميلاد حالة ديمقراطيّة تردم الفجوة بين الشّعوب العربيّة وحكّامهم وتستعصي معها كلّ محاولة للتّطبيع.

التطبيع من بوابة الإستبداد

بات واضحا أنّ التّطبيع لا ينشط إلّا في مناخات استبداديّة وتحت إمرة أنظمة شموليّة: لقد طبع السادات في مطلع الثّمانينات ولم يرجع إلى الشعب المصري، وطبع الملك حسين ملك الأردن ولم يأخذ برأي الشّعب الأردني وعلى نهجهما سار بن زايد في الإمارات وملك البحرين والتحق بهما نظام (شبه… شبه في السودان): شبه مدني.. شبه عسكري. والتحق المغرب بموجة المطبّعين في أضخم موجة تطبيع شهدها العالم العربي، منذ التّطبيع الأوّل. بدت إسرائيل كمن يسابق الزّمن مستغلة جائحة الكورونا ووجود “يمين إنجيلي” أمريكي يدفع باتجاه التطبيع وأنظمة عربية مستبدّة مستعدّة للمقايضة على بقائها في الحكم. تحسّبا لموجات ثوريّة جديدة في العالم العربي تمّ بيسر مقايضة الإمارات على دور بارز وكبير في تخريب ثورات الرّبيع العربي في مصر وفي سوريا وفي ليبيا وفي اليمن، وتكفّل اليمين الإنجيلي في أمريكا بمقايضة السٍودان على رفع اسمه من لوائح الإرهاب الأمريكيّة وقليل من مساعدات مالية أسالت لعاب العسكر وغذّت شهيّته لسلطة أبديّة وحرفته عن أهداف الثورة التي أطاحت بحكم عمر البشير. ونجحت مقايضة المغرب على التّطبيع بالإعتراف بسيادته على الصّحراء الغربيّة.

التطبيع من بوابة التخريب الإجتماعي والإقتصادي

تبدو تونس نظريّا محصّنة من جائحة التّطبيع من جهتين:

  1. من جهة نظامها الدّيمقراطي النّاشئ، لأنّ قرارا من هذا النّوع، لا يبدو في متناول حزب أو حكومة أو شخص مهما كان موقعه، بحكم توزيع السّلط على النّحو الذي فصّله دستور الثورة بإحكام والذي أغلق كلّ الثّغرات التي يمكن أن يعود منها الإستبداد.
  2. وهي محصّنة من جهة العمق الشّعبي الرّافض لفكرة التّطبيع.

ومع ذلك، فإنّ الوضع الإقتصادي المتأزّم أصلا والذي زاد عدم الإستقرار الحكومي وارتفاع سقوف المطلبيّة وجائحة الكورونا من تأزّمه.. يحتاج إلى تحصين جدّي وناجع حتى لا يكون الثّغرة التي يتسرّب منها حديث التّطبيع الذي بادرت وزارة الشّؤون الخارجيّة إلى تكذيبه ورفضه رفضا قاطعا. جدير بالذّكر أنّ غرفة أبوظبي للثّورات المضادّة وبعد يأسها من الإنقلاب علي مسار تونس للإنتقال الدّيمقراطي كما فعلت في مصر وفي ليبيا، قد مارست عن طريق مخالبها وأذيالها ضغوطا قصوى على البيئة الإقتصاديّة ونجحت في تحويلها إلى بيئة طاردة للإستثمار ومعرقلة للتّنمية.

شاهد أيضاً

عياض بن عاشور يخرج عن صمته

صالح التيزاوي  تزامنا مع الذّكرى العاشرة لاندلاع الثّورة، صرّح أستاذ القانون الدّستوري عياض بن عاشور، …

هل الديمقراطية تليق بهم وحدهم؟!

صالح التيزاوي  أبدى كثير من السّاسة والمشرّعين والمحلّلين الأمريكيين وخاصّة من الحزب الدّيمقراطي انزعاجهم من …

اترك رد