fbpx
الثلاثاء , 26 يناير 2021

هل تونس الآن بلد مقاوم للاحتلال الصهيوني لنخاف عليها كل هذا الخوف من أن تطبّع ؟

عبد الرزاق الحاج مسعود 

لنتفق أن أجيالا من التونسيين دخلت السياسة كفكرة وكالتزام من بوابة فلسطين. جيل هزيمة 67 كان لا يفرّق بين تحرير فلسطين ومعركته الوطنية مع دولة الاستقلال المستبدة. يمكن تلخيص برنامج المعارضة السياسية في ثلاث عشريات (60_70_80) في عنوان جامع: كيف نبني دولة وطنية قوية نحرر بها فلسطين؟

البعض يراها دولة عربية واحدة واشتراكية أيضا، آخرون يرونها دولة الطبقة العاملة بعد أن تنضم إلى الأممية الشيوعية، ونوع آخر يرونها دولة إسلامية على منهاج النبوة توحد لا العرب فقط بل كل مسلمي العالم تحت راية خليفة راشد ينْفذ حكم الله في الأرض كلها.. وفي اليهود طبعا.

في عشريتي الاستبداد تغير لوجيسيال الشباب الجديد. صار برنامجه السياسي والحياتي: كيف نصبح أثرياء كالطرابلسية دون الحاجة إلى تضييع العمر في الدراسة والعمل.. أي بالحصول على شهادات مزيفة بالغش أو بشراء وظيفة. أو بالحرقة؟

وصلنا الآن في تونس إلى تعايش مشوّه ومسخ بين هذين “الشعبين”: شعب ما زال يرى فلسطين عنوانا سياسيا وطنيا مقدسا هلاميا طبعا.. ويرفض أن يغادر عتبة الشعار إلى برنامج سياسي وطني تفصيلي ينتهي إلى بناء دولة قادرة على حماية استقلالها وخدمة شعبها بتوفير حاجاته وحفظ كرامته.. وتوحيده في معركة إسناد مبدئي أخلاقي لشعب فلسطين.

و”شعب الشباب التونسي” الذي يباشر يوميا تطبيق برنامجه الحياتي في الجريمة والمخدرات وخاصة الحرقة. الحرقة في تونس الآن حلم حياة يشغل اللغة اليومية والخيال والأغاني والعلاقة بأجهزة الدولة والمجتمع.. هي برنامج سياسي لا أثر فيه لا للديمقراطية ولا لفلسطين ولا للتطبيع.

وبين هذين الشعبين توجد “شعوب وسيطة ” كثيرة داخل أروقة الدولة.. هي أجيال من كل الأعمار ومن أصول الأيديولوجيات الكبرى الثلاث ومن سلالة مؤسسي الدولة /الحزب.. هي شعوب مجتمع الأمن والإدارة التي تؤمّن كل أنواع جرائم الفساد من رشوة وبيع وظائف وتزوير شهائد وغش وشغل وظائف وهمية وتمتع بامتيازات الدولة وابتزاز ونهب للمؤسسات العمومية ومنع للعدالة.. والتي تعمل كلها تحت أعين شركات النهب العالمية عبر وكلائها المحليين المتحكمين في الاقتصاد وفي الحكم. (نتذكر كيف هيمن الطرابلسية على شركات الطيران والإسمنت والاتصالات والجامعات الخاصة والبنوك والتلفزات وإذاعة القرآن… الخ).

بعد الثورة التقت كل هذه الشعوب على هذه الأرض.. تفاعلت وتقاطعت وتداخلت وتنافرت لتنتج هذا الوضع الذي لا يسمّى.
مربط الجحش التونسي هنا:
من يرفع شعار رفض التطبيع لا يمتلك أدنى أدوات تحويل الشعار إلى برنامج سياسي.
من يريد التطبيع لا يملك بدوره أدوات تنفيذه سياسيا ورسميا.. لذلك لا أحد من سياسيي تونس الآن يتبنى الشعار علنيا رغم كثرة الممارسين الفعليين للتطبيع الاقتصادي والثقافي والوجداني…
كثيرون من طبقتنا السياسية يريدون أن يكونوا مكان سعد الدين العثماني المغربي في الصورة المتداولة لحفل التوقيع المغربي على التطبيع.. ولكنهم لا يمتلكون في الواقع ما يجعل جاريد كوشنر يطلب منهم التوقيع.
لذلك.. أن تُصدر خارجيتنا بيانا رافضا لتطبيع العلاقة مع كيان عنصري استعماري ولكن قوي وزاحف وموجود على أرضنا وفاعل ومدعوم أمريكيا ودوليا.. أن يصدر البيان في وضع تفكك معلن لمؤسسات الدولة.. أمر جيّد. دلالته الشكلية تكفي تماما في مثل وضعنا. لست مع تبخيسه لأنه صادر من رئاسة لا تستقر على وجهة. ولست مع اعتباره انتصارا سياسيا لأننا لا نملك لا مقومات الانتصار.. ولا مقومات حفظ ماء الوجه حتى.
بيننا وبين امتلاك مقومات رفض التطبيع مسافة برنامج بناء دولة.
هل نستطيع ؟
لا خيار أمامنا إلا أن نستثمر في قيمنا الجديدة التي أطلقتها الثورة.. (وهي ثورة رغم أنوفنا جميعا.. حتى المؤمنين بها والمفرّطين فيها) :
الحرية والعقل والقانون
حينها قد نستطيع.

شاهد أيضاً

في انتظار “بادر-ماينهوف” تونسي… أو الطفولة الدائمة لفكرة السياسة عندنا 

عبد الرزاق الحاج مسعود  بعد الحرب الثانية، صارت الماركسية إيديولوجيا الشباب العالمي للثورة على الدولة …

ثورة…؟؟؟

عبد الرزاق الحاج مسعود  من يريد تغيير المشهد السياسي حالا.. وبأية طريقة.. ثورة شعبية.. تخريب …

اترك رد