fbpx
الأحد , 17 يناير 2021

فليصبر اليتيم والأرملة والمطلّقة ومريض السّرطان إلى أن يحصل القاضي على راتب وزير!

علي الجوابي

من المؤسف جدّا أن تتعطّل مصالح الدولة الحيوية والعادية ومصالح المواطنين بسبب توقّف الإنتاج بصفة كلّية في مؤسّسات حيوية مثل التي تستخرج البترول والغاز والفسفاط أو التي يمرّ عبر أنابيبها الغاز الجزائري وأيضا من المؤسف جدّا أن تتعطّل مصالح الدولة والمواطنين بسبب الإضرابات التي كانت في كثير من الأحيان خارج القانون.

لقد تعطّلت مصالح المواطنين بسبب إضراب في مرفق القضاء العمومي قد تترّب عنه سقوط آجال الطعن في الأحكام فالقضاة اضربوا بشكل مفتوح منذ 16 نوفمبر الماضي استجابة لطلب هيئتين مختلفتين ومتخالفتين غير متّفقتين هما :

  • جمعية القضاة التونسيين التي أعلنت يوم الجمعة 18 ديسمبر الجاري أنها أبرمت اتفاقا مع الحكومة دعت بموجبه القضاة إلى استئناف العمل يوم الاثنين 21 ديسمبر 2020.
  • نقابة القضاة التي رفضت الاتفاق واعتبرته غير جدّي ولا يستجيب لطلبات القضاة ودعت إلى مواصلة الإضراب ويبدو أنها تحظى بمساندة جمعية القاضيات التونسيات واتحاد قضاة محكمة المحاسبات واتحاد القضاة الإداريين.

أعوان العدلية والعفو الرئاسي

الإداريون هم أيضا مضربون بطلب من النقابة الوطنية لأعوان وإطارات العدلية التي سارعت بالإعلان على أن الاتفاق الذي ابرم بين الحكومة وجمعية القضاة لا يلزمها وقد سبق لها أن أصدرت يوم الخميس 17 ديسمبر الجاري بيانا نشرته في شكل إعلام للرأي العام جاء فيه أن النقابة «تعلم الرأي العام أنه طالما أعوان وإطارات وزارة العدل في اعتصام مفتوح فلن يكون هناك عفو رئاسي على المساجين بمناسبة الذكرى العاشرة للثورة» كما استنكرت فيه «اعتماد بعض الأطراف سياسة التهديد بآلية التسخير والاقتطاع من الأجور» غير أنها لم تسم هذه الأطراف.

وتجدر الإشارة إلى أن طلب تفعيل قاعدة العمل المنجز قد صدر عن الهيئة الوطنية للمحامين فمجلّة المحاسبة العمومية تنصّ في صيغة حصرية على أن لا تصرف النفقات إلاّ لمستحقّيها وتشترط إثبات استحقاقهم لها وإثبات قيامهم بالعمل المطلوب منهم.

وبسبب بيان نقابة أعوان وإطارات العدلية التي تضم في صفوفها أعوان السجون يخشى أن يتعذّر هذه السنة على رئيس الجمهورية إصدار عفو رئاسي وتنفيذه لصالح بعض المساجين بينما يأمل الكثيرون من المواطنين بمناسبة الذّكرى العاشرة للثّورة في أن ينتفع أقرباء لهم سجناء بالعفو الرّئاسي بإسقاط العقاب المحكوم به عليهم فيطلق سراحهم أو بالحطّ من مدّته.

وممّا يعمّق الخشية هو أنّ قيس سعيّد رئيس الجمهورية استقبل يوم 16 ديسمبر الجاري بقصر قرطاج وزير العدل محمد بوستة ولم يتداول معه في موضوع العفو الرئاسي الخاص فقد أفادت صفحة رئاسة الجمهورية أنّهما تداولا حول الوضع العام الذي يشهده مرفق القضاء لاسيّما إضراب القضاة وأكد رئيس الدولة في هذا الإطار على أن القضاء مرفق حيوي ترتبط به حقوق المواطنين والمتقاضين عموما ولا بد أن يعود إلى سيره الطبيعي مع تفهمه للمطالب المشروعة التي يناضل من أجل تحقيقها القضاة وشدّد على ضرورة أن يقوم القضاء بدوره خاصة في محاكمة الفاسدين وكل من يخرق القانون على وجه العموم.

الخشية من تعطل آلية العفو هذه السنة

إن ما جاء في بيان نقابة أعوان وإطارات العدلية المستقلة عن الاتحاد العام التونسي للشغل يتضمّن تهديدا متلبّسا بصفة العمل النقابي وهو اعتداء صارخ على حقوق المساجين وعائلاتهم و لاسيّما على حقوق المساجين الذين لهم امل في إسقاط العقاب المحكوم به عليهم أو الحطّ من مدّته.

من حقنا ومن حق أي تونسي أن يتساءل اذا لم تتوصل هذه النقابة إلى اتفاق مع الحكومة هل ستطلب من منظوريها عدم تنفيذ قرارات العفو الخاص التي قد يصدرها رئيس الجمهورية وتعمل على إبقاء المساجين المنتفعين بالعفو في السجن قسرا بمنعهم من الخروج منه رغم إرادة القانون وبحرمانهم من حقّهم في مغادرته بموجب العفو الرئاسي وبحرمانهم من العودة إلى منازلهم ومن فرحة استرجاع الحرية التي سلبت منهم بالقانون فإذا كانت هذه إرادتها فهي إرادة الاعتداء على حرّية المساجين الذاتية.

وهل أن تحرير البيان في صيغة الجزم هو عزم على محاولة منع لجنة العفو بوزارة العدل من دراسة ملفات المساجين المعنيين بالعفو ومن إبداء رأيها الذي يعتمد عليه وزير العدل في تحرير تقرير يقدّم لرئيس الجمهورية ليمارس بناء عليه حق العفو الخاص.

فإن كان هذا عزمها فهو محاولة اعتداء على حريّة العمل فلئن كان للعامل الحق في دعوة زميله للإضراب فإنّه لا يمكن له استعمال التهديد أو العنف قصد منع غيره من العمل.

ممّا لا شكّ فيه أن رئاسة الجمهورية ووزارة العدل لا يمكن أن يرضخا للعربدة.

ويتّجه التذكير أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد كان بمناسبة الذّكرى التاسعة للثورة والشّباب استقبل ظهر الاثنين 13 جانفي 2020 بقصر قرطاج وزير العدل محمد كريم الجموسي الذي قدّم له تقريرا حول نتائج لجنة العفو الخاص والتي كان أعضاؤها مرافقين له وهم أوّلا وكيل الدولة العام مدير المصالح العدلية وثانيا المدير العام للسجون والإصلاح وثالثا المدعي العام المكلف بالشؤون الجزائية.

وقرّر رئيس الجمهورية تمتيع 2391 محكوما عليهم بالعفو الخاص مما يفضي إلى الإفراج عن 502 منهم ويتمتّع البقية بالحطّ من مدّة العقاب المحكوم به وأفاد موقع رئاسة الجمهورية أن رئيس الجمهورية أكّد على ضرورة إعادة النظر في المقاييس المعتمدة في إسناد العفو الخاص بأن تكون موضوعية تنسحب على الجميع وشدّد على أن المساواة مبدأ مقدّس فلننتظر يوم 13 جانفي 2021 الموعد المنتظر لإعلان رئيس الجمهورية قراره بتمتيع بعض المحكوم عليهم بالعفو الخاص.

والمؤمّل أيضا أن تطبّق الدولة القانون بحزم وباحترام كامل لأحكام الدستور على كل من يتستّر بالعمل النقابي فيدعو إلى إضرابات عامة جهوية غايته منها تحقيق مآرب سياسية وعلى كل من يتستر بحقّ التظاهر فيخرج عن السلمية ويعطّل حرية العمل أو يوقف آلة الإنتاج في جميع مؤسسات الدولة أو يغلق محطّة ضخّ المياه وهو ما يمكن اعتباره إرهابا لا يختلف كثيرا عن الإرهاب المتخفي بالدين.

هل أصبح لكل تونسي فانة Vanne يتحكم في فتحها أو إغلاقها ؟

غريب أمر أحوالنا في تونس هل أصبح للكل فانة vanne بتروله يغلقها متى يشاء لعدّة أشهر وهل أصبح لكل منجمه يغلقه لسنوات ؟

ولان للكل فانة أو منجم فلنقابة أعوان العدلية فانتها أيضا تهدد بإغلاقها وبحرمان المساجين من العفو الرّئاسي الخاص وبحرمان عائلاتهم من فرحة اللقاء بهم خارج السجن.

وهكذا فلن يتمتع الكثير من السجناء هذه السنة بالحرية لان النقابة قررت ذلك ولان مصالح منظوريها أهم من أية مصلحة.

قال أحد القضاة يوم 21 ديسمبر 2020 في تصريح إعلامي أنهم يطالبون بأجر وزير. وفي انتظار تحقق هذا المطلب وهو أمر لا يدري أحد إن كان يأتي أو لا يأتي تظل المحاكم مغلقة والدولة عاجزة عن مواجهة المشكل والمواطنون يتجرعون الأمرين جراء تعطل مصالحهم لما يقارب الشهرين. فمن يعول تلك الأسرة البائسة التي مات عائلها وترك زوجة ربة بيت وأبناء قصرا ؟ وهي الآن تنتظر استخراج حجة الوفاة من محكمة ناحية صارت أشبه بـ “قَرْيَةٍ وهي خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا” لتسوية وضعيتها مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من اجل الحصول في أقرب وقت على منحة الترمل البائسة فلتنتظر تلك الأرملة مثلها مثل المطلقة التي تنتظر النفقة التي لم تأت من طليق متنكر لواجبه. لتصبر تلك الأرملة أو تلك المطلقة في حزن حتى تأتي جراية أو نفقة البؤس التي لا تتجاوز بعض أوراق قليلة من الدنانير تواجه بها العوز وضيق الحال وتآمر الأيّام على مصيرهاّ ومصير أطفالهاّ وليصبر مريض السرطان وهو طالب منفعة اجتماعية قبل رفع دعواه لدى قاضي الضمان الاجتماعي. لينتظر هؤلاء جميعا وقد يطول الانتظار لأنّ الحكم لهم بحقوقهم موقوف على حصول القاضي على أجر وزير.

ويمكن “في بلاد تدبير الرأس” للمطلقة والأرملة أن تتدبرا حالهما بما اتفق أما مريض السرطان فله أن يتضرع إلى الله أن يؤجل مصيره إلى أن تحل عقدة القضاة المضربين.
انتظري سيدتي وانتظر سيدي واصبرا صبر أيّوب إلى أن يتحسن اجر القاضي.. ألم يقل أحدهم انه “يمد يده كل شهر تسولا ليعيش” أما أنتما فأجركما على الله والله لا يضيع اجر الصابرين من اجل استقلال قضاء عنوانه أجر وزير وسمته جواز سفر دبلوماسي ورمزه الأبرز سيارة فارهة مستوردة معفاة من الضرائب أمّا من ليس له صبر أيوب فقد ييأس من مرفق القضاء العمومي… ومن يدري لعلنا في هذه الأوقات الصعبة مقبلون، وقد توقف قانون الدولة، على قانون الغاب؟

شاهد أيضاً

تحليل قانوني: هل أمضت نقابة القضاة مع الحكومة اتفاقا سرّيا مخالفا للدستور والقانون ؟

علي الجوابي  طلب القضاة عدّة امتيازات ولغاية تحقيق طلباتهم ضغطوا على الحكومة بإضراب مفتوح منذ …

بعض أساتذة القانون في تونس والهذيان الدستوري

عبد السلام الككلي – علي الجوابي  ارتفعت هذه الأيام أصوات عديدة من بينها أساتذة قانون دستوري تطلب …

اترك رد