fbpx
الأربعاء , 27 يناير 2021

في الحاجة إلى رجل ولد أمه، “كأنه ذاهب إلى الحرب حقا”، وليس إلى بطل خرافي

كمال الشارني 

أتابع بشغف تطورات قضية النفايات في محكمة سوسة وأبحث عن بطل ينقذنا من هذا الفساد،

مما أذكر من أشهري الدامية في سجن القصرين الوطني أنهم جلبوا في 1988 كهلا موقوفا في حالة بين الموت والحياة واكتشفت أنه بطل حقيقي: ريفي عسكري برتبة أجودان شاف في آخر المهنة، نزع زيه العسكري وتركه في الثكنة محتفظا فقط بالحزام العريض الشهير، ودع زوجته وأبناءه مثلما لو كان ذاهبا إلى الحرب حقا وذهب إلى معتمد المنطقة في مكتبه لأسباب تستحق أن تكون قصة، قال للشاوش الذي يعرفه: “عندنا أمور مهمة سنرتبها”، بعد نصف ساعة ضرب بالحزام العسكري تركه “خضرة”، مما فعل به أنه نتف شلاغمه، “لأنه ليس رجلا”، كما قال لي في أيام إيقافه، خرج حاملا الحزام مباشرة إلى الحرس الوطني الذين انتقموا منه وقتها، كما يمكن أن تتخيلوا. لكنه كان بطلا واقعيا بتسعة أعوام سجنا، وأنا أروي حكايته من باب العدالة حين تغيب العدالة، وليس تحريضا للناس على أخذ حقوقهم بأنفسهم.

أستحضر تراث الشعوب في الأزمات من ظهور شخصية بطل شعبي ينقذ الناس من ظلم الحاكم وحاشيته وينتقم للأرملة واليتيم والمواطن المجهول من فرط الحاجة الإنسانية إلى العدالة، في مصر عندهم علي الزيبق لكن الأجمل على الإطلاق تغنى به الرحابنة بشخصية راجح في مسرحية “أيام فخر الدين” المجيدة، يقول قواد الحكومة في شكواه ضد انتقام راجح منه: “نسينا شيء: نتف شوارب المختار وشي كرسي على راسه، تشليحه الجاكته”، وهي أشياء يحب التونسي أن يقترفها في حق بعض المسؤولين الفاسدين،

في إيطاليا، ظهر لهم أبطال حقيقيون في مقاومة المافيا كانوا قضاة شجعان يتوقعون الموت في كل لحظة، شاهدوا مسلسل “la piovra” رجاء، لو كنت مسؤولا لجعلت مشاهدة كل حلقاته إجبارية للقضاة والمحامين وكل أعوان الدولة، لأن الأبطال الذين لا ينالهم الأذى أبدا لا يوجدون إلا في السينما الأمريكية السيئة، عندهم جيش من المنتقمين للضعفاء “revengers” من سوبرمان إلى باتمان والرجل الحديدي، حيث الحكومة الفيدرالية تفعل ما تشاء فيما ينتشي الناس بالبطولات الخارقة، والحقيقة أننا لسنا بحاجة في أزمتنا إلى أبطال خرافيين، بل إلى “راجل ولد أمه” نظيف حيث ما هو، البطولة هي أن لا تتلوث معهم، أن لا تقبل بالفساد، ما يحدث للآخرين سيحدث لك حتما، لأبنائك وأنت حي، إذ حين لا توجد عدالة إنسانية، تتدخل يد الله لكي تقيم العدالة، وعينيهم حية، أثق في ذلك تماما.

شاهد أيضاً

كرونولوجيا للحافة التي لا تعرفها عن الكارثة

كمال الشارني  على هامش الإيقاعات الخطيرة للمراهقين هذه الأيام، أحب أن أحدثكم عن الآلة غير …

في أخطاء السلطة الفادحة

كمال الشارني  عقلاء يسترجعون بعض المسروق في منوبة، وأعوان الأمن حائرون في أكثر من 40 …

اترك رد