fbpx
الجمعة , 22 يناير 2021

الإستئناف شروطه واستراتيجية تحقيقها

أبو يعرب المرزوقي 

عندما أشير إلى ما أسميه إرهاصات الاستئناف الإسلامي أشير إلى ما أراه قد شرع في التحقق بالفعل في تاريخ المعمورة خلال هذه الحقبة التي ضاقت فيها آفاق الإنسان بسبب ما نتج عن التدمير الشامل الحاصل وليس المتوقع في حالة حصول حرب عالمية فالتلوثان المادي والروحي أخطر من أي حرب مسلحة.

ولو لم تستعص دار الإسلام وحضارته عن كل محاولات أعدائهما ممن يريدون النكوص إلى ما قبله وممن يتصورون أنفسهم قد تجاوزوه من داخله ومن خارجه لكان كلامي على الاستئناف من أوهامي الذاتية وأحوال نفسي. لكن صمود الأمة وهزيمتها للسوفيات والأمريكان في معارك فعلية وليست وهمية دليل قاطع.

وقد تكون هزيمة أمريكا دليلا أقطع من هزيمة السوفيات لأن هذه كانت بمعونة تلك وهذه انضم إليها ما بقي من السوفيات ومن عاد من الماضي في الشرق الأقصى. ومع ذلك فهم كلهم قد فشلوا وما يزال الإسلام يتمدد ويتجدد في كل أصقاع المعمورة بخلاف ما توقع له هيجل في فلسفة التاريخ من خروج منه فأصبح قلبه.

والحصيلة أن نظام العالم الذي هو بصدد التجدد حاليا بات محكوما بمعركة بين رمز الشرق الأقصى (الصين) ورمز الغرب الأقصى (الولايات المتحدة) وكلاهما مضطر إذا كان يريد الصمود أمام عدوه أن يبحث عن حليف أو على الأقل أن يحيد من يمكن أن يكون حليف عدوه. وهو ما يجعل المسلمين مما ليس منه بد للجميع.

فلا يوجد بين القوتين الأعظمين الحاليين أمة لها ما للأمة الإسلامية من شروط القطب المتزن الذي يمكن أن يعيد للإنسانية توازنها ليس في ما بينها بل وكذلك في ما بينها وبين الطبيعة وفي ما بينها وبين التاريخ من شروط البقاء السليم للإنسانية ولشروط قيامها العضوي والروحي المتحررين من عبودية العولمة المادية.

وفي الحقيقة لو كان المسلمون مقصورين على العرب لصدق هيجل. فهؤلاء رغم ما ترونه من بهارج الحضارة المستوردة لم يخرجوا من عصر الجاهلية بعد نكوص لم يغادروه مباشرة بعد سقوط الدولة الأموية فصار كرة تتقاذفها أمواج التاريخ العاتية حتى بلغوا غاية الخيانتين: سايكس بيكو الأولى ثم الثانية الجارية حاليا (=الصفقة الكبرى).

مرة أخرى أراد الله -تثبيتا لمبدأ الحجرات 13- وبيان أن الإسلام ليس دينا عربيا حتى وإن كان لسانه عربيا بل هو دين كوني يمكن لأي شعب انتسب إليه أن يحقق شروط حماية دار الإسلام واستئناف دوره ما يعني أن شعوبا خمسة أخرى تسرع الخطى حاليا لأداء المهمة المقدسة وإعادة الأمة إلى دور الشهادة على العالمين.

وهذه الشعوب هي:

  1. الأتراك بعد العودة إلى الذات ثم
  2. الهنود (بأصنافهم الثلاثة مسلمو جناحي الهند وقلب الهند) ثم
  3. الملاويين (ماليزيا وإندونيسيا) ثم
  4. أهل أفريقيا شمالها وما وراء صحرائها
  5. وأخيرا كل الجاليات المسلمة في بقية العالم. كل هؤلاء سيحققون هذا الاستئناف رغم تحالف حكام العرب وجل نخبهم مع أعدائه بصنفيهم.

وصنفا الأعداء لم يكونوا معلومين حتى وإن كنا نتوقع أن قوتي نظام العالم الماضي لم يكونوا قادرين على ما فعلوه بالأمة لولاهم وأعني ذراعي السوفيات والأمريكان في الإقليم وقبلهم أذرع الاستعمار الأوروبي لما كانت لأوروبا إمبراطوريات قبل الحربين الكبريين: أعني الصفوية والصهيونية اللتين لهما ثأر معه.

وهما أصبحا جليين بعد أن انقسم حكام العرب المستبدين رغم بهرج الحضارة المظهرية إلى فرعين من الثورة المضادة الحالية: فالعملاء من العرب محميات تابعة للذراعين. احدهما تابع للصفوية (التطبيع مع إيران) والثاني تابع الصهيونية (التطبيع مع إسرائيل). ومن ورائهما روسيا وأمريكا مع طمع فرنسا في أداء دور القوة العظمى دون شروطها.

فالذراع الصفوية تريد استرجاع دولة آل ساسان. والذراع الصهيونية تريد استرجاع دولة آل داود. وهما توظفان من يرمز إلى بيزنطة التي أخرجها الإسلام من الإقليم بل وأنهاها وورثة روما الذين هزمهم الإسلام طيلة عشرة قرون ولم يستطيعوا هزيمته إلى اليوم بخلاف ما توهمه هيجل وأثبت التاريخ عكس توقعاته.

لكن حجم المعركة القادمة فوق طاقة الذراعين بل وفوق طوق موظفيهما لأنها تجري بين عملاقين أحدهما بقي من الصراع الماضي (الولايات المتحدة) والثاني عائد من الماضي شديد القدم (الصين). فأقصى الماضي (الصين) واقصى الحاضر (الولايات المتحدة) بينهما الحد الأوسط الذي هو نحن ممثلو ثورة الماضي وثورة المستقبل.

فالقرآن لم يسمنا أمة وسطا عبثا. فنحن وسط تاريخيا ووسط جغرافيا ووسط قيميا ووسط بمعنى أننا مثلنا ولا زلنا نمثل ما حرر الإنسانية من فساد الماضي بالتصديق والهيمنة القرآنية نقدا للتحريف الديني والتزييف التاريخي وسنحررها بالشهادة على العالمين القرآنية. فنحن نجمع بين الاستعمار في الأرض خيرها والإستخلاف أفضله لأن الفصل بينهما تدمير واستعباد للإنسانية.

وهو فوق طاقة أي قوم من أقوام الأمة بمفرده وخاصة في حالة تفتته. لذلك فالمرحلة الأولى الحتمية هي تجاوز التفتت على الأقل في بعض شعوب الأمة واقله في أحدها ليكون ذلك القوم قاطرة توحيد البقية وبداية استعادة الوحدة الأسمى للأمة كلها بنظام مناسب للعصر يأخذ فضائل تاريخ الخلافة ويحررها من نقائصها ورذائل من حرفوها.

وهذه المرحلة الأولى أظنها قد بدأت بمعنيين عند القوم الذين كانوا آخر حصن لوحدة الأمة وأسقطه الأعداء خلال القرون الثلاثة الماضية أعني أتراك الأمة الذين أعادوا للخلافة قدرتها على المحافظة على ذاتها بعد ترديها إلى أرذل العمر (العباسية) لتواصل مقاومة الشرين القادمين من الغرب ومن الشرق وهما عين ما نراه حاليا بعد سقوطها.

وكون تركيا حتى بعد هزيمة الحرب العالمية الأولى تمكنت بفضل ما لديها من دور رمزي وبجيش الخلافة الجامع لكل شعوب الأمة تحقيق النصر الذي أبقى عليها نواة قادرة على ما نراه حاليا بعد أن استعادت ذاتها وطموحها وخاصة سعيها الحالي سلبا بمنع بقاء آثار سايكس بيكو وإيجابا بتحقيق الشرط الأول.

معركة تركيا حاليا ذات بعدين: فهي سلبا منع بقاء خارطة سايكس بيكو الأولى وما آلت إليه منه تحجيم لدورها في الإقليم بره وبحره وثقافته وشرط قوته وهي إيجابا تقاوم سايكس بيكو الثانية الجارية حاليا وتسعى لاستعادة وحدة الأتراك في كل أصقاع المعمورة وخاصة في ما حول قزوين وفي ما حولها من البلقان والهلال العربي الذي استعمل لفصلها عن المركز الروحي.

وما يحيرني حقا هو ما حل بالشعب الذي انطلقت منه ثورة الإسلام -حكام العرب وجل نخبهم- ثم ما حل بالشعبين اللذين كان لهما دور لا يقل أهمية عن دور العرب بداية ودور الأتراك غاية واعني الكرد والأمازيغ بينهما خلال التصدي للهجومين على الأمة من الشرق ومن الغرب فكانت لهم صولات وجولات هي سر وجودهم في التاريخ. وليس لهما -مثلهم مثل العرب والأتراك- ما يذكرون به في تاريخ الإنسانية غيره.

لا أفهم حمق النخب العربية التي تبحث عن ماض متقدم على دورهم قبله رغم أنهم لم يكن لهم فيه ذكر لأن جناحي الجزيرة كانا مستعمرين من فارس وبيزنطة وبعضها الذي نزل فيه القرآن كان على هامش التاريخ ولن يستطيع أي “كذاب” من الأحاثيين والمفتشين في أعماق الرمال أن يكتشفوا إلا حماقات الثورة المضادة وسرقاتها لتراث غيرها لتكوين متاحف في محميات عمرها نصف قرن.

ولست أدري ما الذي يمكن أن يجنبه الأمازيغي الذي يريد أن يلغي تاريخ قومه الجليل طيلة قرون الإسلام لأن كل الدول والإمبراطوريات في المغرب الكبير هي من أفعال أجدادهم. وقبلها لم يكون إلا عبيد روما وبعدها لم يصبحوا إلا عبيد فرنسا. فهل وصل بهم الحمق إلى الحنين للعبودية الأولى بإيحاء من الثانية التي تحرر أوروبا بالتوحيد وتستبعد الأمازيغ بالتفتيت؟

ثم كيف يمكن للنخب الكردية أن تريد الانفصال عن العرب والترك لتكون دويلة لن تكون إلا قاعدة صهيونية وصفوية ويكونوا هم عبيدا لأفسد خلق الله أعني لعابدي دين العجل إما بعنوان الثيوقراطيا أو بعنوان الانثروبوقراطيا وفي حين أنهم بين العرب والأتراك كانوا يمثلون الريادة والقيادة في كل التاريخ الإسلامي؟

ولنختم هذه السلسلة بمحاولة فهم دلالة كلام الملالي الذي يبدو متناقضا عن رفض مشاركة أهل الإقليم في مسألة الاتفاقية النووية والزعم بانهم لا يرون مانعا في التفاوض معهم بخصوص حل مشاكل الإقليم؟ وطبعا هم لا يستثنون العرب فحسب بل أهل الإقليم ويحاورون إسرائيل بتوسط ممثليها أعني الـخمسة زايد واحد.

وابدأ بما يوهمون به السذج بأنه تنازل منهك حول مشاكل الإقليم. وهم في الحقيقة يضمرون أنهم أصحاب القول الفصل فيها وينبغي التعامل معهم بوصفهم يظنون أنفسهم ممثلين لقوة عظمى وعلى البقية القبول بحكمهم فيها لأنهم هم سببها الرئيس لما كان العرب يغطون في النوم؟ فكل الحروب الجارية في الإقليم من الهلال إلى اليمن وما ورائهما في كل أقطار دار الإسلام محركوها بسبب غفلة العرب حكاما ونخبا.

موقفي من الصفوية

وهذه مناسبة للتذكير بموقفي من الصفوية. فهي عندي اخطر من الصهيونية لعلتين. الأولى هي أن إسرائيل مهما طبع معها العملاء ستبقى أجنبية في الإقليم ولن ينخدع الشعب بها. والثانية إسرائيل تحتل الأرض ولا تستطيع احتلال الروح لأن المسلمين مطعمين ضد التهويد إذا ما استثنينا قلة من العملاء بين الحكام والنخب.

لكن إيران بخدعة الإسلام الذي تدعيه في الظاهر وهي كافرة به في الباطن -وذلك هو معنى التقية- تريد احتلال الأرض وتغيير الروح وإذا لزم الأمر وعجزت عنهما فإنها تنتج حربا ومليشيات هدفها التغيير الديموغرافي والقضاء على السنة التي إنما ابتدعها المجوس للانتقام من العرب بتخريب الإسلام من الداخل لذلك فما من عربي تشيع إلا وقد أثبت حمقه. فمثلا اليوم العراق الذي هو أغنى بلاد العرب صار أفقر حتى من اليمن واصبح صناديده أذل من العبيد إذ يغسلون ارجل الأجلاف من الصفويين بدعوى زيارة المراقد لأنهم يعبدون الأوثان والجثث التي هي من ضحاياهم بعد أن غرروا بهم في حرب أهلية عربية عربية من الفتنة الكبرى إلى اليوم.

أما مفاوضات الملف الذري فهم لا يستثنون العرب بالقصد الأول بل للتهدئة واستغفالا للحمى من قياداتهم ونخبهم وربح الوقت إذ هم لا يحسبون لهم حسابا ولا أحد في الحقيقة يعير حسابا للعرب بعد أن صارت كل قبيلة تدعي أنها دولة وهي أقل من بلدية حتى في تونس وأكبرها مجرد لفيف من قبائل الحكم نفسها يحول دون وحدتها بمنطق فرق تسد.

من تستثنيه في الإقليم هو من يخيفها وهما تركيا وباكستان. ذلك أنها تعد السلاح النووي لهما وليس لإسرائيل. فهي تعلم أن سلاحها سيكون دائما متخلفا بالقياس إلى سلاح إسرائيل حتى لو كانت وحدها ناهيك وهي معها كل الغرب. مشكلها هو امتلاك السنة للقوة التي لن تسمح بتكرار ما قامت به في القرن السادس عشر لما شيعت بالحديد والنار أذربيجان وما يسمى اليوم إيران.

أعلم أن كلامي هذا لا يعجب الكثير من أدعياء المصالحة والتوحيد بين المذاهب. لكن التشيع ليس مذهبا بل هو تحريف لدين الإسلام إذ جعله لأنه دين زائف يجمع بين نظرية الشعب المختار ونظرية الأسرة المختارة ويؤمن بالعنصرية وكل ذلك مناف للإسلام (النساء 1 والحجرات 13).

أعلم أن أول من سيتهمني بالطائفية هم مصدر الطائفية. فأكثر الناس اتهاما لغيرهم بالطائفية هم أصلها تماما كتهمة الإرهاب: فغباء القاعدة أنها ليست إلا يد تنفيذ أوامر ملالية لتشويه السنة وخدمة الشيعة. فأول فعل إرهابي في الإسلام كان اغتيال الفاروق وصاحبه مجوسي وهو مؤسس الباطنية معبود دولة الصفوية الفرحة باحتلال أربع عواصم عربية.

لا يمكن لسني مثلي أن يكون طائفيا. فالإسلام في ثلاث آيات شهيرة (البقرة 62 والمائدة 69 وحتى الحج 17) لا يعتبر تعدد الأديان -حتى المحرف منها- أمرا قابلا للحسم في عالم الشهادة بل هو يؤجله إلى يوم الدين وهو يعتبره أمرا واقعا وشرطا في تبين الرشد من الغي بمنطق التسابق في الخيرات. لا طائفية في الإسلام.

الطائفية والإرهاب كلاهما سلاح باطني يهدف إلى الانتقام من العرب الذين حرروا الإنسانية من عبادة العباد بعبادة رب العباد. ويكفي قراءة آل عمران حتى نفهم أن ذلك ليس شعار الفتح فحسب بل هو أساس نقد تحريف الدين وخاصة خرافة تأليه المسيح عليه السلام (آل عمرا 79) وما ترتب عليه من وساطة.

شاهد أيضاً

تحية للثورة عرفان بدَيْن لشباب الثورة

أبو يعرب المرزوقي  أحيانا أسأل نفسي: ما الذي أدين به للثورة التي بدأت منذ عقد …

الانقلاب وسيناريو إفشاله المرجح

أبو يعرب المرزوقي  الانقلاب: ما أقدمه ليس معلومات. لكنه ليس رجما بالغيب. إنما هو تحليل باعتماد …

اترك رد