fbpx
الجمعة , 22 يناير 2021

في الذكرى العاشرة لثورتنا: الثورة بين كرم التاريخ وعبث السياسة وغمَوض القادم (1-2)

نور الدين الختروشي

هل كانت انتفاضة أم ثورة ؟

لعله من أكثر الأسئلة التي تداولت عليها المقاربات والتحاليل لـ”حدث” 14 جانفي 2011 بتونس، ويمكن أن نجازف بالقول أن محصلة هذا السجال المتواصل إلى اليوم تكثفت عند هشاشة القول أن ما وقع هو أكثر من انتفاضة وأقل من ثورة.
فحجم الزلزال الذي أحدثه هروب الرئيس المخلوع، وسرعة تموج الحالة التونسية على محيطها العربي، وعمق التغيير في قواعد وآليات تحكم الدولة في مجالها المدني، كانت ومازالت اهم مستندات المقاربة المنتصرة لمقولة الثورة. وفي المقابل تبدو عفوية الحدث وغياب عناصر أمثولة الثورة و”نماذجها” (الطليعة، والبديل، والعنف)، شجع على البحث على استراتيجيات تسمية مغايرة لعنوان الثورة لتنتهي عند حد الانتفاضة.

من المهم أن نشير هنا دون أن نتوقف إلى أن هذا الاختلاف في قراءة ما وقع يوم 14 جانفي 2011 بتونس، أحال بعديا على موقف سياسي وتموقع تاريخي في مربع الصراع بين النخب الطامحة لزمن سياسي عربي مفتوح على الديمقراطية والانتهاء والقطيعة مع محنة دولة الاستبداد، ونقيضهم السياسي والتاريخي لنخب أصرت على التشكيك في أهلية الحالة العربية للدخول إلى زمن دولة العقد، بالتركيز على أن تغيير أنظمة القمع العاري هو حاجة دولية استعمارية جديدة لإعادة إنتاج آليات تحكمها في مصيرنا العام وليست مطمحا ولا حاجة داخلية.

مستندات المستبشرين بزمن الثورات او الربيع العربي والمتشائمين منه معروفة، وليست موضوع تحليلنا، فقط أشدد في هذا المدخل على قناعتي أن هذا الانقسام الحدي في استراتيجيات التسمية التي سلكها الفريقان، تعكس بالنهاية موقفا تاريخيا من عنوان الديمقراطية، وانقساما حديا عموديا في مجتمع النخبة بين المتحمسين للقول بأنها أصبحت بالنسبة للعرب ضرورة تاريخية، وبين المتمسكين بدولة الاستبداد على اعتبارها “أدنى الوجود السياسي” الذي يجب الحفاظ عليه عربيا فسقوطها يعني ضياع ذلك الوجود في حروب ما قبل الدولة.

لعبة التسمية بالنهاية ليست سوى ترميزا لاستراتيجية سلطة ممكنة في الواقع، بين حد طارد نحو نمط الدولة الشمولية، وحدّ جاذب نحو دولة التعاقد.

يصر السؤال على مطاردتنا، فهل ما نشهده اليوم في المجال العربي هو زمن الثورات الشعبية لخلع أبواب الحداثة السياسية التي كانت دونها أنظمة القمع العاري؟ أم هي انتفاضات مبرمجة ومعدلة على استراتيجيات الهيمنة الخارجية لتأبيد حالة التخلف والتبعية عربيا؟؟

دون التركيز على مسألة الخصوصية سنبتعد عن التعميم الكسول في قراءة محصول ما بعد هروب حاكم قرطاج عربيا، ونكتفي بتركيز التحليل على الثورة التونسية ليس لأنها كانت الملهم لبقية الثورات وهذا صحيح، وليس لأنها أثبتت قدرة على الاقتصاد في كلفة الثورة وهذا ملموس، وليس لأنها حافظت على طابعها السلمي وهذا امتياز، وليس لأنها نجحت في تغيير أسس الاجتماع السياسي الوطني دون التضحية بوجود “الدولة” وهذا استثناء، ولكن ببساطة لقناعتنا المنهجية الراسخة، أن المقارنة التي أسس عليها دوركهايم مقدمته المنهجية للعلوم الاجتماعية، هي نفسها منبعا خالدا للوهم بتعبير دولوز، ولم يقصِّر منهج المقارنة وآلياته معنا، فقد أمطرنا بسقوط موضوعي -وبالنهاية أخلاقوي- مفزع في الخلط والتلبيس، وتناسل الأحكام الحدية والسطحية البائسة لدى جيش المتكلمين في الراهن العربي.

السرعة المستعجلة في القفز على معطى الخصوصية الوطنية، واستتباعها السلبي على ملموسية القراءة وموضوعية التحليل، قد تكون مفهومة لدى الفاعلين السياسيين ورموزهم الفكرية والثقافية، وذلك بحسبان ثقافتهم السياسية وميراثهم الأيديولوجي، الذي أدان تاريخيا ولادة الدولة الوطنية على أنها سليلة المعطى الاستعماري، وان الأصل هي الدولة القومية أو الأممية أو الإسلامية “الكبرى”، أما سقوط جيش الخبراء والاكاديميين المتناسلين من مراكز البحث المختصة في هذا التعميم الذي يكاد يكون “متآمرا معرفيا” يثير غرابة مشمئزة، فكأننا أمام استراتيجيات تسطيح وتعويم للمعنى. وكأن فوضى القراءة ليست سوى مسار “عقلنة مقلوبة” لتعميق فوضى الحالة العربية في لحظتها العبثية المجنونة التي أعقبت ما سمي بالربيع العربي.

يقلق هذا القفز على الخاص والخصوصي، يقلق حد الميل لاتهامه بأنه وبالنهاية ليس سوى تعضيد أيديولوجي لاستراتيجيات اغتيال حلم العرب في الدخول إلى زمن الحداثة السياسية.

الاستثناء التونسي ورغم نجاحه التاريخي إلى حد الساعة واليوم في القفز على لغم الانحراف من الثورة إلى الفوضى فان اكثر من معطى ومؤشر يحيل على أن تونس مازالت في مرمى فوضى استراتيجيات التسمية التي تنتجها مراكز البحث المختصة في تحليل ما سمي بالربيع العربي وكأنها تخاتل لاختراقنا بقناعة مفزعة جوهرها الترهيب بنهاية مطابقة للحالة العربية.

التوافق أو الاختراع التونسي الطريف قد لا نسلم له بنجاحه في تحسين الموجود الاجتماعي في مرحلة بينية هائجة ومتموجة، ولكن يصعب أن لا نسلم له بنجاحه إلى حد اللحظة في إدارة المرحلة على أرضية المنجز الثوري أي على أرضية القطيعة مع نصاب الاستبداد وآليات تحكمه التاريخي في المصير العام وهذا تحديدا هو الامتحان الذي فشلت فيه بقية بلدان الربيع العربي.

لقد كان التحدي أمام النخب الجديدة والقديمة المؤمنة كل الإيمان أو نصفه أو بعضه بالزمن السياسي الوطني الجديد، كان أمامها تحدي المحافظة على الدولة كحاضنة لاجتماعنا الوطني من ناحية، وإدماجها بعد تجديد عقدها في مسار بناء تونس ما بعد الثورة دون السقوط في محضور الوظيفة الثورية المباشر للدولة.

كل الاستثناء التونسي يقرأ عند كاتب السطور في القدرة المذهلة للنخب التونسية في عدم السقوط في استسهال استنساخ نمط “الدولة الثورية”.

الدولة الثورية يحتفظ لها التاريخ السياسي الحديث بذاكرة رعب مخيفة، جوهرها تأميم الحقيقة الثورية نفسها واستبدال أنصبة القمع والطغيان القديمة بأنصبة أكثر عنفا ودموية لاحتكار الوصاية على مصير الشعوب.

تجنبت ثورتنا بأناقة تسرب الانقسام الحاد في المجتمع المدني إلى أجهزة الدولة، وحيدت مكونات الدولة من الاصطفاف السياسي على قاعدة مع أو ضد الثورة، فجددت عقدها التأسيسي الدستوري دون المس بتوازناتها، فكان حجم الخاسرين من تغيير آليات التحكم في المجال العام من نمط الرقابة والعنف إلى نمط الرقابة والقانون قليلا داخل أجهزة الدولة، وغير مؤثر في مآلات الحالة إلى حد الساعة واليوم. وربما هذا ما يفسر فشل اكثر من محاولة لتجيير أجهزة الدولة خاصة عند تصاعد منسوب الصراع بين القديم والجديد وتحركه في أواخر العهدة التأسيسية على تخوم التحارب الأهلي ربما سهلت الثقافة السياسية الإصلاحية لدى النخب التي رشحتها الثورة لإدارة المرحلة المابعد ثورية تجنبها السقوط في فخ استعمال أدوات الدولة وشرعيتها في احتكار العنف، حسما للصراع مع القديم، والمناورة على وهم ولادة “الدولة الثورية”.

فالاستثناء التونسي هو في العمق اختراق تاريخي للنماذج الثورية التي سقطت كلها تقريبا في فخ تفسيخ الدولة بعد إسقاط الأنظمة، تفسيخها بتدمير وجودها أو باستعمالها الوظيفي كأداة ثورية لحسم المعركة مع القديم. في الحالتين تفقد الدولة شرعية وجودها كحاضنة للاجتماع السياسي.

التوافق في تونس من زاوية مقاربتنا هنا، يبتعد كثيرا عن منطقة المناورة السياسية المباشرة على ممكن التحارب الأهلي، ليندرج تحت عنوان استراتيجي مداره القدرة التاريخية للتونسيين في اجتراح استراتيجيات مغايرة للسائد العربي الذي سقط في فخ تفسيخ الدولة بتوريطها في حسم الصراع لصالح القديم، والعودة إلى نقطة “صفر ثورة” كما هي الحالة المصرية، وتدميرها بالعودة إلى “صفر دولة” كماهي حالة بقية بلدان الثورات العربية.

بل قد لا يذهب بنا التأويل بعيدا عن الحقيقة اذا أكدنا على فكرة قدرة الذكاء التونسي على تجاوز أهم وأخطر محضور واكب كل الثورات في عالمنا الحديث وهو اطمئنان الطلائع الثورية إلى مسار تأميم الدولة واستعمالها الأداتي في تصفية القديم. فكم من ثورة لم تفعل بالنهاية سوى إعادة إنتاج آليات الهيمنة على المجال العام بتجديد استراتيجيات التسمية والسقوط في دورة متجددة من القمع استفرغت بالنهاية والمآل شعارات الثورة وسردياتها الجميلة، بأبشع أشكال الغدر بحلم شعوبها في التحرر السياسي والاجتماعي.

الثورة في تونس تجنبت ولادة الدولة الثورية ذلك الغول الذي أكل الثورات واستفرغها من كل محاملها القيمية والتاريخية في المجال الأممي والثورة في تونس تجنبت محضور استتباع سقوط الأنظمة بانهيار الدول في المجال العربي.

كثيرون استكثروا على تونس جائزة نوبل للسلام ولم ينتبهوا إلى حجم المنجز التاريخي بل التدشيني الذي واكب الحالة التونسية بنجاح نخبها في تحييد الدولة في حسم الصراع حول تونس ما بعد الثورة.

مازالت كل استراتيجيات تلغيم الحالة التونسية تراهن على ممكن توريط الدولة لحسم الصراع لصالح القوى الخاسرة من الزمن السياسي الديمقراطي، ومازالت الغرف المظلمة في الداخل والخارج “طامعة” في تفعيل أجندة توظيف الدولة في حسم الانقسام العمودي في مجتمع النخبة لصالح الخاسرين من الثورة.

ومازال المطلوب التاريخي من التوافق هو جوهر الرهان التونسي للقفز على ألغام المآلات العربية التي غامرت بالسير على هدى شعار “الشعب يريد”، فأضاعت البوصلة وتشردت في نفق التحارب الأهلي.

التوافق الذي يبدو هشا اذا ما قاربناه بحقيقته السياسية، يبدو عميقا واستراتيجيا وحيويا في قدرته الوظيفية الفائقة على الحفاظ على الحالة التونسية في دائرة الإنجاز التاريخي المتمثل في تحييد الدولة، وعدم الاستجابة “لإغراء وغواية” مسار تثويرها عند لحظة الألق الثوري بعد سقوط النظام، وتجنب أو فشل استعمالها للانقلاب على المسار لحظة وصول الانقسام الحدي في مجتمع النخبة إلى أقاصيه ذات يوم من العهدة التأسيسية.

اليوم والان وهنا وفي الذكرى العاشرة نقف على مخاوف جدية بشطب هذا المنجز لماذا؟ وكيف؟ والى أين؟ في الجزء الثاني…

(يتبع)

جريدة الرأي العام

شاهد أيضاً

عياض بن عاشور يخرج عن صمته

صالح التيزاوي  تزامنا مع الذّكرى العاشرة لاندلاع الثّورة، صرّح أستاذ القانون الدّستوري عياض بن عاشور، …

ماذا بقي من الثورة التونسية؟

عادل بن عبد الله  رغم حرص الخطاب الرسمي على تبرير الإجراءات الوقائية الاستثنائية الأخيرة بأسباب …

اترك رد