الجمعة , 27 نوفمبر 2020

ماذا وراء استهدافهم لفرع الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين بتونس ؟

فتحي الشوك 

رفضت المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة الدّعوى الاستعجالية الّتي تقدّم بها “الحزب الحرّ الدّستوري” ورئيسته عبير موسي، ضدّ فرع الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين، لإيقاف نشاط ندواته ومؤتمراته داخل البلاد، وهي الدّعوى القضائية الثّانية الّتي ترفض بعد أولى تقدّم بها نفس الحزب سنة 2018.
وعوض احترام الحكم القضائي واتّباع السّبل القانونية والالتجاء إلى الإستئناف خيّر رافعو الدّعوى الاعتماد على الشّارع وممارسة البلطجة والإرهاب لوضع حدّ لنشاط من يتّهمونهم زيفا بالإرهاب.
فماذا وراء هذه الهيستيريا والرّغبة المستميتة لإيقاف نشاط فرع الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين بتونس وهل سينجحون في ذلك؟

إشهار مجاني:

الكثير من التّونسيين لم يكونوا ليعرفوا شيئا عن الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين لولا الضّجة الّتي إثارتها حوافر هؤلاء الموتورين، والكثيرون اقتنعوا بأنّ له دورا إيجابيا فاعلا ومؤثّرا بما أنّه استثار حساسية من لا يريدون لأيّة مؤسّسة ذات صفة إسلامية بلعب أيّ دور كان.

الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين مؤسّسة إسلامية مستقلّة خاصّة تأسّست سنة 2004، لها شخصيتها القانونية والاعتبارية وذمّة مالية مستقلّة، تجمع علماء المسلمين من مختلف بلدان العالم وعضويتها مفتوحة أمام العلماء الّذين تخرّجوا من جامعات الشّريعة والحاصلين على شهادات عليا في الدّراسات الإسلامية من مختلف الجامعات ذات الصّلة وكلّ من له عناية بعلوم الشّريعة والثّقافة الإسلامية وله فيها إنتاج معتبر أو نشاط ملموس.

رؤية الاتّحاد هي علمائية شرعية عالمية مستقلّة ومهمّته ترشيد قضايا الأمّة الإسلامية ورسالته توحيد جهود العلماء لأجل تبليغ رسالة الإسلام بمنهجية وسطية واعتدال والتعريف بالقضايا الإسلامية العادلة.

ترأّس الاتّحاد الدّكتور أحمد الرّسيوني في 7 نوفمبر 2018 خلفا للعلّامة الدّكتور يوسف القرضاوي ويضمّ مجلس الأمناء ثلّة من خيرة الدكاترة والأكاديميين في العالم الإسلامي.

يضمّ الاتّحاد أكثر من 90 ألف عضو منهم السنّة والشّيعة والإباضية، مقرّه الرّئيسي في قطر وله فروع في مختلف بلدان العالم بما فيها تونس الّذي ابتدأ نشاطه بعد تأشيرة نشرت في الرّائد الرّسمي التونسي بتاريخ 22 أفريل 2012.

فرع الاتّحاد في تونس يعمل بترخيص من الدّولة التونسية ووفق قوانينها وتحت رقابتها كأيّة منظّمة أخرى وكانت له دورات تكوينية في العلوم الإسلامية أثثها خيرة الدّكاترة والأكاديميين في تونس، ويترأّس الفرع الدّكتور عبد المجيد النجّار الأستاذ السّابق بجامعة الزّيتونة وبجامعات الجزائر والإمارات وقطر والمغرب وهو يشغل أيضا خطّة أمين عام مساعد بالاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين كما أنّه عضو بالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.

يعبّر الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين عن توجّه عصري ومقاربة مجدّدة في معالجة شؤون المسلمين وقد وسّع مجال اهتماماته لتشمل مجالات المالية والاقتصاد وعلم الاجتماع سعيا منه لأن يكون الرّأي الشّرعي أقرب ما يمكن إلى مقاصد الشريعة لتنزيل الأحكام وتنسيبها حسب متغيّر المكان والزمان.

ولعلّ تبنّي الاتّحاد لهموم الأمّة وقضاياها وانفتاحه على كلّ مكوّناتها مع الوقوف المبدئي إلى جانب الشّعوب في تطلّعها للحرّية والكرامة هو ما جعله مستهدفا ومرمى لسهام أعداء الحرّية وقوى الاستبداد، ليصنّف تنظيما إرهابيا في 22 نوفمبر2017 من قبل السّعودية والإمارات ومصر والبحرين لدواع سياسية وعقابا له على مواقفه.

تصنيف من قبل من يمارسون الإرهاب وينتهجون القمع والاستبداد لإقصاء خصومهم وتدجين شعوبهم، إذ صارت تهمة الإرهاب جاهزة لوصم كلّ من يخالفهم الرّأي، وهو ما لم يكن له أثر يذكر في الحدّ من نشاط الاتّحاد بل زاده زخما، وهو المنتظر من الحملة العشواء الّتي أعلنها عليه هذه الأيّام أذيال منظومة الاستبداد العربي وسليلتها في تونس بغية إطفاء شعلته، في حملة إشهار مجانية لن تزيده إلّا ثباتا، توهّجا وتمدّدا.

اسلاموفوبيا محلّية:

تتّهم عبير موسي سليلة منظومة الاستبداد ورأس حربة الثّورة المضادّة في تونس فرع الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين بتونس بأنّه تنظيم إخواني ينتهك مدنيّة الدّولة ودستورها ونظامها الجمهوري، وفي ممارسة لسكيزوفرينية مقيتة تخرق قوانين الدّولة وتستهين بمؤسّساتها ودستورها لترمي عرض الحائط بحكم محكمة قابل للإستئناف فتلتجأ لسلوكيات البلطجة والعصابات وتمارس العنف والإرهاب ضدّ من تتّهمهم زورا بالإرهاب.

بضع عشرات من الموتورين المأجورين اعتصموا أمام مقرّ الفرع بشارع خير الدّين باشا لغاية عرقلة نشاطه وفرض أمر واقع بإغلاقه أمام تهاون السّلطات في تطبيق القانون لزجر وكبح سلوكيّات فاشيّة تستقوي على الدّولة بتواطئ من الدّاخل وإسناد من الخارج ممّا يهدّد السّلم الأهلي ويجعل التجربة التّونسية النّاشئة والمتعثّرة أصلا في مهبّ الرّيح.

تحرص موسي الّتي تتشدّق بوطنيّتها وبمرجعيّتها التونسية على تطبيق قانون لم يصدر في وطنها وهي تجتهد في ذلك إرضاء لمشغّليها ومموّليها وتستمرّ في دورها الوظيفي التخريبي للتّجربة التونسية مستغلّة مناخ الحرّيات الّتي لا تؤمن بها ومستعملة لآليات الدّيمقراطية الّتي تكفر بها، وما جعلها تنجح في مسعاها هو تشتّت المحسوبين على الثّورة وحساباتهم الضيّقة وصراعاتهم الإيديولوجية إذ يرى بعضهم في تصرّفات الفاشية الفجّة وعربدتها تعبيرا عن مكنون يبطنه أو يخجل من ممارسته صراحة وجد في موسي ضالّته لإقصاء خصمه السّياسي متناسيا حكاية الثّور الأبيض.

يكفي في تونس المحوّل وجهتها منذ عقود، أن يكون المسمّى “إسلامي” حتّى تستثار حساسية البعض وتقرع طبول الحرب وتبرز أعراض اسلاموفوبيا محلّية أشدّ وأمرّ من الإسلاموفوبيا حيث نشأتها إذ دوما ما تكون التفريخات السّرطانية أشرس وأشدّ ضررا من الورم الأمّ.

فكيف إن اقترن الإسلامي بالاتّحاد العالمي هذه التّسمية المخيفة الّتي تحيل إلى مفهوم وحدة الأمّة ومشروعها الكوسموبوليتي؟

وكيف إذا أضفنا إلى ذلك لفظ العلماء المسلمين بكلّ ما تعنيه الكلمة وهم لا يحتاجون إلى علماء حقيقيين بقدر احتياجهم لمتعالمين ومتفيقهين ودجّالين يزيّفون الوعي ويكتفون بفتاوى نقض الوضوء وجواز مسح الجوارب وآداب النّكاح ورصد هلال رمضان وخصوصا تحريم الخروج على وليّ الأمر حتّى وإن زنا على المباشر أو سلب الأرض وهتك العرض أو فقأ العيون ؟

أليست خلطة عجيبة تفسّر استنفارهم واصطفافهم أمام خطر داهم ينذر بصحوة الأمّة؟

كيف تريدون لمجهود عقود من التغريب والتهميش والصّدام مع معطيات التّاريخ والجغرافيا وسياسات تجفيف المنابع والتّفقير المادّي والرّوحي أن تذهب سدى في لمح البصر؟

ألم تنتج لنا تلك السّياسات المخرّبة والمدمّرة للإنسان مسوخا بشرية هجينة ومضطربة سهلة الاستقطاب والتّوجيه ممّا جعل تونس مدجنة لتفريخ أعتى الإرهابيين وأشدّهم بطشا بشهادة الجميع؟

وللمصادفة أنّ فرعا بهذا الاسم المستفزّ لمرضى الأيديولوجيا والمصابين بالاسلاموفوبيا يتّخذ له مقرّا بعنوان أكثر استفزازا: شارع خير الدّين باشا ذاك الإصلاحي المجدّد الملقّب بأبي النّهضة التّونسية، وهو من ساهم في إصدار قانون الأمان وتولّى رئاسة المجلس الكبير الّذي أخرج أوّل دستور في تونس وفي العالم العربي والإسلامي سنة 1861، وقد سعى لإصلاح التعليم الزيتوني وهو صاحب كتاب “أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك” (1867 سنة) والّذي بلور فيه رؤيته لمشروع إصلاحي شامل ومتكامل للنّهوض بالعالم العربي والإسلامي وتهيئته لاسترجاع دوره الحضاري ولدخوله الحداثة دون التخلّي عن مقوّماته الذّاتية وهويّته وعقيدته.

ولأجل هذا وبناء عليه فمطلوب من كلّ غيور على قيم ثورة الحرّية والكرامة وغيور على هويّته بأن يساند فرع الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين بتونس بأيّ طريقة يراها مناسبة وعلى الدّولة أن تتحرّك لفرض القانون كما فعلت ذلك عند فكّها الاعتصام أمام مصنع التّبغ بالقيروان أو منعها للبعض من إقامة صلوات الجمعة، لكي لا يقع الاحتكام إلى الشّارع الّذي نعرفه ويعرفنا.
“يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ” (التّوبة) (32)

د.محمّد فتحي الشوك

استضعاف الدولة إلى أين ؟

شاهد أيضاً

استضعاف الدولة إلى أين ؟

سامي براهم  تدوينتي مجدّدا عن الفرع التّونسي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وما يحدث أمام مقرّه …

اللّهمّ نيزكنا !

فتحي الشوك  لا تيأس ولا تجعل الإحباط يسقطك ويتمكّن منك حتّى وإن كنت خمسينيا مربّعا …

اترك رد