الأربعاء , 25 نوفمبر 2020

ولد الحرس

حسن الصغير 

لم أنم تلك الليلة وبت أكابد السهاد حتى ساعات الفجر الأولى خوفا مما قد يأتي به الغد.

ففي المساء كنا نحن التلاميذ المقيمين وككل يوم أحد نلعب الكرة أمام المعهد وصادف أن قدت هجوما معاكسا وفريقي منهزم وانفردت بالحارس لكن كرتي مرت بجانب المرمى بسنتميترات قليلة فانفعل أحد الأطفال لضياع فرصة التعديل ووصفني بالحمار فغاضني ذلك كثيرا وصفعته حتى وقع على الأرض ثم اشتبكنا قبل أن يفرق بيننا الأولاد وكان يمكن أن تنتهي المشكلة هنا لولا أن قال لي أحد التلاميذ محذرا “عليك أن تخاف على نفسك فوالد الطفل الذي ضربته ضابط في الحرس الوطني’ وهو لن يسكت على الإهانة وسيشكوك لوالده.

ولا أخفيكم أني خفت خوفا شديدا من الورطة التي وضعت نفسي فيها وبت ألوم نفسي على تهوري، فقد كان علي أن أتمالك نفسي ولا أرد الفعل واستغربت كيف لم اتفطن لأهمية ذلك الطفل من خلال لباسه وخاصة حذاءه الرياضي الذي يعكس بوضوح مستواه الاجتماعي المرموق لكن لعن الله الغفلة.

وفي تلك الفترة وأنا الصبي ابن الثانية عشرة كنت رأيت الحرس مرات قليلة خاصة يوم الجمعة في السوق الأسبوعية بالقرية عندما يتجولون في السوق والجميع يحييهم برهبة واحترام قبل أن توضع لهم كراسي أمام دكان سي عمار حيث يجلس وجهاء القرية، وقد كان حضورهم مرتبطا دوما بالخصومات حول الأرض وبين الجيران أو العنف المتبادل ورأيتهم مرة يكبلون رجلا ويضعونه في سيارة اللاند روفر الخضراء الزيتونية وهو مستسلم لمصيره.

وحين صعدنا بعد العشاء إلى المراقد كان الخبر قد سرى في المبيت سريان النار في الهشيم “حسن ضرب ولد الحرس.. حسن ضرب ولد الحرس” وكل من يسمع القصة ترتسم على وجهه علامات الشفقة والفضول ما يزيدني رهبة وخوفا من الويل والثبور وعظائم الأمور.

وفي لحظة ضعف فكرت في الذهاب إلى ولد الحرس لأعتذر منه لكني خشيت أن يرفض وزاد من معاناتي أن كل الروايات المتناقلة أغفلت أهم جزئية وهي شتمه إياي ووصفي بالحمار إذ يبدو أن لا أحد يهتم بها ولست أدري إن كان ذلك بسبب أهمية الخصم الاجتماعية مقارنة بي أم لأن ردة الفعل كان مبالغا فيها وعلى أية حال كان ذلك يشعرني بالمرارة والغبن مرارة الظلم وغبن اللامبالاة.

وفي محاولة للاستعداد للمحاكمة غدا طلبت ممن حضر الخصومة أن يشهدوا معي لكن أغلبهم رفض التورط باستثناء اثنين أو ثلاثة عبروا عن استعدادهم للشهادة ربما مروءة وربما انتقاما من ولد الحرس لسابق خصومة بينهم.

ومن الغد أفقت باكرا فقد كان ليلي جهادا ونومي سهادا ولا أدري كيف مرت الحصص الصباحية وبمجرد انتهاء الدروس وفترة الغداء جاءني قيم إلى قاعة المراجعة وأعلمني أن القيم العام يطلبني، وحين وصلت مكتبه كدت أسقط مغشيا علي من هول الصدمة إذ لم أجد ولد الحرس فقط بل وجدت الحرس بنفسه بزيه الأخضر الزيتوني المثير للرهبة، نظرت إليه من طرف خفي وفرحت لأنه بدا لي غير مسلح.

سألني القيم العام عن أقوالي بينما ظل الحرس صامتا فأجبته بأنه شتمني ووصفني بالحمار فرددت الفعل ولم أكن أنوي إسقاطه لكنه سقط وعرضت عليه أسماء من عبروا عن استعدادهم للشهادة لكن القيم العام سأل الطفل فأمن على روايتي عندها نظر إلينا القيم العام وقال في المرة القادمة سأوجه لكل منكما إنذارا اغربا عن وجهي الآن ولما هممت بالخروج فوجئت بالحرس يقف ويمسكني من كتفي ثم قال لابنه تعلم ألا تشتم الناس مستقبلا ثم التفت إلي وقال وأنت يا ولدي لا ترد الفعل بعنف حتى تفقد حقك وتتحول من مظلوم إلى ظالم ثم طلب منا أن نتسامح أمامه وأمام القيم العام.

ومن شدة فرحي وددت لو أقبل ولد الحرس وأؤدي تحية عسكرية للضابط لمروءته وعدله.

وخرجت وأنا لا أصدق أني نجوت وحين التحقت بالقاعة اشرأبت الأعناق نحوي لاستجلاء العقوبة فأعلمتهم بما حدث لكن لاحت على أغلبهم خيبة الأمل من النهاية المملة للقضية، أما أنا فكنت في قرارة نفسي شبه متأكد من أن ذلك الرجل الذي ربت على كتفي ونصحني وأنب ابنه على خطئه لا يمكن أن يكون “حرس” كما وصفوا لنا الحرس ولا والدا لولد الحرس!!!

خواطر ثورية من وحي الربيع الجديد … 

شاهد أيضاً

قارورة الفانتا

حسن الصغير في أواخر سبعينيات القرن الماضي كانت ولائم الأعراس في قريتنا تقتصر على وجبة …

الفشل المجاني

حسن الصغير لو كنت قياديا في التيار لحاولت إقناع الحزب بأن يظل على موقف مبدئي …

اترك رد