الأربعاء , 25 نوفمبر 2020

بين الاستقواء والمناصرة خيط فاصل اسمه السيادة

رضا الكزدغلي 

معذرة عن الإطالة فقد يحتاج الموقف تفصيلا مُمِلا لكنه يفرض ذاته :

إذا كان مفهوم المناصرة الدولية الذي تمارسه المنظمات الدولية بمبادرة منها أو بدعوة من طرف وطني داخلي advocacy أو plaidoyer يعني الاتصالات بمختلف أشكالها التي تهدف إلى جلب مشكلة ما إلى دائرة الضوء قد تكون اجتماعية أو مهنية قطاعية أو ذات علاقة بمصالح خاصة فإنها لا يمكن أبدا أن تكون إلا في سياق إتيكيت العلاقات الدولية القائم على احترام خصوصية كل بلد واستيعاب واقعه بتعقيداته وسيادته الوطنية في ممارسة الإدارة العامة للشأن العام.

عدا ذلك تصبح المناصرة الدولية مدخلا من مداخل الاستقواء على الدولة والتعسف على الواقع من منطلق وجهة نظر أحادية تقدم من جهة الطرف الطالب لها دون الاستماع إلى الأطراف الأخرى ويصبح هذا الاستقواء أكثر وضوحا عندما يُنشر بصفة استباقية للرأي العام في محاولة لاستمالته دون تبيان الخلفيات عموما والخلفيات السياسية خصوصا.

أستحضر هذا المعطي عندما ألاحظ يوميا دعوات جهات حزبية ونقابات وجمعيات تونسية للاستنصار بمنظمات وهياكل دولية في مواجهة أطراف داخلية تختلف معها في تقدير الموقف وحلحلة الإشكالات القائمة بينها.

وقد تتحول هذه الدعوات إلى غطاء لتدخل قوي خارجية أصبحت تمثل فعليا خطرا على بلادنا ومستقبل أجيالنا وثرواتنا وقيامنا كما يرى الحقوقي أنور الغربي Gharbi Anouar الذي لاحظ “وجود تنسيق وتبادل للأدوار والمهمات القذرة بين قوتين أساسيتين من أجل الإجهاز على التجربة التونسية وإرجاعها لحضيرة التبعية الكاملة”. وأن “ما تقوم به دولة أوروبية كبيرة وأخرى خليجية مخالف لكل الأعراف الديبلوماسية ويعتبر سلوك غير ودي وغير مقبول بل فيه اعتداء واضح على الدولة وسيادتها وأمنها وتعرض مصالح تونس للخطر. “داعيا لـ” مواصلة الضغط الشعبي والجمعياتي ومعاضدة أجهزة الدولة القضائية والرقابية كي تقوم بدورها بكل شفافية ومنها إخضاع الأحزاب والجمعيات من نقابات وقطاع إعلام وقضاء إلى المحاسبة الدقيقة.”

كما لفت نظري لهذا المعطى أيضا التنافس في تبادل الرسائل بين كتل برلمانية لرفع شكاوي لمنظمات واتحادات قطاعية خارجية وخاصة منه ما حصل بين كتلتي الحر الدستوري (رسائل وربما تسجيلات كما صرحت به النائبة سامية عبو الجمعة 20 جانفي على إذاعة خاصة) وائتلاف الكرامة (رسائل كتابية كما نشر ذلك النائب عبد اللطيف العلوي على صفحته) والحرج الذي حصل للبرلمان في شعوره بالوقوع تحت تأثير أطراف خارجية تتدخل في الشأن السيادي الوطني وكذلك استقواء رئيس الجامعة الدولية لكرة القدم بفض الأشكال بينه وبين فريق رياضي وطني.

والأمثلة عديدة للأسف الشديد لو قمنا باستعراضها لكامل العشرية القائمة من عمر الثورة علما بأن ممارسات ما قبل الثورة نجد لها مبررها في كونها كانت مُوجهة ضد نظام دكتاتوري فاسد ومُفسد.

ولعل الأوضح بالخصوص في هذا الموضوع الذي يُحوّل توجسي من تعدد محاولات الاستقواء بالخارج وممارسة اللوبينغ المنحرف عن غاياته إلى شبه قناعة ما اطلعت عليه البارحة من نص الرسالة التي وجهها الاتحاد الدولي للصحفيين لرئيس الحكومة باللغة العربية المطرزة التي قد لا تغيب عنها ريشة الممثل العربي بالاتحاد الذي وقع انتخابه في اجتماع تونس في جوان 2019 بدعم من نقابة الصحفيين التونسيين والذي تربطه بأحد أعضاء النقابة السابقين علاقة وطيدة قد تكون أثمرت “جدواها” في الرسالة المشار إليها سابقا.

إن تأكيد الاتحاد الدولي في رسالته نيابة عن الصحفيات والصحفیین في تونس (لسنا متأكدين من قناعة كل هؤلاء بهذه النيابة في هذا الظرف السياسي بالذات) وفي جميع أنحاء العالم (تدويل مشبوه لقضية داخلية) قلقه الشديد أمام مماطلة الحكومة التونسية في احترام تنفيذ إذن استعجالي صادر من المحكمة الإدارية التونسية يوم 9 نوفمبر 2020، والقاضي بنشر نص الاتفاقية المشتركة للصحفيين التونسيين بالرائد الرسمي.
وإن استعمال مصطلح «إنكارا للعدالة» في وصف لسلوك الحكومة الحالية ضد صحافييها، بسبب ما تملكه من “سلطة تنفيذية تلزمها بإنفاذ القوانين والسهر على احترامها وهو ما من شانه أن يقوض تماما الثقة بين الحكومة والصحفيين التونسيين وهيكلهم النقابي”.

في كل هذا التعبير التراسلي بين منظمة قطاعية دولية وسلطة دولة تنفيذية مخالفة صريحة لإتيكيت التخاطب الدبلوماسي من قبل اتحاد نحترمه ولا نظنه وصيا على الشعب في تقدير أداء سلطته التنفيذية ونراه أقرب إلى مناصرة القضايا الإنسانية العامة منها القضايا الخلفية الداخلية.

و عليه
فإذا كان الجميع يدين أخلاقا ودستورا وميثاقا سياسيا الاعتماد على اللوبينغ المالي والسياسي والتوجيهي الخارجي في العمليات الانتخابية الوطنية حفاضا على قداسة الخيار الشعبي فإن قداسة هذا الخيار لا تتوقف عند العملية الانتخابية بل هي متواصلة قانونا ودستورا سياديا والتزاما مواطنيا مرحبا وهي متواصلة أيضا عبر تأمين مراقبة المجتمع المدني والقوى الشبابية الحرة والتيار الوطني الثوري من أجل الوقوف أمام أي تدخل خارجي لا يتفهم الشأن الوطني ويتعامل معه من منطلقات سياسية وربما أيديولوجية من منطلق “انصر رفيقك /أخاك ظالما أو مظلوما”.

انه وأمام صعوبة الأوضاع الداخلية وتعقدها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وأمام المتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة التي تؤثر بعمق في الواقع الجيو-استراتيجي التونسي فإن الوعي والالتزام والتكاتف الوطني بضرورة وبأهمية :

أولا : الفصل الواضح والشفاف بين المناصرة واللوبينغ القطاعي ليصبح ضرورة أخلاقية والتزاما وطنيا مفروضا على الجميع بدون استثناء.
ثانيا : القناعة بأن حل الخلافات الداخلية يجب أن تتم في إطار إدارة قيادية للذات وللمؤسسات ذكية ومهاراتية في حسن إدارة الخلافات بعيدا عن التوتر والتنمّر والإقصاء والمقاطعة والتنكيل المجاني بالخصم في الحالات الحياتية العادية وعند الضعف بالمرض أو الموت وتوصيف كل من هو ليس معك بأنه ضدك وبأقذع سلوكيات ومواقف السقوط الأخلاقي.
ثالثا : العودة سريعا إلى منصة الوحدة الوطنية الفعلية غير المغشوشة التي تحدد منطلقاتها ومآلاتها كل الأطراف وليس طرف دون آخر في محاولة يائسة لاحتكار المعرفة والتجرء على الفصل بين محوري الشر والخير، فكلنا مكنون ثنائي التكوين جامع لبذرات الخير والشر فلا تزكوا أنفسكم يرحمكم الله.
رابعا : الانتباه إلى أن المتغيرات الإقليمية والدولية وتسارع وتيرتها وأدوار الدول والمنظمات فيها تقوم على مصالح الدول وليس مصالح الآخر قبل الدولة لذا ما حك جلدك وإن كان خشنا مثل ظفرك وإن كان هشا.

وتعيش تونس حرة لا تأكل بـ”ثدييها”.
ويبقى الفاصل بين المناصرة واللوبينغ المشبوه في زمن الوطن خيط السيادة الرفيع والثمين مهما ارتفعت قيمة العرض الخارجي مالا وتنفّذا وشبكة علاقات.

نفاق النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين

شاهد أيضاً

لو كنت.. لأفكر بمنطق قرن من الزمن

رضا الكزدغلي  لو كنت… لقلت بأننا لسنا أفضل من أمم وأجيال سبقتنا عرفت من أهوال …

عندما… و عندها لا تعجب

رضا الكزدغلي  وإذا أردت أن تتفصّي من هذا المنشور لأنه يُحرجك سياسيا وحزبيا وقطاعيا فلا …

اترك رد