الأربعاء , 25 نوفمبر 2020

نصر أذربيجان دلالته الاستراتيجية جغرافيا وتاريخيا

أبو يعرب المرزوقي 

حصل ما توقعته: تبادل أرضي وإن غير معلن بين أذربيجان وأرمينيا ما تنازلت عنه الأولى لتوحيد أرضها يعدل ما تنازلت عنه الثانية للإبقاء على التواصل مع غالبية شعبها في أرمينيا.

ويمكن اعتبار ذلك أساسا مفيدا جدا لإزالة العداوة والشروع في التعاون المحقق لشروط السيادة إزاء القوتين اللتين ساعدتهما في الوصول إلى هذا الحل بشيء من الندية وعدم التبعية.
لن تكون أذربيجان تابعة لتركيا ولن تكون أرمينيا تابعة لروسيا ولن تتحارب القوتان المساعدتان ما يسهل الورقة الاستراتيجية الأساسية في هذه الحرب القصيرة والتي يمكن أن تستفيد منها تركيا وروسيا في آن.

لكن الأهم من ذلك هو أن تركيا وروسيا يمكن أن تتحالفا لتكونا القطب الثالث في العالم عندما يحتدم الصراع بين الولايات المتحدة والصين:

  1. فتركيا لن تصمد أمام هيمنة أمريكا من دون حلف مع روسيا وروسيا لن تصمد أمام الصين من دون التحالف مع تركيا. ومن ثم فلا بد من الحرص على عدم إشعارها بأن توحيد أتراك آسيا معاد لها..
  2. وروسيا ما كانت لتسهل هذا الوصل بين تركيا وأتراك آسيا لولا هذه الرؤية الاستراتيجية لأنها تعلم أنها لن تستطيع الصمود أمام هيمنة الصين من دون التحالف مع حلف أتراك آسيا الوسطى.

لكن الأهم من ذلك كله هو أن الصين والولايات المتحدة كلتاهما تعلمان أنه لم يعد بوسع أي منهما أن يدخل في مثل هذا الصراع على قيادة العالم من دون التخلي نهائيا عن معاداة المسلمين لعلل كثيرة بينتها في محاولات سابقة.
وروسيا قد تكون بدأت تفهم ذلك وهي تريد تحقيق صلح تاريخي مع تركيا باعتبارها القائدة المحتملة للأمة الإسلامية كلها وخاصة إذا حققت ما يشبه ولايات متحدة تركية لتصبح قائدة دون منازع للأمة كلها.
فإذا حصل ذلك تكون تركيا قد ضربت عصفورين بحجر واحد: أنهت طموح المنافسين الممكنين لها أي :

  • السعودية التي فقدت زعامة السنة في العالم كله بسبب وجود مكة والمدينة فيها حتى وإن لم تكن أهلا لتمثيل الإسلام وقيمه.
  • وايران التي بدأت فقدان زعامة التشيع في الهلال بفعلها وفي آسيا الوسطى بحماية تركيا للتشيع الأذري في أذربيجان وحتى في إيران نفسها ولو بالقوة وليس بالفعل.

وهذا هو توقعي الأساسي حول ما سيكون عليه نظام العالم الذي هو بصدد التشكل حاليا. لم أكن أتوقع أنه سيحصل بهذه السرعة لأنه لم يكن بالوسع توقع كورونا وما ستحدثه من خلل في التوازنات الدولية وخاصة في أوروبا الغربية.
فما يبحث عنه ماكرون من محاولة المحافظة على توحيد أوروبا وجعلها قوة مستقلة عن أمريكا في نظام العالم الجديد أشبه بالمهمة المستحيلة لعلتين إذا صح خيار روسيا الذي وصفت وصح أن تأسيسه هذا المشروع على ما يشبه النزعة الصليبية لم يعد محركا لشباب أوروبا ونخبها التي صارت ضد منطق الاستعمار:

  1. خروج بريطانيا يعني انضمامها إلى الولايات المتحدة في معركتها مع الصين.
  2. طموح ألمانيا يعني رفضها كماشة فرنسية روسية أخطر عليها مما يخوفها به ماكرون.

وما يحصل لأوروبا يحصل مثيله لما يسمى بالجامعة العربية التي شبعت موتا أكثر من الوحدة الأوروبية وما هو شبه مستحيل بالنسبة إلى فرنسا في أوروبا هو فعلا مستحيل بالنسبة إلى
أقزام الثورة العربية المضادة بفرعيها التابع لإسرائيل والتابع لإيران.

والمعلوم أن تركيا في نهوضها الحالي تجد نفسها أمام خصمين لم يعد لهما القدرة الماضية لما ساهما في نهاية دورها في حماية الحضارة الإسلامية في غاية الحرب العالمية الأولى:

  1. أوروبا وخاصة فرنسا وإنجلترا (ونسبيا روسيا القيصرية).
  2. العملاء العرب وخاصة بعض حكام الخليج والنخبة المسيحية في الشام.

نفذوا بدوافع ذاتية ولكن خاصة لتحقيق مؤامرة صهيونية -وعد بلفور- تمكنوا من الإطاحة بالخلافة التي كانت بعد منهارة ولم يبق لها إلا الدور الرمزي.

ولما كانت المؤامرة الصهيونية ما تزال جارية وهي تريد تحقيق غاية وعد بلفور أي إسرائيل الكبرى فإن الخطر على مشروع تركيا يكمن في تحالف ممكن بين فرنسا وإسرائيل وإيران والعملاء العرب.

لكن إذا حققت تركيا الولايات المتحدة التركية وتحالفت مع روسيا التي لم يعد لها مفر من ذلك لأنها تخاف الصين أكثر من خوفها من الولايات المتحدة وأوروبا لا تخيفها وتركيا أيضا لا تخيفها
فإن هذا التحالف حول إيران وإسرائيل لعربان الثورة المضادة هين.

وطبعا من الغباء عدم الحذر فالأعداء قد يحرفوا الولايات المتحدة عن مشروعها في مهادنة المسلمين وتركيا لتواصل الحرب عليهم حتى لو أدى ذلك إلى خسران المعركة مع الصين
ومن ثم فلا بد من إنجاح الثورة في الإقليم لمنع هذا الحلف.

والحل هو ما فكر فيه أربكان وما دعا إليه أردوغان:
تحقيق الحلف الأوسع بين القوى الإسلامية الناهضة (تركيا وماليزيا وبكستان وأندونيسيا ومعهم رمزيا قطر) لمساندة ثورة الشعوب ومنع فرعي الثورة المضادة”:

  • التابع لإسرائيل في الخليج ومصر.
  • والتابع لإيران في العراق والشام.

من ضرب تركيا من خلف.

وهو ما يعني أن ثورة شعوب الإقليم صارت ذات دور جوهري في المعادلة العالمية. ومن حسن الحظ أن ما ستقدم عليه أمريكا من إجلاء جيوشها من الإقليم سيعني أمرين بالنسبة إلى المعادلة جيواستراتيجية:

  1. شعوب الإقليم لن تجد مفرا من الاحتماء بتركيا
  2. السعودية وإيران وإسرائيل لن يكون لهم حول ولا طول من دون أمريكا وروسيا.

وعندئذ يصبح القطبان المتنافسان -الولايات المتحدة والصين- بحاجة إلى مهادنة الحلف التركي الروسي والخروج من الاستنزاف الذي ينتج عن تدخلاتهما في دار الإسلام
من جنوب شرق آسيا إلى المغرب وفي آسيا الوسطى والهند كله بجناحيه الإسلاميين وإفريقيا.

وكل من يتصور أن أمريكا ستسقط في حرب أهلية بسبب ما يجري حاليا في مسألة الانتخابات يبالغ في تصور من يقرر في الاستراتيجية الأمريكية هو بايدن أو ترامب. فمن يقرر يوجد في أعماق الطموح الأمريكي الذي يرعاه غيرهما وغير حزبيهما.؟

الشيء الوحيد الذي أخشاه على الإنسانية كلها وليس على أمريكا هو ما قد يترتب على علاج الجائحة إذا تمادت ولم يتمكن العلم من اكتشاف سرها لأنه في هذه الحالة لا يمكن أن يزعم أن التطعيم للشكل الحالي قابل لنفس الصلوحية لتطوراته.

ففي تلك الحالة ستصبح كل الدول من جنس الصين:
أي إننا سنسقط في فاشية كونية لأن أحكام العلاج حينها ستكون سياسية وليست طبيعة. والأحكام السياسية ستكون من جنس ما بدأ يتجلى في فرنسا خاصة أي سيطرة القرار المركزي على سلوك الأفراد.

حينها يصبح نظام العالم شبيها بما كان عليه بين الحربين العالميتين: فاشية عالمية في أوروبا وفي روسيا وفي اليابان. فإذا أصبحت أمريكا هي بدورها فاشية فإن المخرج قد يبدو حربا عالمية ثالثة بين الفاشيات لتقاسم ما بقي من ثروات العالم بعد السقوط الاقتصادي والصحي في العالم كله.

مكر الله الخير كلما فتحوا معركة ربحتها تركيا

شاهد أيضاً

النهضة أو “عكاز” تونس الأخير

أبو يعرب المرزوقي  هذه محاولة أريد أن أبدي فيها رأيي في ما يجري في حزب …

العقل وتعاقل العقلانيين العرب

أبو يعرب المرزوقي  سبق أن قدمت محاولة حول “الواقع” الذي صار وثن النخبة العربية بكاريكاتوريها …

اترك رد