الأربعاء , 25 نوفمبر 2020

الأمّهات العازبات ومخطّط هدم الأسرة في تونس

سليم حكيمي 

في محاولة لتخفيف الجُرم باللغة، ابتدعت نخبنا تعويض الزانية بـ “المرأة العزباء”، و”السّفاح” بـ “الحمل خارج اطار الزواج”. وهو ليس من ثقافتنا التي لا تُساوم في الأنساب، إلا “فرخ حرام”. قصة التطبيع مع الأمر قديمة تعود إلى مجلة Paris Match الفرنسية التي نشرت ملفا بعنوان “فن أن تكون إمرأة عزباء” يصف حياة الممثلة الأمريكية “شارون ستون” مستمتعة بتربية أطفال. وأريد بجمالها التعمية على فلسفة آثمة رامت فرض جمالية القبح بفتنة الوجه للتعمية على السّوءة.

ظاهرة التبجّح بالزنا ليست إلا شذوذا يراد له الحلول محل الطبيعة. بدأ في تونس بفرض القيم المكسيكية ببث مسلسل “راكال وانطونيو” زمن بن علي، يحفل بالعشيقة الجميلة مقابل الزوجة الشريرة. ثم تواصل مع برامج “عندي ما نفضحك”. وأخيرا حفل الغرب وموّل الشريط “noura rêve” سنة 2019، بطولة “هند صبري” وإخراج “هند بوجمعة” التي كرمها الغرب باعتبارها المرأة التي تريد تغير القانون. يصور إمرأة تونسية تعيش مع عشيقها في غياب زوجها السجين، ولا يتهدد متعتها سوى الفصل 236 من القانون الجزائي القاضي بعقوبة 5 سنوات في حالة ثبوت الزنا على الزوجين. ولست ادري لماذا لم يتجاسر على قانون مشابه في أمريكا يُطبّق في 21 ولاية من اصل 52؟.

غرابة ما يجري انه متجاوز حتى لأخلاق الجاهليين زمن المُخادنة التي لم تر في الزنا مشكلا اذا ما تم ّستره: فقالوا : “ما استتر فلا باس به، وما ظهر فهو لُؤم”. ولكن القران شنع بقوله: “ولا متخذات أخدانا”. ولكن يبدو أننا تجاوزنا الستر إلى المجاهرة لإنشاء دين لا يحتوي على مفهوم المحرّم، ولا يحفل أصلا بالعار الذي يمكن أن يلحق بنظرات الآخرين إلينا، وهو قادر على رجّ كل العادات والمعتقدات الموروثة من كل الديانات التوحيديّة. كلفة التسفّل انتهت بنا في سفح أخلاقي عربي حملت فيه النساء بسراويل الجينز الممزقة جنازة امرأة، وتعيين امرأة مديرة سجن الرابطة الرّجالي، أول حالة شاذة عربيا ونادرة أوروبيا، في حلقة أثارت استغراب زعيم الدّعارة الإعلامية “سامي الفهري” نفسه. لتُطبق على الدين معايير الموضة العابرة. ويقوم الإعلام بتعميم النموذج وفرضه على الوعي والتطبيع مع الشذوذ بأنواعه وتفكيك الأسرة التي ليست في مدار اهتمام الدولة.

تركيا العلمانية تخصص أجور للجدّات القادرات على الاعتناء بالأحفاد بدل المحاضن حتى يعيشوا في العائلة الممتدة ويصرح رئيسها: “نريد إنشاء جيل ورع”. في الجاهلية كان النكاح على أنحاء عديدة: الشغار والمبادلة.. والمخادنة. ولكن زواج قريش كان للمرتقين من العرب، مثلهم مثل المسلمين خطبة ومهرا وعقدا. فنزل فيها القران الذي خاطب مريم مذكرا إياها بأصلها: “يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا”. فالإنسان ليس نبت فقع لا جذور ولا أغصان، منفلتا من عِقال الجماعة والعرف والوشائج الأسرية التي تمثل هويّة الإنسان وعنوانه الاجتماعي وملجأه في النّوازل. وفي تونس أثبتت الدراسات فيها أن اهم سبب انجاب اللّقطاء الذين بلغ عددهم 1600 سنويا، هو عدم وجود العائلة الممتدة. ورغم أنها اكثر الدول صرامة في قوانين الطلاق تحتل المرتبة الأولى فيه. مما يبين فشل الأيديولوجيا النسوية القائدة مروجة ثقافة “Ton corps t’appartient”. فالقانون لا يصنع العلاقات ولا يستطيع فرض بشر على بشر. كل التفوق الدراسي للتلاميذ ليس بفضل المتمردات على الانضباط الأسري، بل بالمُرابطات على مستقبل أبنائهن. ليتبين الهدف العميق من ضرب الأسرة وهو قصف للبنية العلمية للدولة. وكل ما يقع هو محاولة لدخول جحر الضبّ الخَرِب الذي ولَغت فيه فرنسا حين قررت أخيرا جعل أولاد الأخدان كالشرعيين، وانتهت بحالة قتل امرأة كل 72 ساعة. لا يجب الاستهانة بالرهط المسخ الذي يتواضع على إفساد الناس. فمن طبيعة الفساد أن تقوم به القلّة لتدمير الكثرة، “وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48 النمل)”. ولهذا استوجب قطع الدّابر.

في تونس يولد في كل يوم 25 طفل مصاب بمرض وراثي

شاهد أيضاً

لماذا تدعم نُخب تونس الصْبايحيّة ماكرون ؟؟

سليم حكيمي  على قناة الجزيرة، ردّ ماكرون القوس إلى باريها قبل أن ترتدّ إلى نحره، …

“النبيُّ في المحكمة”: لماذا تجنّبت تونس فرنسا، وقاطعت السعودية المُنتجات التركيّة !!

سليم حكيمي  للإيحاء بان الرّسول (ص) هو الجاني، لم تجد صحيفة “le nouvel observateur” فيفري …

اترك رد