الأربعاء , 25 نوفمبر 2020

تركيا الجديدة.. قوة تتعاظم (1)

“سنواصل المسير في طريقنا لبناء تركيا القوية والكبيرة..، لم نعد نكترثْ لما يقوله الآخرون، بل سنركز على ما هو حق لنا وما يريده شعبنا..”

كلمات باتت وما تزال تُسيل الحِبرَ الكثير ومعان تحيل في كلّ مرة المختصين في تحليل الخطاب نحو فهم أعمق وأشمل لمقاصد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يصرّ على تكرارها وترديدها في كلّ مناسبة سواء كانت بخلفيات تاريخية كتحويل آيا صوفيا من متحف إلى مسجد في مدينة إسطنبول، أو أخرى دينية-ثقافية كالتي دارت رحاها وسط الأزمة الدبلوماسية بين تركيا وفرنسا على خلفية تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون التي وصفت بالمسيئة للإسلام والمسلمين، دون أن نستبعد الحسابات الجيو-استراتيجية في التصريحات وهي الأكثر حساسية لكونها تتحرك في فلك قلب موازين الصراعات في مناطق التوتر والنفوذ.

إيفاء بالوعد

فرسالة الرّجل الأول داخل حزب العدالة والتنمية دائما مُا يُقرأ بين سطورها وفق مهتمين بالشأن التركي بكونها إيفاء “بوعد” قدّمه أردوغان عندما شغل منصب “رئيس بلدية إسطنبول” ما بين عامي 1994 – 1998، أنذلك التزم برفع سقف طموحات تركيا في كلّ المجالات وإعادة الدور التاريخي “للعثمانية الجديدة” وسط رقعة جغرافية مضطربة ومترنّحة تبحث عن زعيم يهب لها الإستقرار والتوازن.
في نظرة إلى الوراء وتحديدا في مطلع الألفيّة الجديدة ومع وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في عام 2002، تبنى قادته ومفكّروه منهج إحياء دور تركيا الإسلامي الذي تعرّض للتجاهل والإهمال لعقود وفق منظورهم، وما جرى على الساحة التركية في تلك الفترة لا يُعدُّ تغيُّرًا عاديًّا، بل كان لحظة فارقة تتمثّل في إعادة الدولة التركية صياغة ذاتها؛ إذ شهدت تغيُّرات وتطورات بنيوية في المجتمع والدولة بسبب الطبيعة الديناميكية التي تميزت بها “تركيا الحديثة” ومحيطها الإقليمي، ناهيك عن أن العالم بأسره يعيش حالة من التحوُّل وفق القراءة التي ساقها بكر محمد رشيد البدور مؤلف كتاب “المكانة الإقليمية لتركيا حتى عام 2020.
فالطريق نحو التحوّل إلى قوة إقليمية ودولية مؤثّرة تتمتع باقتصاد متين ومُزدهر وقدرات عسكرية رادعة، اضطر تركيا في مرحلة أولى برأي المختصين في الشأن التركي إلى اعتماد استراتيجية تصفير المشاكل بالتقارب مع جميع الدول والكيانات التي تربطها بها تاريخياً علاقات متوترة وخلافات عميقة متجذرة، بهدف إطفاء بؤر التوتر، بما يسمح للاقتصاد المحلي بالنمو ومن ثم تحقيق مستويات رخاء وازدهار متقدمة..

ثوابت جديدة

غير أن التطورات المتسارعة الإقليمية من الناحية السياسية والأمنية والعسكرية والشعبية وكذلك دخول بعض الأطراف العربية والغربية في عملية اصطفاف ضد السياسة التركية، لأنها وجدت أنها تتعارض مع مصالحها وحساباتها وطموحاتها في العديد من دول المنطقة، جعل صناع القرار في تركيا يرسون: ثوابت جديدة في السياسة الخارجية للبلاد، تقوم على ثلاثة مبادئ وهي:

  • أولا: تفعيل دور تركيا في الكيانات الإقليمية والدولية، ولا سيما في الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)..
  • ثانياً: اعتماد التوازن في العلاقات بين الشرق والغرب وجميع الدول، وبخاصة خلال إدارة أنقرة للأزمات، بدلاً من التبعية المطلقة للغرب في العهود السابقة..
  • ثالثاً: زيادة الانخراط في جميع القضايا في العالم، وبشكل خاص في الشرق الأوسط، وذلك باعتبار هذه المنطقة تشكّل عُمقاً استراتيجياً لتركيا التي سوقت لنفسها بأنها تدعم الديمقراطية وخيارات الشعوب زمن حدوث الثورات في عدة بلدان عربية كما يتبنّى ذلك الدكتور محمد الثنيان، رئيس مركز “طروس” للدراسات الشرق أوسطية في الكويت والمتخصص في العلاقات العربية التركية.

مبادئ يبدو أنها أعطتْ ثمارها على أرض الواقع كما يشير إلى ذلك المحلّل الاستراتيجي الأمريكي البارز، جورج فريدمان الذي تناول في تحليل مطول نشرته مجلة:
(Geopolitical Futures) المتخصصة في “خدمات التنبؤ الجيوسياسي” ما وصفه بالظهور الحتمي للقوة التركية التي تخوض أكثر من صراع، ولديها عدة جبهات في الوقت نفسه بمنطقة القوقاز أين وضعت الحرب أوزارها مؤخرا بين حليفتها أذربيجان ضدّ أرمينيا وكذلك جبهة اليونان وجمهورية قبرص الجنوبية ومن خلفهما “فرنسا الماكرونية” وإسرائيل بالإضافة إلى التوترات في شرقي المتوسط على خلفية المناورات العسكرية التركية وكذلك عمليات التنقيب عن الغاز في منطقة حيوية تضمّ مخزونا هائلا يجعل منها كنزا إستراتيجيا قدرته هيئة المسح الجيولوجي الأميركية بـ 122 تريليون قدم مكعب فضلا عن اكتشاف أنقرة أكبر حقل للغاز الطبيعي في تاريخها بالبحر الأسود باحتياطي 320 مليار متر مكعب حيث سيتيح لها تلبية احتياجاتها المنزلية من الغاز الطبيعي محليا لمدة 25 عاما، وتلبية كامل احتياجاتها من الغاز لمدة 8 سنوات.

خط التوازنات

وفي خضم هذه المعارك لم تغفل تركيا الجديدة عن إقامة توازن بين اللاعبين العملاقين روسيا وأمريكا، كما أنها بدأت في خلق بدائل تحسّباً لأي طارئ، عندما اتجهت إلى اختيار منظومة الدفاع الجوي – إس 400 – الروسية بعد أن رأت خذلانا من حلفائها في الناتو وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية التي هددت أكثر من مرة بتعليق مشاركة تركيا في برنامج الطائرة الشبح – أف 35 – .
أما في المنطقة العربية، فتسعى تركيا كما ترى علا بطرس أستاذة العلوم السياسية والمستشارة السابقة للخارجية اللبنانية، لتعزيز نفوذها عبر تحالفاتها مع أحزاب الإسلام السياسي، في إشارة إلى الرؤية التي تبنّاها أحمد داود أوغلو، رئيس وزراء تركيا السّابق وأحد أبرز مفكّري حزب العدالة والتنمية، إذ يعتقد أن على “العثمانية الجديدة” العودة إلى العالم الإسلامي وروابطها التقليدية بعد توجيه دفتها لعقود نحو الغرب، وكذلك نشر نفوذها في الدول التي كانت ضمن السلطنة ومنها سورية ومصر والسودان وليبيا وتونس، وحتى في منطقة الخليج التي وجدت فيها أنقرة موطأ قدم عندما دخلت على خط الأزمة لمساندة حليفتها دولة قطر في خلافها العميق منذ سنوات مع كل من السعودية والإمارات والبحرين.

يتبع

السياسة الخارجية التركية ودورها في استعادة نفوذها الإقليمي والدولي

شاهد أيضاً

الحوار السياسي الليبي وحده لا يكفي !!

محمد بشير ساسي  ما بين إعلان بوزنيقة والمحادثات بتونس بدى واضحا أنّ الفرقاء الليبيين جنحوا …

تركيا الجديدة.. قوة تتعاظم (2)

محمد بشير ساسي  العقيدة العسكرية ولفهم الوزن التركي الحقيقي بشكل أعمق، يذهب محلّلون نحو الإعتقاد …

اترك رد