الأربعاء , 25 نوفمبر 2020

11 نوفمبر: يوم الذكرى أو مقابر قتلى الحرب وتنشيط الذاكرة

زهير بن يوسف 

أنشئت هيئة الكومنوالث أساسا لتخليد ذكرى ضحايا الحرب وهي التي تقوم بالحفاظ عليها وتسهر على صيانتها وتوثيق أسماء الذين سقطوا في ساحات الشرف دفاعا عن الحرية في سجلاتها.

1. مقابر الكومنوالث

مقابر الكومنوالث مزار سنوي لعائلات ضحايا الحرب ونقطة استقطاب للباحثين في التاريخ المعاصر، أساتذة وطلبة، وهي إلى ذلك جذب لعدد من السفراء، وتحديد سفراء كندا وأستراليا ونيوزيلاندة والهند وبريطانيا، وروساء البعثات الديبلوماسية في يوم الذكرى أو يوم التذكر الذي يصادف يوم 11 نوفمبر من كل عام: الساعة الحادية عشرة صباحا 11.00، وهو التاريخ والتوقيت الذي يرتبط باليوم والتوقيت اللذين تم فيهما الاتفاق على وقف إطلاق النار بين أطراف النزاع خلال الحرب العالمية الأولى أي قوات الحلفاء وقوات المحور: 11 نوفمبر 1918، وهو الحدث الذي يتم الاحتفال هذه السنة بذكراه الثانية بعد المائة.

2. الكومنوالث وهِبَةٌ من التونسيين

هذه المقابر هبة من شعوب البلدان التي تقع على أراضيها لتكون قبورا دائمة لجنود الحلفاء الذين قتلوا بالنسبة إلى مثال بلادنا فيما يعرف بمعركة تونس “Bataille de Tunisie” التي تواصلت خلال الحرب العالمية الثانية (1939ـ1945) بين 17 نوفمبر 1942 و 13 ماي 1943 على عدة جبهات منها جبهة مجاز الباب -وادي الزرقاء- ماطر بالشمال الغربي التونسي تخليدا لذكراهم.
دارت المعارك بهذا القطاع بالتحديد خصوصا خلال الفترة الممتدة بين 7 و15 أفريل 1943 ولاسيما بعد اضطرار قوات الحلفاء المتكونة أساسا من بريطانيين وأمريكان وعدد أقل من الفرنسيين إلى التراجع أمام ضغط القوات الألمانية من خط مجاز الباب إلى وادي الزرقاء، وتواصلت المعارك إلى حدود يوم 25 أفريل 1943.
وقد أدت ضراوة المعارك التي شارك فيها حوالي 38.800 جندي إلى وقوع خسائر فادحة في الأرواح والمعدات في صفوف القوات المتنازعة بدليل سقوط ما لا يقل عن 60.000 ضحية فيها بين قتيل وجريح ومفقود ووجود أكثر من 10 مقابر ببلادنا تحتضن رفاتهم مقابر تتركز بالأساس في شمال البلاد والعاصمة، تحتضن منها ولاية باجة وحدها 4 مقابر تضم رفات 3652 عسكري من الجيش البريطاني بحساب 2910 ضريحا بمقبرة مجاز الباب و396 بمقبرة باجة و247 بمقبرة وادي الزرقاء و99 ضريحا بمقبرة تيبار، في حين يتوزع بقية قتلى الحرب بالبلاد بين مقابر صفاقس: 1254 ضريحا، والنفيضة: 1551 ضريحا، وبرج العامري ـ ماسّيكو: 1578 ضريحا.

3. مقبرة وادي الزرقاء: لا فوز تحت التراب

كنيسة كاثوليكية بنيت عام 1928
كنيسة كاثوليكية بنيت عام 1928

تضم هذه المقبرة التي لا تبعد عن محطة استخلاص وادي الزرقاء للطريق السيارة أكثر من 8 كلم رفات 247 قتيلا من القوات البريطانية من بينهم 6 جنود مسلمين من الهند يثوون جنبا إلى جنب دونما تمييز على أساس الدين أو الجنس أو الانتماء العرقي مثلها مثل مقبرة مجاز الباب التي يثوي فيها 2910 قتيلا من بينهم 13 جنديا يهوديا بما يعني أنّ العقيدة العسكرية لدى الفيلق الثامن البريطاني كانت تفرض أن تدافع عن الوطن لا عن الدين وأنّ الدين لله والوطن للجميع.
وهي لا تتميز معماريا عن غيرها من مقابر قتلى الحرب بخصائص تذكر سوى وقوعها عند أعتاب كنيسة كاثوليكية بنيت عام 1928، لم يبق منها حاليا غير برج أجراسها “Le clocher” فضلا عن اكتساء المساحات المحيطة بالقبور لا بالعشب الأخضر المقلّم وإنما بالحصى شديد البياض.
وفي ما عدا ذلك فالمقبرة محاطة بسياج من الحديد المطرّق قليل الارتفاع، والقبور بداخلها تصطف بالطول والعرض في تناسق كامل وانسجام تام في شبه مربعات خصص مربع منها لقتلى الحرب المسلمين، تحمل كل شاهدة قبر فيها إسم القتيل ولقبه وتاريخ وفاته وعمره والفيلق الذي ينتمي إليه مع مساحة لديانته وأخرى للعبارة التي يريد أهله كتابتها تخليدا لذكراه. ويشرف على هذه الأضرحة جميعا نصب الصليب التذكاري الذي يرتفع لأزيد من 3 أمتار وتظلّل مساحات من المقبرة شُجيرات الزيتون.

4. مقابر الكومنوالث وتنشيط الذاكرة

ما لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن الاحتفال السنوي ليوم الذكرى أو التذكر تتمّ مراسمه سنويا بمحضر رؤساء البعثات الديبلوماسية وتحديد سفراء كندا وأستراليا ونيوزيلاندا والهند وبريطانيا بمقبرة وادي الزرقاء لقتلى الحرب الواقعة 72 كلم شمال غربي العاصمة، 26 كلم جنوب شرقي مدينة باجة، ومن ثمة فإنّ الحاجة تدعو إلى إعادة تأهيل هذه المقبرة بما يمكنها من احتضان هذا الاحتفال في ظروف مناسبة ولائقة بجلال الحدث ورمزيته بما في ذلك:

  1. تطوير حديقتها، على غرار مقابر صفاقس والنفيضة وبرج العامري ـ ماسّيكو ومجاز الباب وباجة وتيبار وطبرقة وتجميلها، وذلك بتحويل أرضيتها المفروشة بالحصى إلى مساحات مكسوّة بالمعشب المقلّم وتزيينها بالورود اليانعة، على أن يحظى ذلك بالرعاية اليومية صباحا ومساء.
  2. ربط المقبرة بموجب الاعتبارات الأمنية الوقائية بشبكة التنوير العمومي وتزويدها لاعتبارات الصيانة والزيارة، بالماء الصالح للشراب وتبعا لذلك بدورة مياه بالتزامن مع تعهد النقائش التي تتوفر عليها شواهد الأضرحة وصيانتها من التلف.
  3. تحويل المسلك الفلاحي الذي يفصلها عن الطريق الوطنية وهو مسلك لا يتعدى 1.1 كلم إلى طريق مُعبّد ومحفوف على طرفيه بالأشجار الظليلة تأمينا لسلامة الزائرين وتسهيلا لمسلك الوصول إلى المزار وتشجيعا على ارتياده.
  4. إعادة بناء خورس الكنيسة المجاورة للمقبرة أي المُصلّى فيها، وهو مصلّى مماثل لنظيره بكنيسة القديس أوغسطين بمجاز الباب وكنيسة ماطر وكنيسة السيدة العذراء بباجة، مع أبعاد أقل، ليس بالضرورة لأغراض دينية وإنما وأساسا لأغراض تتعلق بحفظ الذاكرة وما تستدعيه من توفير للحد الأدنى من هياكل الاستقبال خاصة أنّ برج الأجراس فيها باق على وجه الدهر، رغم ما تعرّض له من محن ودمار منذ الحرب، ناهيك أنّ كنيسة وادي الزرقاء من دور العبادة المدرجة ضمن قائمة الكنائس المذكورة في اتفاق التسوية بين الحكومة التونسية والفاتيكان الموقع في 10 جوان 1964 والحاجة تدعو على الأقل إلى صيانة ما بقي منها أي برج الأجراس، ولمَ لا وهذا متاح خاصة بعد أن اختارت هيئة الكومنوالث بتونس في الفترة الأخيرة إحدى الشركات المختصة للقيام بترميم جميع هذا النوع من المقابر ولن يعجزها هي ولا الفاتيكان ولا ممثّلي الدول المعنية الاستجابة لمثل هكذا مبادرة ولا السلطات التونسية بالنظر إلى أهمية هذه المناسبة ورمزيتها ووزن من يحضرها سنويا من أعضاء السلك الدبلوماسي المعني المعتمد بتونس ترحّما واعتبارا وإجلالا واستذكارا لأرواح ضحايا الحرب وكل من قضى نحبه في سبيل أداء الواجب: بالوقوف دقيقتي صمت أو تلاوة فاتحة الكتاب وفي كل الأحوال بوضع باقة من الزهور.

د. زهير بن يوسف

شاهد أيضاً

باجة: المنظمات الوطنية وقرار الإضراب الجهوي

زهير بن يوسف  في سياق متصل مع الجلسات التشاورية التي عقدتها منظمات المجتمع المدني ومُخرجات …

“الفانة” La vanne أو سلوان المطاع في عدوان الأتباع مرة أخرى؟!

زهير بن يوسف  1. سلوانة المستهل: أمام توسع مظاهر تراجع مركزية الدولة، هل نحن مجتمع …

اترك رد