الأربعاء , 25 نوفمبر 2020

المرسوم 116: المعركة الشرعية في التوقيت الخطأ

نور الدين الختروشي 

بدأت السنة السياسية بمشهد تهارجي جديد حول ما سمي بمعركة المرسوم 116 وإلغاء نظام التراخيص في القطاع السمعي والبصري الذي تختص به الهايكا.
مطلب ألغاء قانون الترخيص وتحرير المبادرة في مجال الاستثمار الإعلامي يكاد يجمع عليه من حيث المبدأ كل المعنيين بالقطاع بإستثناء اللوبيات المالية وأذرعتها الإعلامية المستفيدة من احتكار المشهد الحالي.

ما يثير الدهشة والتساؤل وما ينتج المعنى ليس المطلب في ذاته بل السياق السياسي العام و توازناته وفي هذا وحوله نسجل الملاحظات التالية :
1. المبادرة جاءت من كتلة ائتلاف الكرامة وفي سياق صراعها مع ما يسميه خطابها بإعلام المجاري، وقد احتدت تلك المعركة في الأسابيع الأخيرة مما دفع نقابة الصحفيين وفي سابقة خطيرة وغريبة إلى إصدار بيان دعت فيه وسائل الإعلام إلى مقاطعة هذا الفصيل السياسي، فالمبادرة التشريعية وان تمنطقت بجلباب شرعية المطلب فإنها حلقة في مسار معركة حزبية بين الائتلاف وخصومه السياسيين، وتحولت بذكاء سياسي حزبي إلى معركة وطنية تقاطعت فيها مع كتلة قلب تونس المستهدف رئيسها نبيل القروي صاحب قناة نسمة من نفس الجهات، واستجلبت فيها حركة النهضة التي احرجها هذا التقاطع ولم يترك لها هامش مناورة، بالنظر لمحظور تفكك الحزام البرلماني الداعم للحكومة، فمعركة المرسوم 116، وأن كانت من حيث المبدأ معركة كل الطيف الليبرالي المنادي بإلغاء التشريعات المكبلة لحرية المبادرة والاستثمار في القطاع السمعي البصري، فأنها توقيتا وسياقا معركة ائتلاف الكرامة، وجزء من أجندته الحزبية الخاصة وحساباته ورهاناته السياسية المباشرة.

2. المبادرة من حيث التوقيت السياسي جاءت في مناخ سياسي متوتر عنوانه الأبرز التجافي بين مؤسسة الرئاسة من جهة والبرلمان والحكومة من جهة أخرى، بعد مرور حكومة المشيشي بتكتل برلماني جديد ضم حزب النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة، رغما عن إرادة الرئيس الذي تراجع على اختياره المشيشي في مشهد سريالي مجنون.

3. بعد مرور حكومة المشيشي تشكلت كتل معارضة ضمت التيار والشعب وتحيا تونس والحزب الحر الدستوري على قاعدة المضاددة للنهضة أساسا وحلفاءها و اصطفافا وراء قرطاج في معركته المنتظرة مع باردو والقصبة.

4. حركية الخارطة الحزبية الرسمية لا تحكمها معايير الحسابات السياسية السوية المستندة للبرامج، بل توجهها حسابات المعارك المؤجلة بدالة التخلص من حركة النهضة، والطيف الغالب في المشهد السياسي يخوض معاركه السياسية بمنطق الحرب و عليا وعلى أعدائي وما منسوب العنف اللفظي الذي يواكب السجال السياسي سوى المؤشر على ثقافة الإقصاء والحقد الكامن في الصدور للغريم الإسلامي، والاستعداد الدائم لاستعمال كل الأسلحة الثقيلة بما فيها الانقلاب على المنظومة لتصفية الحساب مع حركة النهضة، وهذا النهج تعززت القناعة به بعد متابعة مواقف التيار الديمقراطي وحزب الشعب في العهدة الانتخابية السارية، فالاستئصالية تبدو أنها متأصلة في البنية الذهنية للفاعلين السياسيين من يمين ووسط ويسار الخارطة، وتتقاطع تلك الإستئصالية اليوم مع مؤسسة الرئاسة التي عبرت في أكثر من خطوة ومناسبة عن ترصدها المخاتل لأخطاء الغنوشي للانقلاب على الموجود الدستوري، و استبدال منظومة ما بعد الثورة بمنظومة جديدة منطقة الغموض فيها اكبر من مساحة الوضوح.

5. خارج المجتمع السياسي وفي الفضاء المدني نلاحظ اصطفاف اتحاد الشغل في الضفة المقابلة للترويكا الجديدة التي تضم خصمه اللدود ائتلاف الكرامة، وليس خافيا على الرأي العام تعدد لقاءات الطبوبي وسعيد في المدة الأخيرة، فالمنظمة النقابة وهي اهم فاعل في المجتمع المدني اختارت خندقها وحسمت أمرها في الانتصار لجبهة المضاددة للنهضة وحلفائها.

6. دوليا ورغم أن اهتمام الجميع منصب على التعاطي مع وباء كورونا فإن الثابت هو وقوف الطرف الفرنسي في الجهة المعادي للمنظومة الجديدة وللإسلاميين، وقد تعززت مداخل التأثير الفرنسي في توازنات الحالة التونسية باحتوائها لقصر قرطاج، وتقاطع حساباتها مع المحور الخليجي المعادي للديمقراطية والإسلاميين في ليبيا وتونس.

7. طرح مبادرة تعديل المرسوم 116 في ظل المعطيات السابقة يبدو هدية سياسية مباشرة للرئيس ليستعيد المبادرة، ويوجه تطورات الوضع في أفق تفسيخ المنظومة القائمة، باستعمال حق عدم التوقيع على المرسوم بأي تعلة، ومن ثمة تفجير أزمة مفتوحة قد تنتهي بحل استثنائي بعنوان إنقاذ الدولة، مستفيدا من غضب الشارع، ومن عبث النخب، وحدة الأزمة العامة التي تعيشها البلاد بعناوينها ومفرداتها المعروفة.

الخلاصة السياسية من المعطيات السابقة أن معركة المرسوم التي فرضها طرف حزبي جديد تتقاطع في خطابه منازع الطهورية الثورية وفوائض المبدئية مع المزايدة الشعبوية، ليست من الأولويات الوطنية الحارقة، مثلها مثل عنوان التصدي لفساد المنظمة الشغيلة والثروات الطبيعية والسيادة الوطنية وتطهير البلاد من النفوذ الفرنسي، هذه وغيرها شعارات سياسية قد تسعد الشبيبة والشارع، ولكنها تشوش على الأولويات وتنحرف بالممكن السياسي إلى مجاهيل الثورية الجامحة التي لا تتحملها حالة تونسية لم تكن يوما ثورية ولا متجذرة في معالجة عناوين النقلة من زمن الاستبداد إلى أفق الحرية.

الثابت أن مرور المرسوم سيمكن القصر من استعادة المبادرة، و سيدفع إلى ديناميكية تجاذب قد تتحول إلى صراع مفتوح مع الغنوشي والمشيشي، في ظل غياب محكمة دستورية يحتكم لها الجميع، فلن يحتاج سعيد لأكثر من تأويل شكلاني لاحد فصول الدستور، ليمضي مسنودا بكل القوى الداخلية والخارجية المتضررة من الثورة أو الخسارة من الديمقراطية، لنسف المنجز الدستوري والموجود السياسي لصالح حل إنقاذي جوهره إعادة مركزة السلطة في نظام مجالسي ظاهره الأفقية وجوهره عودة لرئاسوية مطلقة قد تكون اتعس من نظام المخلوع الذي ثار عليه التونسيون.

كل المؤشرات الداخلية والخارجية حمراء وتنذر بسنة سياسية ساخنة، وتأقطب حدي جديد يذكرنا بصائفة 2013، واعتصام باردو الشهير الذي كان واجهة انقلاب ماثل أمام الجميع بتصريح واضح من أصحابه، وليس بتلميح مخاتل من محركيه كما هو حال اليوم، ومن دون المرزوقي في قرطاج ولا لعريض في القصبة، ولا حكمة الباجي في باردو، ولا حاضنة شبابية ثورية هادرة في الشارع، ولا مظلة دولية مساندة أو متعاطفة مع تونس الثورة.

كل المؤشرات حمراء، واي خطأ تقديري من المعنيين بالحفاظ على التجربة قد يعصف بالمركب وراكبيه. فلينتبه الجميع إلى أن الشيطان يسكن الفواصل وقد يكتب فاصل تعديل المرسوم 116 في حساب التاريخ كعنوان لخطيئة وطنية كبرى، ثمنها إلحاق التجربة التونسية بمشهد البؤس والفََوضى والدم المخيم في بقية بلدان الثورات العربية.

الرأي العام

شاهد أيضاً

احذروا جنون الديمقراطية

نور الدين الختروشي  من السهل بل من الكسل الذهني أن تقصف البلاد بتحليل كارثي لأوضاعها …

حركة النهضة : الجيل الثالث بين هاجس تجديد التجربة وممكن فسخها (3)

نور الدين الختروشي  (الجزء الثالث) 2. جيل ما بعد الليبرالية وهاجس الحرية : الجيل الثالث …

تعليق واحد

  1. 8- الوضع المأزوم الذى تشهده حركة النهضة وهنا تجدر الا شارة الى موقف سمير ديلو . يعني
    احتمال عدم تصويت عدد من كتلة النهضة لصالح المبادرة.

اترك رد