الأربعاء , 21 أكتوبر 2020

هل أدلّكم على أهل بيت..

نصر الدين السويلمي 

من الخطأ الاعتقاد أنّ القرآن الكريم جاء ليحمل الناس من القرن الخامس ميلادي إلى القرن الواحد العشرين، من الخطأ أيضا التعامل مع كتاب الله كعلم من علوم المستقبليّات جاء ليستكشف القادم ويتجاوز المجتمعات التي عاصرت الدعوة ويقفز على حياتها وأنماطها وسلوكاتها، ما كان للقرآن أن يتجاهل المحاضن ويستكبر على الوضع المعاش ويحلّق بعيدا عن قدرة المجتمع ووعيه وحصالة إدراكه، أبدا لقد جاء القرآن ليتفاعل مع البيئة التي نزل فيها، يعدّل معتقداتها، يقلّم جنوحها ويجفف ظلمها وينير ظلامها، يحترم خصالها ويترفّق بوعيها، ينقّيها يهذّبها يزوّدها بمقوّمات عصرها من أجل الانطلاق. من السذاجة الاعتقاد أنّ القرآن كان يجب أن يحكي لقريش عن ناطحات السحاب وعن الأقمار الصناعيّة وعن بورصة الأوراق النقديّة .. ثمّ إنّه ما كان للقرآن أن يخاطب المجتمع النسائي الذي أثّثته خديجة بنت خويلد وهند بنت عتبة وأم جميل وخولة وعائشة وأسماء بخطاب مجتمع نساء 2020.

انطلاقا من الواقعيّة والتفاعل مع الحاضنة استنفذ القرآن الكريم كلّ الممكن في إبراز المرأة وإدماجها في النصّ، ليس وفق نظام الكوتة والمجاملات الثقافيّة المشرومة المخاتلة المبيّتة، وإنّما وفق نظام الحاضنة والسياق وطبيعة المجتمع الذي يخاطبه الوحي والذي سينهض بالرّسالة، ولعلّه من روائع النصّ القرآني ذلك الغوص الذي أحدثه حول نبي الله موسى، تلك عمليّة مسح دقيقة وغير مفتعلة ولا هي شاذّة عن مجمل الصورة، غاص القرآن في محيط مجتمع ذكوري مطبق وبشكل مطلق فاستخرج خمس نساء أدمجهن في النصّ بل وجعل لهن بصمات محمودة في تأهيل نبي الله موسى إلى مرتبة النبي الكليم.

في البدء كانت أمّ موسى التي تكفّلت بالحمل ثمّ ارتقت إلى درجة متقدمة من اليقين حين أمرها ربّ العزّة أن تلقي فلذة كبدها في اليم، فلم تعقّب ولم تطالب الله بآية ولا بضمانات، بل توجّهت بخطابها إلى الفتاة أو المرأة الثانية التي ستلعب أحد الأدوار المهمّة في حياة الكليم، توجّهت إلى ابنتها أي أخت موسى، ولم تزد عن قول “قصّيه”، هنالك تنحّت الأمّ وتولّت الأخت مسؤوليّة الأخ، كانت أوّل مهمّة {فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون} ثمّ وبعد أن نفّذت الأخت عمليّة استخباراتيّة محكمة وتمكّنت من التسرّب إلى القصر وانخرطت في موضوع البحث عن مرضعة بعد أن رفض الصبي كلّ العروض التي قُدّمت له، بعد أن قصّته جاءت المهمّة الأخرى الحاسمة {هل أدلّكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون}، الآن وبعد أن مهّدت الأخت الطريق ستعود الأمّ وتدخل على الخطّ، ستذهب مع قوافل المرضعات اللواتي يتقاطرن على القصر للفوز بإرضاع الصبي ومن ثمّ بعطايا القصر، وفعلا أقبل الصبي على ثدي أمّه فتعاقدت الأمّ الحقيقيّة مع عدو الله وعدو موسى على إرضاع النبي الذي سيقوّض عرش الطاغية الذي ربّاه في قصره وبحث له عن مرضعة واستأجر أمّه لترضعه!!! في هذا المقام ومع هكذا أحداث متداخلة قد يختلط الأمر حتى على الآلات الحاسبة، لكنّه قدر الله ومشيئته وتصاريفه وتدخّلاته حين يستنفذ عِباده وعُبّاده الممكن ويستجيبون إلى الأسباب…

تلك مشاهد جميلة ليس أجمل منها إلّا هذه الخاتمة البشرى، الخاتمة الراقية الرائعة التي زفّتها لنا الآية 13 من سورة القصص {فردّدناه إلى أمّه كي تقرّ عينها ولا تحزن ولتعلم أنّ وعد الله حقّ ولكن أكثرهم لا يعلمون}.
أيتها المسلمات المؤمنات القانتات الصادقات الصابرات الخاشعات المتصدقات الصائمات وحتى العاصيات المقصرات.. إلى هنا انتهى دور الأمّ والأخت، وحتى لا نطيل سنرحّل بقية الخماسي إلى وقفة أخرى مع أدوار متقدّمة ستلعبها ملكة مؤمنة وفتاتين من بادية مدين، هذه قصّة ضمن سلسلة أحسن القصص واستجابة لأمر واقصص القصص ثمّ هي تأتي ضمن سورة القصص.. يتبع إن شاء الله..

شاهد أيضاً

أمّا أن أكفر بالله فلا والله..

نصر الدين السويلمي  {قال إنّي أريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني ثماني حجج …

أعظم ضحكة في تاريخ البشريّة

نصر الدين السويلمي  حقا وصدقا “لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب” كيف لا وها هي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.