الجمعة , 30 أكتوبر 2020

مقاطعة تركيا دلالتها وشروط الانتصار عليها

أبو يعرب المرزوقي 

لو كانت السعودية جادة وقادرة على مقاطعة تركيا لفعلت قبل الآن وخاصة في ذروة ازمه اغتيال خاشقجي.

وإذا صح أنها تفعل الآن فلا بد من أحد أمرين:

  1. أن السعودية لم تعد تخشى رد فعل تركيا.
  2. وأنها وجدت البديل عما تستورده من تركيا بصورة أيسر وكلفة أقل لأن وضعها الاقتصادي الحالي صار حرجا.

لكن إمكانية خسارة ترامب تجعل ولي العهد في وضع لا يسمح له بخوض معركة مع تركيا. فنجاح الديموقراطيين قد تعني نهايته. ولا مفر له من مهادنة قوى الإقليم -تركيا وإيران- إذ حتى إسرائيل لن تستطيع مساعدته في قضيتي: جريمة خاشقجي وحرب اليمن. والأزمة الاقتصادية مع الجائحة تحتم سياسة أكثر حذرا.

لذلك فعندي أن إثارة هذه المسألة هي بالأساس مؤامرة إماراتية إسرائيلية ضد السعودية لتوريطها في معركة شبيهة بالمعركة مع قطر حتى تغرق وتصبح مضطرة للتطبيع فتساعد ترامب. فبذلك يمكن أن يغروا ولي العهد. لكني مهما اعتقدت في أنه احمق فإني لا أصدق أنه يمكن أن يقامر لأن حظوظ ترامب شبه منعدمة.

لذلك فإني اعتقد أن الأسرة الحاكمة في السعودية ستعود لسياسة الحذر التقليدية للخروج من المأزقين مع تركيا ومع إيران خاصة وهي قد غسلت يديها من مصر وبدأت تخسر باكستان مع العلم بأن شعبيتها في الإقليم دون الصفر. ومن ثم فأنا متأكد أنها ستسعى للمصالحة مع قطر وتوسيطها بينها وبين تركيا وإيران قبل الطوفان.

ومع ذلك فيمكن أن يكون الأمير الأحمق خاضعا لابتزاز خطير من الإمارات ومن إسرائيل فيقدم على الانتحار بمثل هذا السلوك. وهذا هو ما يعنيني من المحاولة أي افتراض أن الأحمق يركب رأسه ويتصور أنه يمكن أن يسهم بالمقاطعة في ضرب الاقتصاد التركي. والأمر عندئذ يتعلق بتقدير فاعلية هذه المقاطعة.

وتقدير فاعلية المقاطعة أي تقدير تأثيرها وزمانيتها على اقتصاد بلد كبير مثل تركيا هو انه لن يكون شديد التأثير على الأقل في المدى القصير وإن كان مرتبطا بحجم التبادلات بينها وبين المقاطعين -السعودية والإمارات- لأنهما لا يحتكمان إلى قانون الاقتصاد الحديث مثل غيرهم بل يقودهم الحمق السياسي.

وقبل أن أدرس حظوظ المقاطعة ودرجة تأثيرها لا بد من الإشارة إلى أن الخليج فيه دولتان غنيتان تعاديان تركيا ودولتان غنيتان تصادقانها. ومن ثم فما تخسره في الأوليين يمكن أن تعوضه بما تربحه في الثانيتين. خاصة والمؤثر الأساسي في الدولتين المعاديتين لن يقاطع تركيا: إسرائيل وأمريكا.

فرجال الأعمال في إسرائيل وفي أمريكا لا يأتمرون بنزوات الحكام بل تحكمهم المصلحة الاقتصادية فضلا عن الحاجة الأكيدة لتركيا في أزمة كوفيد وفي محاولة الوصول إلى حلول في شرق المتوسط وفي سوريا وحتى في ما تستعد له أمريكا وتتبعها إسرائيل من صدام قد لا يتأخر مع الصين. لا بد من استقرار الإقليم ومهادنة تركيا.

ثم إن طبيعة البضاعة والخدمات التي تصدرها تركيا في أزمة الكوفيد يعسر تعويضها في الأمد القصير وحتى المتوسط إذ يعسر أن يصدر بلد المواد الغذائية والخدمات الطبيعة إذا كان هو بدوره موردا وغير حاصل على الاكتفاء الذاتي فيهما. ولو كانت السعودية والإمارات قادرتين على مقاطعة تركيا لما تأخرتا إلى الآن.

هل معنى ذلك أننا في غنى عن حملة التأييد لتركيا؟ كلا لابد منها. فزيادة الخير ليس فيها ندامة. لكن هذه الحملة لا ينبغي أن تكون مجرد دعوات عاطفية بل لا بد أن تعتمد على مبدأين.

  1. الأول اقتصادي خالص ويخاطب رجال الأعمال ممن تحرروا من سلطان الحكام وقد يكونوا من الحكام أيضا لأن بعضهم تجار. أما المخاطبون الأعم فهم المستهلكون من المتعاطفين مع قضايا الأمة.
  2. الثاني تضامني هادف ويتمثل في الرد على المقاطعة بمقاطعة أقوى لأنها تجعل التجار الذين يستوردون البدائل عن البضائع والخدمات التركية يوجدون في وضعية عدم نفاق ما يستوردونه لأن المواطنين يقاطعونه.

فمثلا الكلام على البديل الإسرائيلي يكون الرد عليه بمقاطعة ذات وظيفتين. وهي ستكون في آن محاربة للتطبيع مع إسرائيل ومساندة لتركيا. فنحارب المقاطعة بما يتجاوز العاطفة ببيان الغاية السياسية والروحية منها لأن ما بين هذين الوجهين من المقاطعة المضادة -مقاومة التطبيع ومساندة الاقتصاد التركي- يجعل المقاومة متجاوزة للإقليم إلى كل المسلمين وكل أحرار العالم فتحصل الفاعلية الأتم.

فإذا أضفنا الأسواق الكثيرة التي فتحتها تركيا في ليبيا وبعض بلاد أفريقيا وخاصة في القرن الأفريقي تبين أن مقاطعة تركيا متأخرة وهي ستكون شبه عديمة الأثر. وإذا أضفنا أن جل بلاد العالم ستكون بسبب الجائحة محتاجة إلى زراعة تركيا وإلى خدماتها الطبية فإن التهديد السعودي الإماراتي سيكون عديم الأثر.

بل هو سيكون مؤثرا على أصحابه أكثر من تأثيره على تركيا: ذلك أن وصول علاقتهما بشعوب الإقليم إلى درجة الصفر سيجعل الناس تعمل بمنطق  “المحظور مرغوب فيه” حتى تحديا لمن حظره.

ثم إن زراعة تركيا وخدماتها وأسعارها المقبولة يجعل بضائعها وخدماتها قادرة بذاتها على حماية نفاقها في الأسواق فتبطل المقاطعة أو تقلل تأثيرها إلى حد كبير. وتلك هي مهمة الوسطاء. لكل الوسطاء الذين يعلمون أن التجارة مع تركيا مربحة سيجدون السبل لتجاوز المقاطعة بكل الطرق التي لا يتخيلها حتى “الشيطان”. لذلك فاعتقد أن المعركة خاسرة. وعلى كل فهي دون حربهم على عملة تركيا التي خسروها ودون حربهم الإرهابية باستعمال الأقليات الكردية العلمانية.

عجز النخب العربية الحاكمة على الفهم الاستراتيجي لما يجري في العالم -بدليل الإخفاقات المتوالية- وصل إلى بلحتنا في تونس لأن موقفه من تركيا تحكمه نفس عقلية أدعياء الممانعة والمقاطعة فصارت تونس مهددة مثل مصر والعراق وسوريا بالاستسلام إلى أعداء تركيا فجمعوا بين العثمانوفوبيا والإسلاموفوبيا.

ولهذه العلة كتبت المحاولة السابقة التي وصلت فيها بين نقل قاعدة انجرليك وإحياء قاعدة بنزرت وعلاقتهما بالإصلاح السياسي. والأمر بدأ في تونس مع بلحتها كما تبين من موقفه من معركة تحرير ليبيا من الاحتلال الفرنسي ومن الانقلابي حفتر والانضمام إلى صفي الثورة المضادة التابعة لإيران والتابعة لإسرائيل بقيادة ماكرون العلنية.

فقصر النظر جعلهم يتصورون فرنسا ما تزال قوة عظمى وتركيا يمكن أن يخيفها بوتين ولم يتعلموا حتى من صمود إيران رغم الفارق الكبير بين قوة تركيا وقوة إيران التي لا تقاس بها ماديا وروحيا لأن الأتراك أحفاد إمبراطوريه ولهم حاليا إمكانية تكوين “ولايات متحدة تركية” بحجم القوة العظمى. وقلت “ولايات متحدة تركية” ولم أتكلم على الخلافة لأن الاستئناف الإسلامي لا يمكن أن تقوده تركيا بحجمها الحالي. ومن ثم فتوحيد أتراك العالم شرط ضروري وكاف لكي يصبح لتركيا ما كان لها عندما رعت دار الإسلام وحمتها إلى بداية القرن الماضي. وإنها لقادرة على ذلك بعون الله رغم كل المؤامرات.

كيف ذلك؟
قد يتصور الكثير أني ارجم بالغيب عندما أعبر عن تفاؤل لا يفهمه الانهزاميون الذين هالتهم عنتريات ماكرون وبوتين وخيانات أحفاد سايكس بيكو وأوهام إيران وإسرائيل وخاصة بلحة مصر وبلحة تونس اللذين يمثلان ساندروم الحمق الاستراتيجي عند نخب العرب الحاكمة. لكن من يحلل ما يجري في الإقليم الذي تحاول قواه محاصرة تركيا وإضعافها وما يجري في العالم الذي تحاول قواه تعويض أمريكا في قيادته يفهم حتما أن اتجاه أرياح التاريخ الراهن يدفع بشراع تركيا للتغلب على الحصار ويفرض على أمريكا التعاون معها لئلا تصبح محاصرة ممن يريد إزاحتها بنظام بديل.

لن أهتم اليوم بقضية أمريكا والتنافس مع الصين خاصة إذ سبق أن عالجتها. سأكتفي بقضية تركيا ومحاولة منعها من فتح جناحيها والشروع في تحقيق شروط الاستئناف التركي أولا والإسلامي ثانيا.

فحظوظ تركيا سلبا هي عجز أعدائها الخمسة عن محاصرتها رغم حلفهم البين:

  • فرنسا وروسيا وإيران
  • وإسرائيل وأحفاد سايكس بيكو

فضلا عن الموجب من حظوظها.

والحلفاء المعادون لتركيا معلومون وسعيهم بين لأنه ليس في الاقوال فحسب بل في الأفعال الحرب العسكرية والحرب الاقتصادية:
في ليبيا وفي سوريا وفي قاراباخ وفي شرق المتوسط وفي القرن الإفريقي وفي السودان وحتى في العراق. فهم جميعا في أضعف حالة تضاف إليها نتائج الجائحة التي شاء الله أن تكون سياسة تركيا الصحية قد حدت من مفعولها. ولست بحاجة لإثبات ما عليه إيران وأحفاد سايكس بيكو من وهن. ما قد يشكك فيه الكثير هو حال إسرائيل وروسيا. وبهما سأختم المحاولة.

ويمكن القول إن فرنسا ليست في حال أفضل لكنها بين بين رغم أوهام الكثير ممن يتصورونها قوة عظمى:
فقيادتها الحالية وبعض نخب العرب يعتقدون أنها تخيف تركيا لأن لها حق الفيتو والسلاح النووي. ورغم الفيتو والسلاح النووي فإن حكام فرنسا ونخب العرب الذين يهولون من قوتها فهي أوهى من بيت العنكبوت. فبمجرد خروج إنجلترا وانشغال أمريكا بهمومها أصبحت الوحدة الأوروبية التي لم تكتمل في مهب الريح ولا واحدة من قواها بقابلة لزعامة فرنسا وخاصة بعد أن صار رئيسها “بلحة” هو بدوره يسعى للبقاء في الحكم بصرف النظر عن مصلحة فرنسا الآجلة.

فماكرون مهووس بوهم العظمة دون شرطيها المعرفي والقيمي: ففرنسا الحالية بلغة ماو نمر من ورق. ماكرون لم يفهم بعد أن شعوب أفريقيا لم تعد على هوى الفرنكوفونية وأن فرنسا من دون أفريقيا ستصبح قزما أوروبيا لأن ألمانيا وحتى إسبانيا وإيطاليا لا يمكن أن يقبل أي منهم زعامة فرنسا بل هم سيشرعون في تموقع جديد. اعتماد فرنسا في أفريقيا على نخب فرنكوفونية دليل ضعفها لأنها بذلك تعادي الشعوب الأفريقية والاسلاموفوبيا تقوي هذا الشعور عندهم فضلا عن كونها قد تخرب فرنسا نفسها لأن سياسة “تجفيف المنابع” التي يتوخاها ماكرون قد تؤدي إلى حرب دينية مثل ما حصل بين الكاثوليك والبروتستانت في عهد لويس الرابع عشر (فنتابلو).

وختاما فالحروب ليست بالسلاح وحده بل بالرجال والعقيدة. والشعب الفرنسي غالب شبابه -إذا ما استثنينا قلة هي اليمين المتطرف- لم يعد يؤمن بالحروب الاستعمارية. ومن ثم فليس لفرنسا جيش قادر على الغزو. وهي اليوم عاجزة عن خوض حرب في دار الإسلام. فحتى في عصر انحطاطنا استطعنا الانتصار عليها لأنها فشلت في الغاية رغم “متحف” الجماجم.

أمر إلى بوتين وتكفي جملة واحدة: حرب تحرير أذربيجان كافية لفهم القصد من القول إن وضع بوتين لا يحسد عليه. فحتى نفهم ذلك فلنحلل موقف إيران. فما حلمت به إيران لحمايتها من “الولايات المتحدة التركية” في ما بين الصين وروسيا من آسيا فشل فشلا ذريعا. وهو ما يخشاه بوتين أكثر من إيران. فإيران ستخسر الكثير من استئناف وحدة أتراك آسيا. كلهم مع تركيا الحالية. ومثلها روسيا. وقد تصبح تركيا القوة العظمى في هذا المجال الفاصل بين الصين وروسيا التركية وتستعيد تركيا كل ما خسرته في عصر الانحطاط ويتقزيم من كان متغولا ضد الخلافة: صفوية إيران وقيصرية روسيا.

أما إسرائيل فهي محمية غربية عامة وأمريكية خاصة. لكن ما سبق أن وصفت سيجعلها بعد الآن لا تطالب بتطبيع الإقليم معها بل هي ستفهم أنه عليها هي أن تطبع مع الإقليم إذا أرادت أن تبقى فيه وبشروط الفلسطينيين وإلا فلا الغرب كله ولا أمريكا خاصة بقادرين على حمايتها من الاستئناف لأن قادته ليسوا من أحفاد سايكس بيكو بل هم من أحفاد الأمة الإسلامية.

شاهد أيضاً

الديمقراطية، شروط التحديثي والتأصيلي الكاريكاتورية

أبو يعرب المرزوقي  كلما سمعت “مثقفا” يدعي الحداثة يرهن أهلية الشعوب لقيادة نفسها سياسيا بما …

الإعلام: ما مشكله ؟ ولماذا يعسر علاجه ؟

أبو يعرب المرزوقي  ما فهمته من مشروع الإصلاح المقترح هو الإصلاح بإطلاق حرية المبادرة والاعتماد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.