الجمعة , 30 أكتوبر 2020

“الديمقراطية” و”الاستثناء الإسلامي”

عادل بن عبد الله 

لو أردنا اختزال الساحة السياسية التونسية إلى ثنائية توليدية كبرى (أي ثنائية تُشتق منها باقي الثنائيات المنتجة للهويات الحزبية والمتحكمة في هندسة الحقل السياسي بل الفضاء العمومي ذاته، لقلنا إنها ثنائية “العائلة الديمقراطية” من جهة، و”الإسلاميين” ومن يقبل بـ”التنازل” عن صفته الديمقراطية بالتحالف معهم (أو حتى بعدم إعلان معاداتهم صراحة) منذ رحيل المخلوع.

وقد يبدو هذا الأمر غريبا في حقل سياسي تهيمن عليه سرديات كبرى لم تُعرف بديمقراطيتها، سواء في أدبياتها السياسية (النصوص التأسيسية) ولا في تجاربها في الحكم داخل تونس أو خارجها. فلا البورقيبية (وهي التي حافظت على دور “السردية الكبرى” التي تكتسب باقي السرديات المتنافسة شرعية وجودها من الاعتراف بدورها التحكيمي والمرجعي في بناء “المشترك الوطني”)، ولا الأيديولوجيات اليسارية والقومية تستطيع ادعاء أن الديمقراطية بالمعنى الليبرالي المتداول كانت (أو هي الآن) جزءا من نقاط قوتها نظريا وإجرائيا، سواء داخل تنظيماتها الحزبية والنقابية والمدنية وغيرها، دون أن يعني ذلك أن الديمقراطية هي أيضا نقطة قوة الإسلاميين أو حلفائهم الآن وهنا، أو أنها ستكون مشروعهم السياسي المبدئي في حال تغير موازين القوى لصالحهم بصورة يستطيعون فيها فرض قناعات/ إنتظارات قواعدهم شبه السلفية.

الإسلامي أو النقيض المطلق للديمقراطي

إنّ الاشتغال على “انفصامية” القوى الديمقراطية ولا مبدئيتها لا يعني في الحقيقة استئثارها بـ”أمراض” العقل السياسي التونسي أو العربي عموما (الأمر الذي أكدته المآلات الكارثية لأغلب الثورات العربية)، بل يعني فقط أنها هي المتحكم الأهم في إنتاج المعنى من خلال تحكمها في منابر تشكيل الوعي العام وفي آليات ضبطه وتوجيهه.

فأن تكون “ديمقراطيا” يعني بالضرورة أن تتحصل على شهادة أو اعتراف من سدنة الديمقراطية، أي من أولئك الذين نصّبوا أنفسهم سلطة عليا في فرض “أنظمة التسمية” المتداولة والمحمية حتى بسلطة الدولة. فأنت تسطيع أن تكون ماركسيا ديمقراطيا (رغم أن ديمقراطيتك الشعبية لا علاقة لها بالديمقراطية الليبرالية)، وتستطيع أيضا أن تكون قوميا ناصريا أو بعثيا ديمقراطيا (رغم التاريخ اللاديمقرطي للتجارب القومية)، وتستطيع أخيرا أن تكون دستوريا- تجمعيا ديمقراطيا (رغم عدم وجود أي شواهد على ديمقراطية سلفك البورقيبي أو التجمعي)، ولكنك لا تستطيع أبدا أن تكون إسلاميا ديمقراطيا.

لا شك في أنّ المصادرة على أن الإسلامي هو كائن غير ديمقراطي بالجوهر؛ لا يمكن أن تُردّ إلى تفسير تاريخي (فتجارب الإسلاميين في الحكم ليست أسوأ من تجارب القوميين واليساريين والتجمعيين وسلفهم البورقيبي)، ولا إلى تفسير اقتصادي (فما الذي يجمع بين الليبراليين واليساريين في مستوى الطرح الاقتصادي؟)، ولا إلى اعتبارات مصلحية براغماتية (فقد كانت الفرصة مواتية للتخلص من التجمعيين في مختلف مواقع القرار والنفوذ، ولكنّ “العائلة الديمقراطية” دافعت عنهم واعتبرتهم جزءا منها لتحول دون “اختراق” النهضة للدولة و”أخونتها”).

ولذلك فإننا نذهب إلى أنّ السبب الأعمق لإقصاء “الإسلاميين” من العائلة الديمقراطية ليس سببا اقتصاديا ولا سياسيا ولا مصلحيا (فكل هذه الأسباب هي أسباب سطحية وذات قدرة تفسيرية محدودة)، بل هو سبب أيديولوجي يخترق كل السرديات “المعلمنة” على اختلاف أطروحاتها: مقولة الاستثناء الإسلامي ذات الجذر الاستشراقي. وهي مقولة تسبق ظهور “الإسلام السياسي” بالمعنى المعروف (وكان لها دور كبير في بناء السردية الاستعمارية وفي تحديد التوجهات الكبرى للنخب التي ورثتها بعد تحقيق الاستقلال الصوري، أي زمن “الاستعمار غير المباشر”)، ولذلك فإنها كانت تستهدف “الإسلام في ذاته” باعتباره استثناء عن التراث اليهو-مسيحي، أي باعتباره ديانة لا تقبل بالجوهر عملية التحديث (فهو قوة رجعية جاذبة إلى الوراء، بل قوة لا وظيفية في المستوى القيمي والتشريعي)، وباعتباره أيضا رؤية” ما قبل حداثية” للوجود وللانتظام السياسي، بحيث لا يمكن لها أبدا أن تتصالح مع الفلسفة السياسية الحديثة، ومع ما يؤسسها من مبادئ حقوقية في المستويين الفردي والجماعي.

نحو طرح جديد للصراع العلماني الإسلامي

إن طرح الإشكال في مداره الفلسفي الأصلي سيجنبنا الكثير من الجهد العبثي في تدبر كل هذه الصراعات بين القوى “الديمقراطية” و”الإسلاميين” (وكل هذه التقاطعات بين فرقاء الأمس من القوى العلمانية) وفهم أسبابها العميقة، كما أنه سيساعدنا على طرح الأسئلة الحقيقية حول سبل الخروج من المأزق التاريخي الذي تعانيه الثورة التونسية. وهو ما سنحاول المساهمة فيه طيّ مقالنا القادم انطلاقا من هذه الأسئلة:

لماذا يصرّ “الديمقراطيون” على استصحاب مقولة “الاستثناء الإسلامي” في صراعهم ضد الإسلاميين، وهل يوجد فاصل حقيقي بين ذلك الصراع وبين استهداف “الإسلام في ذاته” و”بَولسة الدولة”، كما حصل في سياسات “تجفيف المنابع” زمن المخلوع؟

ماذا فعل “الإسلاميون” ليوضّحوا الفارق بينهم (باعتبارهم فهما في “الإسلام”) وبين “الإسلام في ذاته” (باعتباره قاسما مشتركا بين كل المواطنين بنص الدستور ذاته)؟

ماذا فعل الإسلاميون للتصالح مع واقع علمانية الدولة والكثير من التشريعات، وما مدى مساهمتهم في “رفع التناقض” بين الإسلام والعلمانية حتى في صيغتها الجزئية لا الشاملة (على حد قسمة المرحوم عبد الوهاب المسيري)؟

هل إن “الديمقراطية” هي فعلا صفة متحققة في مختلف الفرقاء السياسيين (بعلمانييهم وإسلامييهم)، أم إنها مجرد أفق ينبغي الاشتغال على بلوغه “معا” (أي باعتراف المتبادل بين العلمانيين والإسلاميين)، بعيدا عن لغة التنافي ومنطق الصراع الوجودي؟

هل يمكن إعادة التفاوض على المشترك الوطني دون “أسلمة الدولة” أو “علمنتها الشاملة” في طل واقع التخلف والتبعية وغياب أي مشروع وطني جامع؟

وأخيرا، كيف يمكن بناء أي مشروع وطني دون مراجعات نقدية جذرية من جهة أولى، ودون الاعتراف بحق المختلف في صياغة ذلك المشروع والمساهمة فيه على قدم المساواة مع غيره؟

•••

في خاتمة الجزء الأول من المقال، كنا قد طرحنا جملة من الإشكاليات التي يمكن اختزالها في قضية “الآفات” أو “العوائق” التي تمنع الإسلاميين والعلمانيين على حد سواء من تجاوز المأزق النظري والسياسي الذي يرهن علاقتهم بعضهم ببعض من جهة أولى، وباستحقاقات الثورة وانتظارات عموم المواطنين من جهة ثانية. وكنا قد طرحنا أيضا مسألة “الاستثناء الإسلامي” باعتبارها جزءا جوهريا من أزمة بنيوية يعيشها العقل السياسي التونسي (بل العربي) سواء في علاقته بالإسلام أو في علاقته بالفلسفة المؤسسة للانتظام السياسي في الدولة- الأمة أو ما يِسمى بـ”الدولة الوطنية”، خاصة فيما أسماه أحد الباحثين بـ”النموذج الكمالي”، نسبةً إلى كمال أتاتورك، كما هو الشأن بالنسبة لتونس.

وجها الاستئصال والرهان الديمقراطي

ولو أردنا أن نعيد صياغة عنوان المقال بصورة إشكالية تتجاوز علاقة العطف أو “الترصيف” بين الديمقراطية والاستثناء الإسلامي، فإننا سنطرح السؤال التالي: إذا كان من الصعب على القوى العلمانية أن تقبل ببناء ديمقراطية “مع” الإسلاميين باعتبارهم “شركاء” لا غنى عنهم في المشروع الديمقراطي، فهل يمكن بناء تلك الديمقراطية “دون” الإسلاميين بمنطق الاستئصال الناعم (عدم اعتماد الحل الأمني، لكن مع الانقلاب على نتائج الانتخابات، أو حتى التحالف مع ورثة المنظومة القديمة لتحييد الإسلاميين ولترسيخ استبعادهم من مراكز القرار السياسية والإدارية، بدعوى منع “أخونة الدولة” والدفاع عن “النمط المجتمعي التونسي”)، أو بمنطق الاستئصال الصلب (اعتماد المقاربة الأمنية أو “الحل النهائي” القائم على اعتبار الإسلاميين جسما غيرَ سياسي هو أقرب إلى “التنظيم الإرهابي” الذي يجب اجتثاثه، مهما كانت كلفة ذلك بشريا أو اقتصاديا)؟

المستبد الذي يخترق ضديده

لعل من أهم الآثار غير المنبثقة (أي غير المقصودة) للاستبداد هو أنه لا يطبع البنية الذهنية لمناصريه والمستفيدين منه فحسب، بل يخترق البنية الذهنية لخصومه بصورة تجعلهم (كما تشهد على ذلك العديد من التجارب) يعيدون إنتاج خطاباته وممارساته بعد وصولهم إلى السلطة.

ولا شك في أن تونس بعد هروب المخلوع (وانطلاقا من المرحلة التأسيسية مرورا بمرحلة التوافق وانتهاء بانتخابات 2019) لم تستطع الخروج من هذه القاعدة، بحيث وجد المواطنون أنفسهم في “ديمقراطية صورية” لم تستطع، رغم ادعاءات أغلب المستفيدين منها، أن تعدل إلا القليل في فلسفة “ما دون المواطنة”، أو “المواطنة المشروطة” التي حكمت تونس قبل الثورة خلال اللحظتين الدستورية والتجمعية.

هل تصلح البورقيبية لإدارة الجمهورية الثانية؟

منذ أن توافقت النخب السياسية التونسية بإسلامييها وعلمانيينها وعلمانييها على اعتماد البورقيبية لإدارة الثورة ومأسستها (وهو ما أظهر عجزها عن بناء سردية الثورة التي لا تكون بالضرورة قطعا مطلقا مع ما سبقها، ولكنها بالضرورة لا تكون إلاّ تجاوزا جدليا له)، لم يعد من الممكن طرح أية مراجعات مكلفة، داخليا وخارجيا) لمدى قدرة البورقيبية (باعتبارها أيديولوجيا كمالية لائكية) على بناء الجمهورية الثانية بصورة لا تتحول معها إلى مجرد لحظة مستأنفة في الجمهورية الأولى، ولم يعد من الممكن أيضا التفاوض الجماعي حول صلاحية الفكر البورقيبي على تنظيم العلاقات السياسية وهندسة الفضاء العمومي، في سياق مختلف جذريا عن سياقاته الأصلية التي كرست التحديث القسري والجهوية والزبونية والاغتراب الثقافي؛ في إطار “الدولة- الأمة” باعتبارها نقيضا فكريا لكل انتظام/ مشروع سياسي يتجاوز الحدود الجغرافية لـ”الأمة التونسية”، ولأساطيرها التأسيسية التي كرّسها “المجاهد الأكبر” والجنرال المخلوع الذي انقلب عليه سنة 1987.

في ضرورة تجاوز الأوهام وتكسير الأصنام

إن طرح قضية الديمقراطية وعلاقتها بمقولة الاستثناء الإسلامي لا يمكن أن ينفصل عن طرح قضية علاقة البورقيبية (ومَن ورثها من التجمعيين وحلفائهم في اليسار الثقافي المدجن من طرف الدولة أو حتى المعادي لها) بالديمقراطية تنظيرا وممارسةً، كما لا ينفصل عن طرح غياب المشروع الوطني الجامع (أو الكلمة السواء) الذي يمكن أت تتوافق عليه القوى العلمانية والإسلامية دون أن تتخلى بالضرورة عن هوياتها الخاصة، أو حتى عن علاقاتها التنافسية لإدارة الشأن العام، لكن دون بلوغ مرحلة التنافي والصراع الوجودي.

ولكن ذلك كله لا يجب أن ينسينا ما على الإسلاميين القيام به من مراجعات فكرية (في علاقتهم بالثورة واستحقاق الجمهورية الثانية أساسا)، أي مراجعات تتجاوز مفهوم “التَّونسة” البائس الذي هو مجرد خضوع للنخب الفرنكوفونية المعلمنة، أو مجرد بحث عن “التطبيع” مع النواة الصلبة للمنظومة القديمة للحصول على دور ما في إدارة التخلف والتبعية والفساد وإعادة إنتاج شروطهم.

هل سيفوتون علينا هذه الفرصة التاريخية؟

ختاما، لفهم الواقع التونسي بصورة أقرب إلى الدقة، قد يكون علينا أن نستبدل مقولة “الاستثناء الإسلامي” بمقولة “الاستثناء العربي”، وذلك لأن دولا إسلامية معروفة (مثل إندونيسيا وتركيا وماليزيا) قد فنّدت واقعيا مقولة الاستثناء الإسلامي، بينما عجزت كل الدول العربية (بدرجات متفاوتة) عن فعل ذلك.

ورغم كل ما تقدم من وصف لمظاهر المأزق الفكري والسياسي الذي تعيشه النخب التونسية (بعلمانييها وإسلامييها)، فإننا على يقين من أنها هي الأقدر على تفنيد “الاستثناء العربي”، وبناء تفاهمات أو تسويات تاريخية تكون مدخلا لمشروع وطني جامع قادر على مواجهة التحديات الكبرى التي تعرفها بلادنا في مختلف مناحي الحياة الأمنية والسياسية والاقتصادية.

وليس هذا الحكم من باب “حديث الأماني”، بل هو حكم يستند على سوابق تاريخية أثبتت فيها الكثير من النخب التونسية قدرتها على تجاوز ميراث التنافي والدوغمائيات القاتلة المنذرة بسقوط سقف الوطن على كل من فيه، بلا تمييز ولا استثناء.

عربي21

شاهد أيضاً

بعد سنة من وصول قيس سعيد للرئاسة

عادل بن عبد الله  بعد سنة من جلوس الرئيس التونسي على كرسي قرطاج، يبدو من …

المقاهي دون الحانات

عادل بن عبد الله  كل الدعم لأصحاب المقاهي والعاملين فيها شخصيا لا أرى أي قيمة …

تعليق واحد

  1. الإسلاميون والعلمانيون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.