الجمعة , 30 أكتوبر 2020

في فرنسا حريتك في أن تكون لائكيا كاثوليكيا

أحمد القاري 

الدولة الفرنسية اعتبرت الدين دائما شأنا من شؤونها الرئيسية. وسعت للتحكم فيه وتسخيره لمصالحها كما فعلت مع الكاثوليكية أو محوه من الوجود كما فعلت مع غيرها من المذاهب.
فرنسا اعتبرت نفسها بنت الكنيسة، ورأت أنها أحرى بأن تكون مركز النصرانية من روما. فكانت لقرون تبذل الجهد لتسيطر على البابوات وعلى إيطاليا نفسها حين تستطيع ذلك.
تمكنت فرنسا من التحول إلى مركز للبابوات لعدة عقود من الزمن خلال انشقاق الكنيسة الكاثوليكية إلى مركزين واحد في روما والآخر في آفينيون جنوب فرنسا. وما تزال المدينة الفرنسية تفخر حتى اليوم بلقب مدينة البابوات.

مع الثورة الفرنسية حاولت الدولة تأميم الكنيسة وإنشاء كنيسة فرنسية لا تخضع لنفوذ بابا روما. وحين فشلت المحاولة فشلا ذريعا تصالح نابوليون مع البابا ووقع مع اتفاقا يجعل الإشراف على الكنيسة شأنا مشتركا بين البابا والدولة الفرنسية.
استمر ذلك الترتيب حتى سنة 1905 حين وجد الإداريون الفرنسيون أن الكنيسة تزاحمهم بل تبعدهم عن إدارة التعليم والصحة وتستهلك أموالا طائلة من الخزينة فقرروا الفصل بين الكنيسة والدولة ليستردوا قطاعات حيوية لإشراف “الجمهورية”.
ومع ذلك ظلت الكنيسة تدير نسبة مهمة من المدارس الخاصة والمستشفيات وتتطلع دائما لليوم الذي ترجع فيه فرنسا إلى وضع يشبه حال الدول المحيطة بها كإسبانيا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا حيث تجمع الدولة الضرائب للكنيسة وتقبل بنفوذها الواسع وتتعايش معه باعتباره أمرا واقعا.
أما المذاهب غير الكاثوليكية فقد كان مصيرها المحو والسحق.

أين الإسلام جنوب فرنسا وماذا بقي منه بعد حضوره لقرون؟ لم تترك محاكم التفتيش فرصة لمسلم واحد من أبناء الأرض الأصليين للبقاء على دينه. ولم يظهر الإسلام في المنطقة من جديد إلا مع الهجرات الحديثة في القرن العشرين.
وماذا حل بالفرنسيين الذين اعتنقوا البروتستانتية؟ لقد تم اجتثاثهم وإجبار نسبة منهم على الرحيل إلى الدول المجاورة أو الرجوع عنوة للكاثوليكية. لذلك بقيت في فرنسا قلة قلية من البروتستانت رغم أن أحد أهم أحبار هذا المذهب هو الفرنسي كالفن الذي لجأ إلى جنيف حتى ينجو بنفسه وعقيدته.
التسامح مع العقائد الأخرى في فرنسا رهين بأن تظل أقلية بلا تأثير يذكر. وأن تظل خاضعة لا تتحدى نمط الحياة الفرنسية اللائكي ظاهرا الكاثوليكي باطنا. حرية العقيدة والدين في فرنسا هي حريتك في أن تكون لائكيا كاثوليكيا، ولا شيء غير ذلك.

شاهد أيضاً

النظام الأميركي يعيش أزمة دائمة منذ تأسيسه

أحمد القاري فهو قائم على توازنات فيها عناصر غير ديمقراطية. مثل مجلس الشيوخ الذي تتساوى …

القضية اللغوية

أحمد القاري بعد سنوات من نقاش القضية اللغوية والاطلاع على تجارب عشرات البلدان، خلصت إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.