الجمعة , 30 أكتوبر 2020

رعونة ماكرون قزم ينكص من نانت إلى فونتانبلو

أبو يعرب المرزوقي 

لعل دمية قرطاج لم يخطئ عندما اعتبر نفسه تلميذ ماكرون فقبل كتفيه باعتباره حاميه ومثاله الأعلى.
فله مثله نفس الرعونة والحمق في الإيمان بالنكوص التاريخي والخلقي.
فماكرون القزم يريد النكوص بفرنسا الحالية من فرمان نانت لهنري الرابع Édit de Nantes إلى فرمان فنتانبلو للويس الرابع عشر Édit de Fontainebleau دون أن يكون بعظمة أي منهما: الأول في التسامح والثاني في العنجهية.
فهو في علاقة بمسلمي فرنسا بداية وأوروبا غاية يريد العودة بفرمان لويس الرابع عشر إلى ما كانت عليه علاقة الكاثوليك بالبروتستنت قبل هنري الرابع والمسلمون السنة هم عنده بروتسنت لويس الرابع عشر.

الدمية يريد أن يعود بتونس من حصيلة عقد الثورة والانتقال الديموقراطي من محاولات المصالحة بين الفرقاء إلى الحرب بين ثقافتين متصارعتين بين التأصيل والتحديث حصيلة سعت لتجاوز الكاريكاتوري منهما لأن الأصالة الحية والحداثة المستقلة متطابقتان ولأن أحرار التونسيين شرعوا في التأصيل والتحديث غير التابعين للميت من الماضي الذاتي وللماضي الدخيل المنافي للقيم الكونية بهدف النجاح في معركتي التحرر الداخلي من الاستبداد والفساد والتحرير الخارجي من الاستضعاف والاستتباع.

ورعونة ماكرون يكررها الدمية ولا يدري أن ما عجز دونه بورقيبة رغم محدودية حربه على الإسلام لان حربه عليه لم تكن لكونه دينا بل للخوف من المنافسة السياسية. ورعونة ماكرون يكررها الدمية ولا يدري أن ابن علي نفسه عجز رغم اعتماده مثله وأكثر منه على اليسار والقوميين والليبراليين الذين يحاربون الإسلام بالتوجهين معا أي بوصفه دينا وبوصفه منافسا سياسيا.
فسياسة تجفيف المنابع ليست سياسية فحسب بل هي سياسية بمعنيين ودينية بمعنيين. ولا يمكن اعتبارها من الرؤية البورقيبية قبل أن يعجز بورقيبة فيصبح دمية هو بدوره لمافية قرطاج ومخترقي حزبه.
تجفيف المنابع سياسة بدأت مع ابن علي وهي من تأثير اعتماده على اليسار والقوميين والليبراليين الذين منهم من قال: “كنا كاثوليك سعداء فجاء العرب وأفسدوا علينا حياتنا” (شعبان حسب رواية موثوقة).
إنها حرب سياسية ضد المنافس في الداخل أولا وعربونا لنيل رضا الخارج ثانيا.

والثاني أهم من الأول لأنه يضمن الأول باعتبار الخارج حاميا لهم ومحاربا لمنافسيهم بكل قواه اللطيفة وحتى العنيفة.
وهي حرب دينية بمعنيين لأنها ضد الإسلام وليس ضد الدين عامة وهي في الحقيقة معركة لصالح دينا يخفونه هو إما التبشير الشيعي أو التبشير الكاثوليكي بمنطق “الخلع” [فضائح الباطنية] العلماني.
في ذلك يمكن اعتبار قزم قرطاج ذا مشروع في تونس شبيه بمشروع ماكرون في فرنسا ضد المسلمين ليس من حيث هم مسلمون فحسب بل لأنهم سنة: حرب طائفية.
لذلك فهو يتحالف مثله مع الفاشية اليسارية التي تقودها الصهيونية ومع الظلامية القومية التي تقودها الصفوية ومع دعوات كنسية لإحياء مناخ الحرب الصليبية على السنة.
فالفاشية والظلامية اللتين تمولهما الثورة العربية المضادة بشقيها لإعادة تونس إلى الحرب بين التأصيل والتحديث بالاعتماد على الكاريكاتورين لا أحد يمكنه أن ينكر أنهما طلتا برأسيهما في تونس حاليا: حلف بين وجلي بين الدمية والزغراطة.

فتكون الاسلاموفوبيا في فرنسا وبصورة أدق السُّنُوفوبيا هي مركوب ماكرون وتكون الإخوانفوبيا وبصورة أدق السنوفوبيا في بلاد العرب عامة وفي تونس خاصة هي مركوب الدمية التي تحاكيه.
وليس اليساري المخلد إلى الأرض والقومي المخلد للبراميل والليبرالي المخلد للعجل إلا أدوات المافيات التي تجمع بين المركوبين بوصفهم الاستعمار غير المباشر الذي بدأ يخشى من عودة الإسلام السني
لدوره في العالم.

وتلك هي علة الحرب على تركيا ليس لأنها تركيا إذ هي كانت من قبل صديقة كل هؤلاء لما كانت من توابع من هم من جنسهم. إنما الحرب على تركيا لعلتين:

  1. لأنها عادت إلى ذاتها وتحررت من الكاريكاتورين التحديثي المستلب والتابع والتأصيلي المغيب والتابع.
  2. لأنها صارت نموذجا ناجحا للتحديث المستقل الذي يشبه نمور آسيا وما تحقق عندهم من قدرة على التحديث الذي لا يقطع مع أصالتهم الحضارية.

ولم أكن أدري أن كلام أردوغان عن رائحة الدخان في قرطاج كان يرمز إلى الوعي بهذه العداوة التي لم يستطع دمية قرطاج إخفاءها حتى قرأت تصريح المحامي الفاضل الأستاذ محمد شريف الجبالي الذي سممه أعداء الثورة. فهو ذكر أن الدمية تدخل لمنعه من الاستفادة من مساعدة تركية لعلاج تسميمه الكيمياوي واقترح عليه أن يذهب إلى إيران أو إلى روسيا بدلا من تركيا.

فلا يوجد ما هو أوضح من التعبير عن الصف الذي ينتسب إليه دمية قرطاج: الحلف الإيراني الفرنسي الذي لا يمكن أن ينجح من دون موافقة إسرائيل وروسيا وأمريكا. لمشروع لبننة تونس موطئ قدم في المغرب الكبير لتحقيق ما كاد يتم في المشرق الكبير لولا تركيا. وما عودة فرنسا إلى لبنان ومحاولة تعويم حزب الله وميليشيات العراق وتوحيد مسيحيي الشرق مع الشيعة إلا العمل بنفس الخطة الصليبية المعلومة منذ الحروب الصليبية.

وبعد كل ما تبين حتى لعديمي البصيرة لم يعد بوسع أحد أن يشكك في أن الدمية دمية فعلية لفرنسا وإيران ومن ورائهما التأييد الإسرائيلي والتمويل العربي لإعادة تونس إلى ما كانت عليه قبل الثورة.
لكن هيهات. شعب تونس لم يعد غرا. صحيح أن تمرير الدمية حصل بمغالطات أسهم فيها قيادات الأحزاب التي كانت حقا مغفلة ولم تنتبه إلى التحذير المبكر.
ولكن لا بأس فقد بدأوا يدركون ما وقعوا فيه وآمل أن يتحركوا قبل بلوغ التعفن مداه بتعطيل كل أجهزة القيام اعني الاقتصاد والثقافة لتصبح أجهزة القعود والانحطاط الذي يستحيل تداركه.
فتونس اليوم تكاد تصبح في مرحلة الكوميسيون المالي قبيل بداية الاستعمار المباشر الفعلي بعد أن كان بالقوة خلال التداين المتهور. وهي اليوم ترزح تحت الاستعمار غير المباشر لنفس العلل.
فإذا بقينا مستسلمين لمجريات الأحداث دون مراجعة جذرية فإن المآل هو تحول الاستعمار غير المباشر إلى استعمار مباشر من جنس من نرى في لبنان والعراق وسوريا واليمن.
فرنسا لن تدخل في حرب أهلية بين مواطنيها مسلمين كانوا أو غير مسلمين وتونس لن تدخل في حرب أهلية بين مواطنيها وأحزابها أيا كانت مرجعيتها دينية أو علمانية.
فالكاريكاتوران وممثلو التطرفين لا وزن لهم سياسيا ولا علميا ولا اقتصاديا ولا فنا ولا رؤيويا بل هم يقومون بالاعتماد على سند خارجي في هذه المجالات الخمسة.
ولا وجود بينهم لسياسي له حضور شعبي ولا لفكر له حضور أكاديمي ولا لاقتصادي له حضور مستقل عن مافيات فرنسا ولا لفنان له إبداع فريد ولا لصاحب رؤية له تصور مستقل عن معاني الحياة والوجود.
كلهم يقومون بالوكالة. أعجاز نخل خاوية. وهذه الأعجاز الخاوية لا يمكن أن تقود شعوبا صارت واعية بمنزلتها في التاريخ الكوني وتريد استردادها.
وهي ظاهرة تعلل ما نراه من تحالف على الاستئناف الإسلامي.

ومعنى ذلك أن كثرة المتحالفين التي لم يعد أحد ينكرها تدل دلالة قاطعة على اقتناعهم بان الأمر جلل وأنه يهدد ما يفعلون بالعالم.
هم يدركون أن الاستئناف الإسلامي نهاية لرعونتهم التي آلت بالعالم إلى الدمار: دمار الطبيعة والإنسان.
وآن أوان تحرير البشرية من عبادة العجل والإخلاد إلى الأرض وتحرير العالم من التلويثين المادي باقتصاد ربا الأموال والروحي بثقافة ربا الأقوال.
والغاية ليست نفي العولمة بل جعلها عولمة الأخوة البشرية بمنطق النساء 1 وعولمة المساواة بين البشر دون تمييز عنصري أو طبقي أو جنسي بمنطق الحجرات 13.
وتلك هي غاية الدين الخاتم الذي لن يعود إلا إذا تحقق الاستئناف.

شاهد أيضاً

الديمقراطية، شروط التحديثي والتأصيلي الكاريكاتورية

أبو يعرب المرزوقي  كلما سمعت “مثقفا” يدعي الحداثة يرهن أهلية الشعوب لقيادة نفسها سياسيا بما …

الإعلام: ما مشكله ؟ ولماذا يعسر علاجه ؟

أبو يعرب المرزوقي  ما فهمته من مشروع الإصلاح المقترح هو الإصلاح بإطلاق حرية المبادرة والاعتماد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.