الإثنين , 26 أكتوبر 2020

الصباح المبروك

الصادق الصغيري 

ليس امامه الاّ الوصول باكرا الى المستشفى، فأصحاب المواعيد من أمثاله يحضرون الى بوابة المستشفى مع الساعات الأولى للفجر. هذا الموعد انتظره منذ ستّة أشهر او يزيد. اعدّ نفسه منذ البارحة، وضع كل الوثائق الضروريّة في كيس اسود صغير الحجم، كان قد جلب فيه في اليوم السابق بعض الطماطم من عند الخضار.

صباحا، اضاف قطعة من الخبز ، لفها في قطعة قماش، وعلبة ياغرت، استعدادا لطوارئ الازدحام والاكتظاظ وتأخر الطبيب، وقد يمتد انتظاره الى الساعة الرابعة مساء. انتفخت السلة الصغيرة قليلا، دقق داخلها واطمأن ان كلّ شيء على ما يرام. رفع راسه الى الساعة الالكترونية المعلقة على جدار الغرفة يستطلع التوقيت، كانت عقارب الساعة تشير الى الخامسة والنصف صباحا. قدّر انّه وقت مناسب للمغادرة، فالمترو يصل بعد ربع ساعة. عند الباب رجته زوجته ان يصطحب معه كيسا صغيرا للفضلات كانت وضعته خلف الباب وان يقوم بالتخلّص منه بالحاوية وهو في طريقه الى محطة المترو. حدّثته نفسه بأن يرفض الطلب وان يردّ على زوجته بانّ امامها وقت طويل للتخلّص من الكيس، خاصة وهو صغير الحجم ولا يظنه يلحق ضرارا ان تأخرت في التخلّص منه، ولكنّه آثر السكينة وتفادي خصومة هو ليس في حاجة اليها. نطره بسرعة، جمع الكيسين بكف يده اليمنى ثمّ سحب الباب بيده اليسرى وهو يتمتم بأدعية فتح الأبواب وابعاد التعطيلات.

أسرع الخطى، واجتهد في ذلك، اذ لا يمكن الوثوق في موعد مرور المترو، فكما يمكنه ان يتأخر بدون سبب، يمكنه ان ينطلق قبل الموعد بدون سبب. استقام امامه الطريق، المحطة أضحت تحت مدّ بصره، كانت بعض فوانيسها مضاءة وبعضها مطفأة، كانّها وجه به عور. تناهى الى سمعه ازيز عجلات المترو وقرقعة عرباته المتلاطمة. ظهرت العربة الأولى تتهادي بإنارة وحيدة خافتة كمن يبحث بصعوبة عن المسلك السليم. سارع الى التخلّص من الكيس في الحاوية دون ان يقترب منها. ضاعف من سرعته، اقتني تذكرته، دخل بهو المحطة في نفس اللحظة التي دلف فيها المترو. صعد درجات الباب وهو يحمد الله على حضوره في الموعد المناسب، واعتبر ذلك من الفأل الحسن واليوم المبروك.

استلقى على اول كرسي اعترضه، وضع الكيس على ركبتيه، حدثته نفسه بالاسترخاء والنوم، فما زال امامه الكثير من الوقت والمحطة الأخيرة هي مبتغاه. اسند راسه الى الكرسي، أغمض عينيه، وشدّ الكيس بكلتا يديه لزيادة التحوّط من ضياعه أوسرقته، ولكن رخاوة شديدة لفتت انتباهه وهو يتحسس الكيس، ورائحة كريهة تتسلّل الى أنفه، سارع بفتح الكيس ليفاجئ بقشور خضر وفضلات اكل وبعض مرق. قفز من مكانه كمن مسّته صعقة كهرباء، وركض في اتجاه قمرة السائق وهو يدفع الركاب يمنة ويسرة، وصائحا بأعلى صوته:
– “حبّس،، حبّس،، يا شيفور،، يرحم والديك خلّيني نهبط،، راني ضيعت اوراقي”
في حين كان احد الركّاب يقتفي اثره ملوّحا له بالكيس الذي خلّفه وراءه.

شاهد أيضاً

أحمد بن صالح مات يتمنّى في عنبة

الصادق الصغيري  التقيت السيد أحمد بن صالح رفقة الأخ والصديق العجمي الوريمي اثر عودته من …

تداعيات اغتيال بن يوسف على عائلته

الصادق الصغيري  لا يمكن الا ان تكون حزينا وانت تتابع شهادة سعاد الموخر حرم المرحوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.