الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

متى تصل العلوم السياسية تونس ؟

عبد الرزاق الحاج مسعود 

في كلّ مرّة كنت أتساءل عن عدم دعوة متخصّصين في العلوم السياسية في بلاتوات التلفزة في بلد أطلق موجة تحوّلات سياسية في كامل المنطقة العربية. لم أكن أصدّق أن الجامعة التونسية لا تخرّج “علماء سياسة” politologues أو politistes.

السياسة شأن حياتيّ متشابك ومعقّد يمسّ كلّ علاقات السلطة داخل كلّ أصناف الجماعات التاريخية. لكنّها منذ الثورة شأن إعلاميّ، وتلفزيّ بالخصوص، مستباح كلّيّا.
يخوض فيه يوميّا لطفي العماري ومبروك كورشيد ومايا القصوري وشكيب درويش وناجي الزعيري (تصوّروا.. ناجي الزعيري) والطفل الجديد جراد ومحمد بوغلاب ومحمد الحمروني والكزدغلي…الخ.
هؤلاء هم في أحسن الحالات صحفيو سياسة يومية. المفروض أن يكتفوا بتقديم تقارير صحفية، لا أن يجلسوا وكأنهم في “ميعاد” عائلي أو بين أصدقاء، ليحلّلوا “الظاهرة السياسية” في غياب أي تكوين علمي يمكّنهم من تفكيك ظاهرة يلتقي فيها الاقتصادي والسوسيولوجي والبسيكولوجي والتاريخي والثقافي والانتروبولوجي.

تساءلت دائما عن الغياب الكلي لعلم السياسة من تونس، واليوم عرفت جزءا من الجواب. استمعت صدفة في إذاعة تونس الدولية إلى مذيعة تحاور دكتورتين في العلوم السياسية. غمرتني سعادة كبيرة ومنّيت نفسي باكتشاف يشفي الغليل.. أخيرا. منذ البداية تجاهلت القشعريرة التي هزت جسدي حين سمعت عنوان الندوة الركيك: “العلوم السياسية في تونس: صعوبات وآفاق”…
لن أطيل عليكم لأن الحصة كلها دارت حول سؤال وحيد وجواب وحيد: الصحفية تسأل: ما هي العلوم السياسية؟
والدكتورتان تتناوبان في الإجابة: العلوم السياسية ليست القانون الذي يدرّس في كليات الحقوق، وليست العلوم الاجتماعية، وليست الفلسفة السياسية، وليست التاريخ السياسي، وليست الانتروبولوجيا السياسية، هي علم مستقل بذاته له موضوعه الخاص ومناهجه الخاصة.

واحدة منهما أضافت بحماس: المتخصص في العلوم السياسية يمكن أن يستغرق ثلاثة أشهر وحتى أربعة قبل ان يصدر نتائج أبحاثه السياسية العميقة. المسألة ليست صحافة سياسية مطلقا.. إنها علوم سياسية.
تسأل الصحفية المسكينة: وما هو موضوع هذه العلوم ومناهجها؟
تجيبان سريعا: ليس نفس موضوع القانون ومناهجه…الخ.
أقسم بالله فقت بروحي نضحك وحدي في الطريق العام.

ملحق: ياخي بربي تعرفوش حد متخرج مالعلوم السياسية. أنا رسّمت فيها سنة أولى وما مشيتش نقرا.. نسيت حتى علاش ما مشيتش.

شاهد أيضاً

ماكرون رئيس صغير …

عبد الرزاق الحاج مسعود  ماكرون يسيء إلى صورة فرنسا والى شعبها المتعدد والى الاستقرار في …

الحرية الفاضحة

عبد الرزاق الحاج مسعود  زمن الدكتاتورية، كنا نظن أن انجلاءها كاف وزيادة لإقامة دولة الحقوق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.