الخميس , 29 أكتوبر 2020

في تشخيص فشل كان يمكن تفاديه: هروب الألمان من فساد تونس وحمام بلخير

كمال الشارني 

عندي مثالان على الفشل في الإعلام الحكومي في استباق أو مواجهة الإشاعة والضرر غير القابل للإصلاح الذي يمكن أن يلحقه ذلك بالعمل الحكومي،

المثال الأول هو “هروب الجامعة الألمانية من تونس إلى المغرب”، وخطورته في أنه صدر عن وزير تعليم عال سابق، رغم أنه نقل الخبر دون أية معالجة حول الفارق بين إحداث جامعة ألمانية في المغرب والتخلي عن مشروع قديم لجامعة مماثلة في تونس، وفي هذا المثال، يستحيل إقناع الرأي العام بغير فكرة أن الألمان هربوا من تونس لفساد الطبقة الحاكمة ولوبيات الجامعات الخاصة أو الفرنسية، الناس يملكون أرضية ثقافية تتقبل فكرة المؤامرة والفساد التونسي في مواجهة النزاهة والجدية الألمانية، ثم إن أخصب حقل للإشاعة هو غياب المعلومة عن تواريخ ومراحل هذه الجامعة التي رافق الإعلان عنها الكثير من الدوي والافتخار، وأنا كنت من بين زملاء كثيرين سألنا عن تفاصيل هذه الجامعة، هل هي خاصة؟ ببرامج ألمانية أم تونسية؟ وخصوصا لماذا تعطل إنجازها كل هذا الوقت، ولن نظفر بجواب حتى يئسنا، فيما كان يجب أن يسبق الجواب الحكومي سؤالنا، لحاجة التونسيين أن يعرفوا، لكن الطبيعة تأبى الفراغ.

المثال الثاني هو “تفسير نقص 30 طنا من القمح في معتمدية بلخير بأن الحمام أكله”، على أساس أن ذلك حدث في “بلخير قفصة”، وهي صورة مناسبة جدا للتأويل الشعبي للإفلات من الفساد المفرط في الثروة العمومية التي لا يحرسها أحد، وقد فشلت كل محاولاتي لاستعادة حقيقة أن الخبر يهم بلدية بلخير في ولاية قالمة الجزائرية، حتى أن أحد مروجي الخبر شتمني و”بلوكاني” بلغة مواقع التواصل الاجتماعي لمنعي من الإصرار على التوضيح في صفحته التي يحلو فيها الحديث عن تفشي الفساد والإفلات من المحاسبة كلما تعلق الأمر بالملك العام، وكان يمكن لوزارة الفلاحة أن تصدر بيانا واضحا حول المسألة التي تذكر بأن المسارعة بإقامة علاقة تعاقدية واضحة في الإعلام بنشر كل ما يهم االرأي االعام هو الحل الأفضل لمواجهة الإشاعة، لكن الصمت جعل من حكاية بلخير الجزائرية حقيقة تونسية، ليس فقط لأنها تلاقي هوى عند الناس المتعطشة لأخبار الفساد، بل خصوصا بسبب غياب الإعلام الحكومي، كما في المثال الأول، حيث سمعت، بحكم مهنة الصحافة تفاصيل مذهلة عجائبية عن صراع المصالح الذي انتهى حسب هذه القصص إلى غلبة اللوبي الفرنسي على الألماني الذي تركها واسعة وعريضة للفاسدين، إنما، أيا كانت الحقيقة، كم كان يمكن تفادي كل ذلك بخطاب حكومي واقعي يرافق الناس في حيرتهم، إنما أيضا، لاحظوا غياب أهم دور صناعي للصحافة في تونس وهو الاستقصاء وطرح الأسئلة الحقيقية، بدل ملاحقة الإشاعات في بحر الصمت الحكومي.

شاهد أيضاً

في تعريف الصحفي الشعبوي في تونس

كمال الشارني  حين تمرض الديموقراطية، تصاب بعاهة الشعبوية في كل المجتمعات التي تعيش أزمات اجتماعية …

حوار عادم مع زميل، لا يؤدي إلى شيء (حول solution finale)

كمال الشارني  • أنت شنوه يقلقك في تنقيح مرسوم الإعلام؟ • هذا التنقيح يمكن لوبيات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.