الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

محنة الدولة : من سيحكم المشيشي أم سعيد ؟

نور الدين الختروشي 

تتوالي زيارات الرئيس قيس سعيد الميدانية، ومن خلالها يبرز إصرار الرئيس وطاقمه الاستشاري على تجاوز صلوحيات الرجل، ومنافسة رئاسة الحكومة في ما يدخل ضمن صلوحياتها اادستورية.
لا احد في القصبة سيكون مرتاحا لهذا الاعتداء الفج والغير مسؤول على الصلوحيات، وحدود السلطة الني سطرها الدستور بين الرئاستين،
فأوضاع البلاد وحدة وعمق الازمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية المنتظرة، تستوجب من الجميع “التسابق في الخير” بتوفير مناخ سياسي يسمح على الاقل بمواجهة الازمة بأقصى حدود النجاح في ظل ازمة دولية عامة ومعممة في زمن الوباء.

يبدو ان سيادة الرئس ومن وراءه او أمامه، لا ينظر للوضع من هذه الزاوية البسيطة والمباشرة، فبعد خطابه الفضائحي يوم اداء يمين الحكومة التي اختارها بنفسه، والذي هدد فيه صراحة لا تلميحا منتقديه ومخالفيه، ووصفهم بالاعداء والخونة، وسط ذهول الجميع واستغراب المراقبين الدولين، كان منتظرا لمن بدأ يتبين طبيعة الرجل، ان يبادر سيادته بتصفية حسابه مع “الخونة” وفي مقدمتهم رئيس حكومته الذي اختاره بعناية ليكون قطعة صلصال يعجنها كما يشاء بين اصابعه الطويلة، ولكن شاءت ديمقراطيتنا التي نحولت من السخرية بنا بعيد الانتخابات الفارطة، الى “جنون راقص” على ما تبقى لنا من أمل في عودة العقل في مناخ العبث بالتجربة والمعمم على المشهد الاجتماعي والساسي.

هذا التوصيف البسيط والمباشر للوضع في سطحه وما يبرز منه للجميع، يمهد لسؤال مزعج في الادنى ومرعب في الاقصى :
من سيحكمنا ؟
السؤال غريب وشاذ بالنظر اليه من زاوية الدستور الذي وضع حدود السلطة والصلوحيات بين الرئاسات الثلاثة تحت سقف ما سمي بالنظام البرلماني المعدل. فقد متع الدستور رئاسة الدولة بالانتخاب المباشر ومكن الرئيس من رفاهة الشرعية الانتخابية، وحدد صلوحياته في متابعة السياسة الخارجية والامن القومي و”سمح له” بابداء رأيه في وزيري الدفاع والخارجية عند نشكيل الحكومات.
فالدستور وبقطع النظر عن موقفنا عن روحه او الفلسفة التي وجهت واضعيه، واضح ولا تكاد فصوله المتعلقة بالصلوحيات بين رأسي التنفيذي تحمل تأويلا، ومداره في الفصول الخاصة بمؤسسة الرئاسة هو استقرارها واستمرارها في موقع مرجعي فوق الجميع، تمكنها في زمن الازمات من التدخل لحفظ وحدة الدولة والوطن من اي تهديد داخلي او خارجي.
فالدستور الذي ابعد الرئاسة من مربع الحكم وتسيير الجهاز التنفيذي، سلم الرئاسة شرعية الحفاظ على المصير العام في زمن الازمات المهددة للسلم الاهلي او السيادة الوطنية.
الرئيس السابق رحمه الله لم يكن سعيدا بهذا المربع الدستوري لصلوحياته، وربما استعاض عن هذه الزاوية الضيقة بتحكمه في توازنات حزبه الفائز معه في الانتخابات والذي تشكلت حكومته الاولى والثانية من اعضائه، ومع ذلك شهدنا الباجي في اكثر من مناسبة يتجاوز وظيفة “ربع الرئيس”، وانتهت عهدته مكمودا بتمرد الشاهد عليه، ووضعه عند حده، عندما اراد تغييره واستبداله، وباقي القصة معروفة فقد توفي الباجي معزولا، وبقي الشاهد الى اخر العهدة التنفيذية.

القصة مختلفة مع قيس سعيد فالرجل جاء من قصيٍّ مجهول، بدون نجربة سياسية بدون تأهيل سياسي لتولي اصغر المناصب الرسمية، وبدون صفة علمية او اكاديمية معنبرة، ومع ذلك دخل قرطاج مدججا بشرعية انتخابية تاريخية، رغم مداخلاته الساذجة والمضحكة ابان حملته الانتخابية، فقد هبت رياح الشعبوية بقوة وجلبت معها “الظاهرة” قيس سعيد، وظن من ساندوه ان صفته كمدرس للقانون الدستوري، تكفي للاطمئنان على قرطاج من منازع التسلط وتجاوز الصلوحيات في ظل غياب المحكمة الدستورية.
قيس سعيد لم يتأخر في التعبير عن رغبته في نسف المنظومة الدستورية القائمة وحقر بابشع الاوصاف الدستور الذي “أكله الحمار” علي حد احد تعابيره الركيكة في ترذيل الدستور الذي من المفترض ان يحكم باسمه وضمن محدداته.

قصة افتضاح رغبة الرئيس في نسف كل الموجود الدستوري والسياسي يعرفها اليوم القاصي والداني، ولا حاجة للتذكير بحقيقة عجز ومحدودية كفاءة الرئيس النفسية، والسياسية لتولي المنصب السيادي الاول في الدولة، بل ان منزعه الانقلابي تعرى بوضوح للجميع، وكانت اخر فصوله عملية السرقة الدستورية الموصوفة التي قام بها عشية اعلان البرلمان تقدمه بمشروع لائحة سحب ثقة من الفخفاخ.
افتك الرئيس المبادرة من البرلمان واستغل موقعه لتجاوز الدستور الذي رشح نفسه قارئا ومؤولا وحيدا لفصوله مستغلا بصفاقة بارزة غياب المحكمة الدستورية، وميوعة موقف الاحزاب والنخب من اعتدائه المتكرر على ابسط قواعد الاحترام لنواميس الدولة وقواعد الحكم بابجدياته الاولى.

نعود للسؤال الحارق في ظل استبعاد اجابة نصوص الدستور التي لن تفيدنا كثيرا في البحث عن اجابه لهذا السؤال الشاذ: من سيحكم المشيشي ام سعيد ؟.
هشام المشيشي المجهول الثاني الذي اختاره الرئيس على مقاس الشراكة معه في غياب الخبرة والتجربة السياسية، ليكون اداته في استكمال برنامجه المعلن في هدم البناء الدستوري والانقلاب على تمثلات الديمقراطية التمثيلية، ندم على تعيينه قبيل مروره على البرلمان بيوم واحد، كان الاسرع في المناورة على رئيسه، وتوجه الى رئاسة البرلمان ليطلب الدعم في مواجهة “جنون قرطاج”، وكان له ذلك لحسابات تختلط فيها مبررات المصلحة الوطنية بتوازنات الخارطة الحزبية وتجاذبانها.
اسفرت تطورات المشهد الى تحالف معلن بين القصبة وباردو في مواجهة مفتوحة مع قرطاج، والان بعد اسبوع من تولي المششي مقاليد القصبة، يسابق قيس سعيد رئيس حكومته في الحضور اليومي من خلال زاياراته الميدانية الني يماري فيها المشيشي بوضوح كاريكاتوري مؤسف، ويستدعي بمناسبة ودونها وزراء المشيشي ليقدم لهم التعليمات، متجاهلا حدود اللياقة، قبل ضوابط الدستور، في التعامل مع رئاسة الحكومة، التي يعلم جيدا انها مركز الحكم في نظامنا السياسي الجديد.

لن نتوقف عند فضيحة اقالة ممثلنا في الامم المتحدة وردة فعل السفير الذي عينه منذ ثلاثة أشهر، فهي فضيحة دولة اشرت على حجم التخارج بين الحجم والموقع في حالة “الظاهرة قيس سعيد”، كما لن نتوقف عن العجز المخجل في ادارة ملف العلاقات الخارجية الذي استأمن عليه رئيس الدولة، ونكتفي بالتذكير ان الشعبوية سرطان الدولة، وان قيس سعيد كلما لامس ملفا الا واثبت حقيقة محدودية قدراته ومطلق رغبته في الاستبداد بالقرار الرسمي.
الايام والاسابيع والاشهر القادمة ستكون وللاسف اياما رمادية غامضة، افقها معركة كسر عظم شرسة في تعبيراتها السياسية المباشرة، وقاسية على وحدة وانسجام مؤسسات الدولة. معركة بدأها قيس سعيد بخطاب التخوين والوعيد والتهديد، واردفها بتدخل يومي “في ما لا يعنيه”، ودوسه لكل اعراف ونواميس قواعد التعاطي السياسي السوي مع موقعه الدستوري الذي من المفترض ان يكون جامعا ومرجعيا، دالته المصلحة العامة واستقرار وهيبة الدولة، الا ان الرجل اختار ان ينزل من اعلى هرم هيكل السيادة الرسمي، الى اسفل مربع التنافس والتهارج على اقتسام حصص السلطة بين المعنيين بموضوع الحكم.

المرحلة القادمة التي تستوجب التركز على الاولويات الوطنية الحارقة والدولة على ابواب الافلاس، ستكون مرحلة الحسم النهائي لهذه المعركة التي صدرتها رغبة قيس في الاستبداد بكل السلطات ومنزعه المفضوح لهدم السائد الدستوري والسياسي، والارجح ان كل خطواته ومبادراته القادمة ستكون تحت عنوان تصفية الحساب مع من يعتبره متمردا بل وخائنا للاَمانة، رئيس الحكومة الذي اختاره ليكون كاتب حكومة عند سيادته، فتحول بسحر ساخر وقبل ان يتولي مهامه الى رئيس حكومة معززا بأغلبية برلمانية محترمة وحزام سياسي قوي، ولعل من حسن حظ المسار والتجربة ان تحول الصراع مع قرطاج من معركة لي ذراع مع الغنوشي اساسا، الى معركة وطنية مفتوحة بين باردو والقصبة من جهة وقرطاج من جهة اخرى، واذا كانت القصبة وباردو لا ترغب في هذه المعركة، فان سعيد يفعل ما استطاع لاشعال أوارها، رغم ان ردود فعله الغير مسؤولة تؤشر في العمق على ضعفه وقلة حيلته، وحيرته وبداية مسار ضياعه السياسي، وربما نهايته المبكرة.

قيس سعيد سيحاول في المستقبل المنظور افتكاك صلوحيات البرلمان والحكومة، ولن يتراجع للوراء، وسيشوش ما استطاع على حكومته التي اختارها، ليثبت عجزها، وربما سيستعمل اجهزة الدولة ان استطاع من خلال وزراءه الذين عينهم بعناية بمقاس الولاء لشخصه، ولحسم عقدته من الديمقراطية التمثيلية، ولكن ما غاب عنه هي مؤشرات عودة الوعي للجميع، وتعمق القناعة عند اغلب الفاعلين في المجتمع المدني والساسي بان قيس سعبد اصبح عبئا على قرطاج وربما الحل لن يكون الا في رحيله.

اما كيف ومتى سيرحل.. فذلك مجهول الحالة التونسية الان، وفد يكون معلومها في وقت قريب.

الرأي العام

شاهد أيضاً

المرسوم 116: المعركة الشرعية في التوقيت الخطأ

نور الدين الختروشي  بدأت السنة السياسية بمشهد تهارجي جديد حول ما سمي بمعركة المرسوم 116 …

حالة وعي مقلوب

نور الدين الختروشي  هل قعدت حركة النهضة تَوجهها الاستراتيجي في الفصل بين الدعوي والسياسي كشرط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.