الجمعة , 30 أكتوبر 2020

بين صوملة سوريا وحرجلة سوريا

أسامة الحاج حسن 

منذ استهلّ الأخضر الإبراهيمي العام 2013 بتصريحات هدّد فيها بانحدار سوريا نحو التفكّك مستخدماً مصطلح (صوملة سوريا)..
شرعت المؤسسات الإعلامية الدولية منها والعربية باستخدام هذا اللفظ بشدّة، ولا شكّ أنّ المقصود العام من المصطلح ليس تقزيم تاريخ الصومال كدولة غير حضارية أو دولة غير مؤثرة في المنطقة بقدر ما هو تخويف من الوصول لمرحلة اللا دولة، والدخول في نفق من الصراعات الدامية.

بكل الأحوال إنّ (صوملة سوريا) كانت توقّعا للأخضر الإبراهيمي الذي اندثر ذكره إلا من معتقلات مخابرات الأسد إشارة إلى قضيب بلاستيكي سميك أخضر اللون، يهصر عظام المعتقلين في غرف التحقيق.
إلّا أنّ بشار أسد وبفلسفة فاشيّة كان ينشد الوصول إلى الدولة المتجانسة تلك الدولة التي تعبد أسد وذراريه من بعده على شكل دولة كوريا المتجانسة الديمقراطيّة..
و كثمرة لهذه الشجرة السامّة وصلنا إلى (حرجلة سوريا)

حرجلّة : بلدة صغيرة جنوب دمشق تتبع إداريا لناحية الكسوة في منطقة ريف دمشق، لا يكاد يسمع اسم القرية لولا القطع والمساكن العسكريّة الموجودة حولها، إذ لا طريق
يمرّ منها وليست مقصداً سياحيّا أو دينياً وليست بأهمية جارتها الكبرى (الكسوة).
كلّ ما في الأمر أن البلدة الهامشيّة تبوّأت مكاناً هاماً خلال السنوات الأخيرة كأنموذج عن تصور المدينة الفاضلة المتجانسة التي ينشدها النظام.
تبدأ فصول الحكاية بإيجاد الرجل الملهم الذي سيقود المرحلة، هذا الرجل الذي سيكون ظلا حقيقيا للقائد الأول والقائد المعلم، والطبيب الأول، والعامل الأول، ولا شك
القومي الأول والوطني الفذ.

ولم يكن اختيار عبد الرحمن الخطيب لهذا الدور عن عبث فهو انطلاقا من موضعه (المنتخب ديمقراطيا في دولة البعث) كرئيس للبلدية سيتغول ليصبح إضافة لمنصبه رئيس لجنة الإغاثة، ورئيسا لنادي الحرجلة المؤسس قبل أقل من خمسة أعوام ثم عضوا في اتحاد كرة القدم ولاحقا عضوا في مجلس الشعب..
هذا الرجل كان عرّاباً لما سمي بعمليات التسوية والمصالحة واتخذ من بلدته مقرا لمساكن المهجّرين من (الإرهاب بحسب الدعاية الأسدية) تلك المساكن التي فاقت بجمالها مساكن الضباط القريبة وعلى خطا سوريا الصغيرة المتجانسة (مشروع أسد)
في المدينة الصخرية حُفِرت الآبار وجهزت بخزانات إستراتيجية جعلتها مستغنية عن مياه الشركة العامة والصرف الصحي.
وزودت البلدة بمحولات كهربائية، وتم إنشاء مزرعة خلايا شمسية جعلت البلدة المنطقة الوحيدة التي لا تنقطع عنها الكهرباء، حتى أصبحت الناحية الكسوة تتندر طالبة أن يتولى رئيس مجلس قرية تتبع لها إدارة المركز علّ الكهرباء تأتيهم أيام الامتحانات فقط..
وحتى قرية دير علي التي تحتوي على أكبر محطة في الجنوب كان تغيب الكهرباء عنها.
وخلال فترة قياسية شقّت الطرق الواسعة وشجّرت البلدة المقفرة وارتفع عدد المدارس والمؤسسات التعليمية…
جهزت بملعب وصالة رياضية بميزانية كانت كل محافظة ريف دمشق لا تحصل عليها، فضلاً عن الطفرة العمرانيّة الكبيرة حتى بات عدد سكان البلدة يقارب المئة وخمسين ألفاً مع استعدادها لتحمل ضعف هذا العدد حسب البنى التحتية، علماً أن عدد سكانها عام 2011 كان أقل من عشرة آلاف نسمة.

وكان لابدّ لصورة القائد الرمز في الدولة المتجانسة أن تنمو طردا وتتوسع خارج الحدود..
فالرجل مثّل سوريا النظام في مؤتمر لرؤساء بلديات عقد في ملاوي ومثلّها في مؤتمر سوتشي..
لم تنتهِ إنجازات الرجل فقد أسس نادياً يمثل البلدة وجاء بفريق كرة قدم لا يوجد فيه لاعب واحد من القرية وبعقود تعجز عنها فرق الصف الأول ليصعد به ثلاث درجات في سنوات ثلاث كان آخرها الوصول إلى ما يسمى الدوري الممتاز، وقد ترى الفريق في البطولات العربية والآسيوية وكما سمع السوريون فجأة باسم هذا الفريق، فقد سمعوا من قبل باسم فريق قرية القرداحة حين تبناه أحد أبناء رفعت أسد..
وطالما أنّ النظام يمسك بالسلطة ويقدم فلسفة الدولة المتجانسة ستصبح الهجرة إلى الحرجلة أو السير على خطا تجربة الحرجلة ملهمة لمؤيدي هذا النظام، وستصل سوريا بدلا من الصوملة إلى الحرجلة.

شاهد أيضاً

ساديّة القوم

أسامة الحاج حسن ومن أصدق ما كتب ابن خلدون “لا تولّوا أبناء السفلة والسفهاء قيادة …

قهر و حصار لا عار

أسامة الحاج حسن أمّ سوريّة يعتقل أحد أبنائها من جامعته ويساق إلى الخدمة في جيش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.