السبت , 19 سبتمبر 2020

معالم الذاكرة الوطنية أو جدلية الاستثمار والإهدار.. جامع الصفصافة بتونس أنموذجا

زهير بن يوسف 

تشير المصادر الوسيطة إلى أنّ مدينة تونس قد عززت أهميتها كمعقل لحياة فكرية ودينية نشيطة بما انتظم بها من حياة روحية تهيكلت حول بعض الأماكن المقدسة من جوامع وزوايا وأضرحة انحصرت بالنسبة إلى التيار الصوفي في أماكن عبادة مركزية في مقدمتها بحسب كتب المناقب الخلوة المحرزية والمغارة الشاذلية وجامع الصفصافة.

1. جامع الصفصافة: معلم قديــــم
تتحدث مصادر الفترة الوسيطة ولا سيما منها المصادر المنقبية منذ القرن 7/13 عن جامع ذائع الصيت لدى متصوفة الحاضرة هو جامع الصفصافة، ولعلّ أول من تحدث عنه هو أبو الحسن علي الهواري (ت664/1265) أشهر مصنفي المناقب في عصره، وهو الذي حدّد موقعه بدقة “غربي الروضة المنصورة”، وهي المقبرة الملكية الحفصية، “جوفي الباب المنصور”، من مدينة تونس “قبلة أبي العباس أحمد السقا، في قلب منطقة “الشّرَف” فيما صار يُعرف في الوثائق الأرشيفية المتأخرة بتُربة قرطاجنة، أي أعلى الهضبة الواقعة في تخوم ربض السلطان جنوب غربي الحاضرة بعبارة روبار برانشفيك.، وتحديدا في ذلك الموقع الإستراتيجي الذي يشرف على كامل سبخة السيجومي، نهج ابن السرّاج، وهو النهج المتفرع عن شارع 9 أفريل 1938، بجانب كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس حاليا.

2. جامع الصفصافة أو زاوية سيدي عبد الله الشريف؟
يقول الوزير السرّاج في الحلل السندسية أنّ جامع الصفصافة، وبه “ديوان الأولياء” هو المعروف بزاوية سيدي عبد الله الشريف، بما يعني أنّ اسم عبد الله الشريف (ت 673/1274) وهو، بحسب ابن الصبّاغ، واحد من أصحاب أبي الحسن الشاذلي الأربعين وأحد “مشائخ الشّرف”، قد غلب على هذا الموقع الأثير لدى الصوفية فصار موسوما باسمه، وذلك للمكانة الروحية وربما المعرفية التي كان يُحظى بها لدى معاصريه، ونُسب إلى الولي نفسه باب من أبواب مدينة تونس العتيقة، اندثر اليوم، هو باب سيدي عبد الله، وهو باب أشار إليه محمد الصغير بن يوسف (ت1772) مرارا في المَشرع المُلكي، وهو المكان الذي كان يودّع فيه الدايُ البايَ عند خروجه بالمحلّة.

3. من مسجد إلى زاوية – مدرسة
يبدو أنّ هذا الفضاء المقدس في المخيال الصوفي لم يُتخذ البتة مسجدا جامعا وإنما اكتفى بدور المسجد إذ لم يتحدث أي مصدر منقبي عن أعلام هذا الفضاء إلا بصفة إمام أو واعظ مع السكوت عن الخطابة، ولعل في هذا الاستثناء دليلا على عدم اطمئنان الحفصيين الأُوَل إلى رموز الحركة الصوفية الذين كانوا كثيرا ما يتهمون “بتشويش البلاد” أو ربما أيضا كما وُصف المسجد المذكور بديوان الأولياء، والديوان لا يعني سوى موضع الاجتماع ومكان الالتقاء، مما يعني أنّ هذه الزاوية كانت تقوم بوظيفة الزاوية – المدرسة، إذ تفيدنا أخبار المناقب أنّ أصحاب أبي الحسن الشاذلي الأربعين كانوا يجتمعون بهذا الفضاء فضلا عن جلوس عدد منهم للتدريس به من بينهم:

  • أبو الحسن علي الحطّاب (ت671/1273) “راعي الرعايا وصائن إفريقية” وقد نصّت سيرته على جلوسه بجامع الصفصافة و”كان معه خلق كثير، وهو يعظ النّاس ويعلّم السنّة وطريقة الأولياء”،
  • وأبو الحسن علي القُرجاني (ت681/1283)، الوليّ المدرّس، وقد أفادتنا مناقبه أنه كان يتردد على هذا الفضاء “ليفيد الإخوان في علم الديانات”، ومن أبرز من تتلمذوا له به أبو العباس أحمد الشريف القرطبي “الشيخ التقي”.
  • وقد أُثر عن سيدي حسين السيجومي (ت374 أو 681/1276 أو 1283) الملقّب بالأستاذ، أنه كان يقول: “هنا اجتمعت بشيخي أبي الحسن الشاذلي وأخذت عنه في الركن الغربي”، وقد ثبت عنه بدوره أنّه تعاطى التدريس به.

كما ذكرت لنا هذه المصادر ذاتها بعض الأعلام ممن ارتبطت أسماؤهم بهذا المركز الصوفي المشهود منهم:

  • الفقيه محمد الأوري الذي عاصر سيّدة مدينة تونس عائشة المنوبية (ت665/1267) وشهد لها بالولاية، وقد كان إماما بهذا الجامع وهو بدوره “رجل من الأولياء”،
  • وعبد الجليل المزوغي (كان حيا 681/1282) “الشيخ الفقيه” وقد اضطلع بالخطة الشعائرية نفسها،
  • وعبد الله المناوي (كان حيا 671/1272) “الشيخ الصالح” وتنص عليه كتب المناقب على بوصفه واعظا للجامع، ومن الصعب جدا أن نحمل هنا صفة الواعظ على معنى الخطيب.

ويضيف عبد العزيز الدولاتلي أنه كانت تحيط به منذ القرن 7/13 قبور كثيرة لصلحاء مدينة تونس الذين فضّلوا هذا المكان لاحتضان رفاتهم حتى أنه لمّا دُفن ابن خلف المسروقي (ت676/1277) “قرب الجامع” كان محفوفا حسب إشارة المناقب بأزيد من ألف من الشخصيات المقدسة بين ولي وشهيد.

4. جامع الصفصافة: اكتشاف أثري؟
إذا كان برانشفيك يفترض أنّ هذا المسجد قد صار جزءا من زاوية سيدي عبد الله الشريف فإنّ الحفريات التي أجريت في هذا المعلم بداية من 2 ماي 1996 بعناية المعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، قد أثبتت أنّ زاوية سيدي عبد الله الشريف هي ذاتها جامع الصفصافة، بل إنّ الحفريات التي باشرتها به الباحثة نزيهة محجوب قد كشفت عن بيت الصلاة وجزء من منارة الجامع أتت البنايات العشوائية الحديثة على جوانب أخرى منها.
واتضح أيضا أنّ مدفن الوليّ ليس إلا جناحا من هذا المعلم لعله لم يكن داخلا فيه بالتأسيس، وهو الفضاء الذي تنتصب فيه القبة المركزية المكسوّة بالقرميد الأخضر التي تظهر بوضوح من الطريق العام والتأثيرات المعمارية الأندلسية فيها بارزة للعيان. وقد انتهت هذه الحفريات إلى تأريخ المعلم بالفترة الحفصية، على أنّ إشارة أبي الطاهر الفارسي (ت440 أو 450/1048 أو 1058) مُحرّر مناقب محرز بن خلف (ت413/1022) إلى أنّ جامع الصفصافة كان من الأماكن المحببة إلى قلب “سلطان المدينة” تذهب بنا إلى الاعتقاد إلى أنّ هذا المعلم يعود إلى العهد الزيري على الأقل أي إلى القرن 4 للهجرة/ العاشر للميلاد، بمعنى أن الفضاء المسجدي أسبق بالتأسيس من الفضاء الولائي وبالتالي فإنّ زاوية سيدي عبد الله الشريف تكون معلما حفصيا مضافا إلى معلم أسبق هو جامع الصفصافة وهو معلم زيري؟

5. استتباعات الترتيب والتخصيص: أين هي؟
تدخل المعهد الوطني للتراث في هذا المعلم بالترميم والترتيب وذلك بالأمر عدد 99-1933 المؤرخ في 31 أوت 1999 الصادر بالرائد الرسمي، العدد 74، الصفحة 1676، بتاريخ 14 سبتمبر 1999 بما يعني أنه أمسى من الأماكن المصنفة والمحمية طبقا لمقتضيات الباب الأول المتعلق بالحماية والباب الثاني المتعلق بالترتيب من العنوان الرابع المتعلق بالمعالم التاريخية من مجلة حماية التراث الأثري والتاريخي والفنون التقليدية:

  • وحيث أنّ التسلسل الولائي لسيدي عبد الله الشريف، وفقا لوثيقة عدلية مسجلة بالمحاكم التونسية تحمل رقم1614 صادرة عن القاضي بلحسن النجار مؤرخة في جمادى الثانية 1357/جويلية 1938، قد تواصل في أحفاده الشيخ موسى وسيدي محمد السايح وسيدي عبد الله بوجليدة، دفين تطاوين، أسفل وادي غُرغار، إحدى جهات الجبل الأبيض، ومن نسلهم سلالة الجليدات الأشراف، وقد اطلعنا على عريضة موجهة إلى وزير الثقافة بتاريخ 22 جانفي 2016 وقّعها ما يزيد على أربعين نفرا منهم بينهم السيد عبد العزيز بوعيش الصيد، هم الذين يملكون حصريا الصفة الاستحقاقية في رأس المال الرمزي للوليّ باعتباره جدهم الأعلى، ليس فقط بالسماع الفاشي وتواتر الزيارة على مدى الأجيال المتلاحقة وإنّما أيضا بشجرة نسبهم وهي موثقة بالشهود والعدول، دون أن يدّعوا صفة الاستحقاق العقاري،
  • وحيث أن لا شرعية لملكية غيرهم من الخواص للمعلم المذكور بما يعني أنّ مرجع نظره هو ملك الدولة العام،
  • وحيث أنّ مشاريع التجزئة والتقسيم داخل مثل هكذا مواقع ثقافية تخضع للترخيص المسبق من طرف الوزير المكلف بالتراث، وقد تمت تجزئة المعلم، كما تمّ تقسيمه، ومن غير المقبول أن يتمّ ذلك في غفلة من الهيئات الرقابية وأساسا المعهد الوطني للتراث وبلدية تونس، ومن المفروض أن يُفتح تحقيق في الشأن،
  • فإنّ من واجب وزير الثقافة اليوم ومن صلوحياته طبقا للفصل 42 من مجلة حماية التراث وأمام التشويه العميق الذي بات يهدد المعلم، اتخاذ قرار تحفظي استعجالي لحماية هذا العقار باعتبار أنّ حفظه يشكّل مصلحة عامة ليس فقط من الناحية التاريخية والأثرية مثلما أثبتنا وإنما أيضا من الناحية العلمية والتراثية. كما أن من واجبه تسريع إنجاز بطاقة الوصف العقارية للمعلم حسما لإشكالية ملكيته، إن وُجدت، وبتّا نهائيا في إشكالية التخصيص، سدّا لأية ذريعة قد تحول دون سرعة التدخل وليونة الإنجاز.

هذا الملف مطروح على أنظار كل الجهات ذات الصلة منذ سنة 2017 فهل تم البت فيه؟

شاهد أيضاً

مدينة تهذي ؟!

زهير بن يوسف  هي إحدى مدن الغبار البصري، سماها صالوست (ت 35 ق.م) قديما مدينة …

باب الجنائز: ثقل التاريخ وأعباء الحاضر

زهير بن يوسف  باب الزنايز/الجنايز، ليس فقط معلما معماريا داخل النسيج العمراني العتيق لإحدى المدن …