السبت , 19 سبتمبر 2020

عريضة أم انتفاضة ؟

سامي براهم 

في البداية لم أعر الأمر اهتماما، فمسالة التّداول القياديّ وعدم الانفراد بالسّلطة ومركزة الصّلاحيات مسألة قديمة متجدّدة داخل التيّار النّهضويّ منذ كانت تسميته الاتّجاه الإسلامي، تثار من فترة لأخرى ثمّ تخبو بنهايات إخوانيّة سعيدة “دمعة وابتسامة وعناق” دون الانتباه إلى أنّ ذلك تجديف ضدّ منطق التّاريخ وسننه فالظّواهر الاجتماعيّة التي لا تسري فيها دماء جديدة عرضة لتصلّب الشّرايين والتجلّط.

بل لقد تاخّرت هذه المبادرة كثيرا رغم تعاقب الأجيال والكفاءات على هذا التيّار منذ جيل التّأسيس إلى اليوم، وقد قلنا في نصّ سابق أنّ هذا التيّار يشكو من الاحتباس الجيلي الذي تسبّب فيه إيقاف قسريّ لمجرى التدفّق الطبيعي بالمدلول السّوسيولوجي.
ولم أقف كثيرا عند مضمون العريضة فروحها لا تختلف عن روح لوائح المؤتمر العاشر خاصّة لائحتها التّقييميّة التي نعتبرها نموذجا متقدّما للنقد الذّاتي كما لا تختلف عن الخطاب الذي يصدر عن كثير من النّهضويين سواء في العلن أو في ما بينهم.
لكن ما لفت انتباهي هو هويّة المائة الأولى في القائمة المفتوحة الموقّعة على العريضة فبالإضافة للهويّات المثبتة في نصّ العريضة “أعضاء شورى، أعضاء مكتب سياسي، أعضاء مكتب تنفيذي، أعضاء كتلة برلمانيّة، كتّاب عامّون جهويّون، رؤساء شورى جهويّ ..” يمكن قراءة القائمة باشكال ومعايير متعدّدة فهي تضمّ كلّ الأجيال من رعيل التّأسيس الأوّل إلى ندوة الإعلان السياسي جوان 1981 مرورا بكلّ المحطّات وما يطلق عليهم الإسلاميّون محنا يؤرّخون بها.
وهي تشمل بذلك كلّ الأعمار والفئات “مؤسّسون، مساجين سابقون، مهجّرون سابقون، جامعيّون بعضهم دكاترة من مختلف الاختصاصات “لغات علم اجتماع فلسفة طبّ هندسة اقتصاد حقوق شريعة…” ومنهم أساتذة جامعيّون مباشرون ونساء وشباب وموظّفون وأصحاب أعمال حرّة، فضلا عن الوزراء السّابقين وأعضاء المجلس التّأسيسي.
كما تضمّ أغلب جهات البلاد من بما في ذلك مسقط رأس رئيس الحركة، ومن بين الممضين عليها بصفاتهم:
رئيس المكتب السياسي، رئيس أكاديميّة النّهضة المكلّفة بالتّأطير والتّكوين السّياسي، مسؤول المهجر، مسؤولة مكتب الشّباب المركزي، مشرف إطارات المهجر، مسؤول جهة بريطانيا رئيسا مكتب التنظيم السّابقين، مسؤول الانتخابات، رئيس لجنة الإعداد المضموني للمؤتمر العاشر، رؤساء مكاتب شورى جهويّين وغيرها من التّصنيفات التي تعطي انطباعا أوليّا لمن يراقب من الخارج أنّ المسألة ليست مجرّد احتجاج أو ضغط لتحسين شروط الحوار مع رئيس حركة يأبى القبول بمبدأ التداول الذي نصّ عليه القانون الدّاخلي للحركة ودعا له هو نفسه في أحد مؤلّفاته وأصّله شرعيّا.

المسالة في تقديري أبعد من ذلك بل هي أقرب إلى انتفاضة سياسيّة عنوانها التّداول القيادي والدّيمقراطيّة الدّاخليّة، هي أشبه بنقض ما بقي من نظام البيعة الذي تأسست عليه الجماعة الإسلاميّة الأولى والخروج عن شكل من الانتظام التّقليدي القائم على ثنائيّة الإمامة والزّعامة والطّاعة في المنشط والمكره والشّورى المعلمة غير الملزمة.
هي معركة قديمة متجدّدة أكلت رجالا ونساء وهمّشتهم وطحنتهم “فهل إلى خروج من سبيل” ؟

شاهد أيضاً

النهضة تخوض كبرى معاركها

نور الدين الغيلوفي  الغنّوشي وخصومه داخل حركة النهضة لعلّ أوضح دليل على أنّ النهضة تخلّصت …

هل هو شأن داخلي لا يعنيني ؟

فتحي الشوك  قد يبدو الأمر لا يعنيني، شأن داخلي خاص لحزب لا أنتمي اليه ومن …