الأحد , 20 سبتمبر 2020

صراع إرادات المنعرج التاريخي الكوني

أبو يعرب المرزوقي 

من يقارن من حول مكرون من الغرب بالمقارنة مع من يقلو اردوغان من الشرق يتصور أن الاول بخلاف الثاني له سند عظيم.

وما هذا الوهم إلا لعلتين:
⁦1️⃣⁩ الأولى قيس من حول اردوغان بالعربان.
⁦2️⃣⁩ الثانية قيس من حول مكرون بما يظهره كاثوليك أوروبا للاتينية

وفي الحقيقة فإن من مع اردوغان أكثر عددا وأصلب عودا ممن هم مع مكرون.
فهذا معه الخونة من العرب وبعض الخونة من شعوب الاقليم والمنافقون من كاثوليك أوروبا وكلاهما ممن لا حول لهم ولا قوة.
لكن اردوغان معه كل شعوب الاقليم بل وكل الشعوب الإسلامية وحتى حكومات المسلمين ممن ليسوا من العرب في افريقيا وآسيا وحتى في أوروبا (حكومتان).

وبذلك فالحساب الذي ينبغي أن يعتمده من يريد أن يحلل ميزان القوى في شرق المتوسط -واعتقد أن كل الاستراتيجيين الغربيين يلعمون ذلك- هو هذا المعطى الأساسي في المعادلة.
ولي على ذلك دليلان يعسر دحضهما:

⁦1️⃣⁩ فالدليل الأول أنه لولا ذلك لكان أعداء تركيا قادرين على تكرار سايكس بيكون الأولى لتحقيق الثانية بنفس الخونة من عرب الاقليم ومن انضم إليهم من بقية شعوبه وهم قلة قليلة لا وزن لها.
وكل المحاولات لتحقيق ذلك فشلت وآخرها الانقلاب الذي أثبت أمرين: أن الشعب صار الحام الحقيقي للديموقراطية بعد أن عادت تركيا لذاتها وأن من كانوا يدعون حماية العلمانية فيها ليسوا إلا من جنس الخونة العرب.
والمعلوم أنه لا وزن للحكام إذا كانوا لا يمثلون الشعوب ولا وزن حتى للشعوب التي ليس لها من الدولة إلا الاسم لان الإمارات والبحرين كلا شيء. وحكومة السعودية ومصر وحكومات مستعمرات إيران في الاقليم (سوريا والعراق ولبنان واليمن) لا وزن لها.

⁦2️⃣⁩ والدليل الثاني وهو ما حال دون الاعداء والتطبيق السريع لخطة ضرب تركيا منذ شروعها في استعادة ذاتها كما فعلوا لما كانت خلافة مريضة وما يعلل ترددهم هو علمهم بأنها تعافت أولا وبانها تعلم أن أعداءها يعلمون من معها بعد الله طبعا.

لذلك فهي استطاعت -لعلمها بعلم اعدائها بذلك وبسر قوتها الفعلية بخلاف الظاهر- أن تنتصر ليس على فرنسا وحدها بل وعلى روسيا وأمريكا:
⁦1️⃣⁩ فتمنع مشروع محاصرتها ارضيا إذ حالت دون تكوين الدولة الكردية العلمانية في سوريا وهي لو تكونت لفصلتها عن قلب دار الإسلام أي مركز الحضارة الإسلامية الذي هو أقليمنا مشرقه ومغربه.

⁦2️⃣⁩ وتمنع الحصار البحري وهي ستنتصر في شرق المتوسط كما بدأت العملية بانتصارين لا شك فيهما فهي استطاعت انقاذ ليبيا عسكريا وانقاذ حظها وحظ ليبيا في مياة المتوسط وكل من يريد من مسلميه مشرقا ومغربا لو عادت لقياداتهم شهامة الرجال الأحرار.

⁦3️⃣⁩ وهي بصدد اخراج فرنسا من افريقيا بدءا بليبيا وما وحولها وشروعا في ما وراء الصحراء الكبرى في افريقيا إلى حدودها على البحر العربي والبحر الاحمر وكل ما يرجع فرنسا وغيرها إلى حجمهم الطبيعي الذي كان لهم لما كانت تركيا مركز الخلافة.

وطبعا ليست قيادات تركيا متخلفة ذهنيا بحيث تفكر في حصر بناء المستقبل بتكرار الماضي دون التغيير المناسب للعصر. فهم لا يفكرون في اعادة الخلافة بشكلها الأول (الراشدة) ولا حتى الثاني (بعد تحريفها) بل بشكل افضل منهما.
فالمسلمون اليوم بفضل تعميم التعليم والثقافة الواعية برهانات العصر وبفضل أدوات التواصل والاتصال الحديثة كل ذلك يمكنهم من تكوين قطب متحد الأهداف السياسية بصنفيها
أي شروط الرعاية وشروط الحماية بمنطق العصر وهو معنى الوحدات الكبرى التي ينتظم بمقتضاها العالم في عصرنا على اساس الوحدة الحضارية والمصيرية.

ولعل المبادرة الهادفة لتحقيق المشروع بدأت حتى قبل اردوغان لأن صاحبها هو اربكان استاذه وعاد إليها أردوغان بجمع خمس قوى إسلامية كبرى يمكن أن تكون نواة القطب الإسلامي في نظام العالم الجديد.
فجمع بين قوتين من جنوب شرق آسيا وقوة باكستان وقوة تركيا ممثل للعرب حتى وإن لم تكن دولة كبرى فهي ذات امكانات اقتصادية مهمة.
لكن نخب تونس المتخلفة في كل شيء -وخاصة أدعياء الحداثة ممن لا يفهمون منها إلا قشورها ونتائجها دون شروطها العلمية والخلقية- ما زالت تتغنى بالدولة الوطنية التي ليس لها من الدولة ومن الوطنية إلا الاسم.
من لم يفهم فهم مكرون لحاجة أوروبا للوحدة وسعيه لتوحيدها من اجل أن يكون لها سيادة مشتركة على المتوسط وفي العالم -ويحارب اردوغان خوفا على سيادة تونس التي هي مطلقة التبعية ودائمة التسول رعاية وحماية- أصم وأبكم وأعمى ولا يعقل.
ولو كان لهم ذرة من عقل لما كانوا توابع لفرعي الثورة المضادة في الأقليم: فهم توابع للعرب التوابع لإسرائيل وأمريكا أو توابع للعرب التوابع لإيران وروسيا. ولا يدرون أنهم توابع لأعداء شعوب الأقليم وحماه الحاميين الاقليميين لا يمكنهم محاربة شعوب الأقليم.
فروسيا لا تستطيع محاربة تركيا لأن قوة تركيا تتجاوز دولة تركيا إلى كل الاتراك الذين يمثلون الجمهوريات المستقلة التي كانت تابعة لروسيا والتي من دونها تصبح روسيا شديدة الهشاشة وتفقد شروط الامن في مجالها الحيوي.
وأمريكا لا يمكن أن تستعد للصراع مع الصين مع مواصلة الحرب على الإسلام والمسلمين. وهي تعلم أن تركيا مع الأربعة الذين بدأوا في مشروع اربكان وعادوا مع اردوغان هم الممثلون الحقيقيون للامة وليست محميات الخليج أو الهلال.
لذلك فأنا مطمئن إلى أن التاريخ في منعرج كوني تمثله عودة الأمة إلى الفاعلية التاريخية. ولعله من صدفها أن تكون تركيا في بداية القرن الماضي علامة على بلوغ الضعف غايته وهي في بداية القرن الحالي علامة بلوغ الاستئناف بدايته. فالحمد لله والشكر على ما يمن به علي الأمة من شروط القوة والعنفوان.

شاهد أيضاً

حدود “البلا حدود” الحرب على الإسلام ممولوها واستراتيجيوها

أبو يعرب المرزوقي  خمس مسائل تحيرني في دور الثورة العربية المضادة بصنفيها. واعتقد أني قد …

لماذا ساند ماكرون إساءة “شارْلي ايبدُو” للرسّول ؟

سليم حكيمي  في مغازلة انتخابية تحافظ على التوازن وتمنع نهايته في رئاسيات سنة 2022، وقف …