السبت , 31 أكتوبر 2020

الرسوم الكاريكاتورية والمتخيل المسيء

زهير بن يوسف 

1. الكاريكاتور والمسبقات الإدانية
في الوقت الذي يسعى فيه خطاب الحداثة إلى تجديد أسئلة الثقافة العربية وفلسفة المقدس الإسلامي تصرّ قوى من أقصى اليمين المهوس بنزعة المركزية الأوروبية على إعادة ابتناء متخيّلات تجعل من العربي والمسلم مرادفا للتخلف والهمجية وتشرّع لتحرّك آلة العقاب ولخطابات الغلبة والتسلّط والقهر وتقود إلى تطويع الحضارة الإسلامية بمختلف دوائرها حتى تمتثل لمقررات غيرها واستحقاقاته بالتزامن مع محو العناصر التي تسمح لها بالإسهام في إثراء الحضارة الكونية والانخراط في تكريس مقولة كونيّة التغاير بديلا عن كونية التماثل وإستراتيجية الإلحاق.

2. الإساءة ليست حرية تعبير

برنار ليفي

في ضوء مقررات أشد خطابات النظام العالمي الجديد قتامة ورفضا للآخر ومقتا للاختلاف يتنزّل خطاب الإساءة المتعاودة إلى النبيّ محمّد وإهانة المقدّس الإسلامي بمختلف رموزه. وإذ نجدد تنديدنا بالهجوم الإرهابي الذي كان قد استهدف مقر صحيفة شارلي إيبدو الساخرة في جانفي/يناير 2015 من قبل متشدّدين على إثر نشر الجريدة المذكورة لـ 12 رسما مسخيا للنبي محمد، نؤكد على أن مساءلة العقيدة مساءلة فلسفية أمر مطلوب إلا أنّ نقد المقدّس لا يعني انتهاك المقدّسات وإهانة الرموز الدينية، وعليه فإنّ التجسيم الكاريكاتوري لشخصية الرسول بشكل ممنهج (صحيفة يولاندس بوستن الدنماركية، سبتمبر 2005. صحيفة مقازينات النرويجية 2006 وصحيفة دي فيلت الألمانية وصحيفة فرانس صوار الفرنسية وصحف أخرى في أوروبا) بمثل الإيحاءات المسخيّة التي صوّرتها بها جريدة شارلي إيبدو، وهي على أيّة حال غير ذات علاقة بشخصية النبيّ لا في الواقع التاريخي ولا في المخيال الإسلامي، لا تدخل تحت دائرة حرية التعبير وممارسة حقّ الاختلاف، مثلما ذهب إلى ذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لأغراض انتخابية وبرنار ليفي بدوافع تمييزية، بدليل قرار المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في أكتوبر 2018 وقد ورد فيه حرفيا: “أن الإساءة إلى النبي لا تمت بصلة إلى حرية التعبير” طبقا لما ورد في المادة العاشرة من الميثاق الأوربي لحقوق الإنسان وإنما تدخل تحت دائرة الثلب والمساس بالكرامة والنيل من الحرمة، وهي الجرائم المنظمة التي طالت قبل ذلك الشعوب العربية في رموزها السياسية على غرار ظروف الإيقاف المهينة للرئيس العراقي صدام حسين وانتهاك القوانين الدولية في محاكمته وإعدامه والحصار المذلّ ثم الإنهاء المستراب للزعيم ياسر عرفات بغاية إذلاله وكسر إرادة المقاومة لديه…

3. الرد على الكاريكاتور بالكاريكاتور/ بالتجاهل
إن نشر هذه الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لشخصية نبي الإسلام من جديد سلوك إعلامي غير مقبول وغير مسؤول يدفع نحو الكراهية والحقد ويحرّض على التباغض بين الأجناس ويضمر نوايا عنصرية ويغذّي أكثر آليات الفكر تقادما وغلوّا ورجعيّة شمالا وجنوبا، شرقا وغربا ويشرّع لفلسفة الدمار.
وحسنا فعل رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية حين أكّد على أولوية التنديد بالعنف والتفكير في ضحايا الإرهاب مطالبا في ذات اللحظة الرأي العام المسلم بالتصدي لإعادة نشر الرسوم المسيئة بالتجاهل والرد ّعلى الكاريكاتور بالكاريكاتور، وآية ذلك قوله: “لقد تعلمنا تجاهل الرسوم الكاريكاتورية، ونحن ندعو إلى التمسك بهذا السلوك أياً كانت الظروف”.
هي إذن دعوة حكيمة ومتزنة إلى ضبط النفس و”جدال الآخر بالتي هي أحسن” وقطع الطريق أمام خطابات القدامة التي تخلع على المسلمين تلك الصورة القاتمة (ظاهرة داعش والتنظيمات التكفيرية مثالا) التي تجد فيها المركزية الأوروبية ذريعة لاستعداء الدنيا على العرب وعلى المسلمين وعلى الإسلام ليس فقط دينا وإنما ثقافة وحضارة، وليس على نخبنا إلا أن تتحمل مسؤولياتها في الدفاع عبر خطاب العقل عن هويتها الوطنية والوقوف أمام أية إهانة لرموزها أو إساءة لمقدساتها.

د. زهير بن يوسف
ناشط حقوقي

شاهد أيضاً

الإساءة للنبيّ حريّة تعبير.. والإساءة للعلم تستوجب الإيقاف فورا..!!!

عبد اللّطيف درباله  الإساءة للنبيّ محمّد في فرنسا حريّة تعبير تستوجب التضامن والحماية.. والإساءة للعلم …

سلوان المطاع في عدوان الأتباع

زهير بن يوسف  السلوانة الأولى: “القوم في السر غير القوم في العلن” !!! السلوانة الثانية: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.