الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

في الإرهاب والتدين والمخابرات…!!!

عبد الرزاق الحاج مسعود 

أمثلة للفهم

التديّن الجاهل والأحمق والعنيف حقيقة اجتماعية يومية شديدة الواقعية قريبة منا جميعا. لا أظن أن أحدا لم يتعامل في حياته مع نماذج بشرية تجسد هذا التدين القاتل. شاب في حي شعبي في العاصمة أو أي مدينة تونسية، أو في قرية من قرى الدواخل، يستبطن حالة الانفصام الأخلاقي المتوارثة في عائلاتنا، بين نموذجي وجود يقيم بينهما في مخياله تناقضا مرضيّا: الاستقامة الدينية الصارمة والميوعة و”الفساد” المنتشرين في المجتمع. فساد يصبح أداة تفسير للفشل الفردي والجماعي. الفساد ابتعاد عن الدين، والابتعاد عن الدين يسبب غضب الله، وغضب الله يسبب الفشل الدراسي ويفسر أيضا الغرق في المعاصي كالخمر والمخدرات والجنس والجريمة.. كما يفسر انقطاع المطر وظلم الحاكم الذي يسلطه الله على الشعب البعيد عن الدين.. النتيجة اللغم هي أنه لا سبيل للتخلص من كل هذا الفشل إلا بالعودة إلى الاستقامة الدينية الصارمة بدءا بالمظهر من لحية وقميص وجلباب ونقاب تميزا عن الكفار، وصولا إلى إجبار الناس على العودة إلى الله بكل الوسائل.
حتى التفوق العلمي أحيانا لا يمنع هذا النوع من التفسير الأحمق لمشاكل مجتمعية معقدة.

هذه هي المادة الأولية البشرية للتطرف المتدين العنيف. ولكنها مادة انفجارية حمقاء تحتاج “ذكاء” يستعملها ويعطيها “دورا” ذا فاعلية ومردود سياسيّين.
هنا يأتي دور “الشيوخ” المزيفين. أقول مزيفين لأنه لا يمكن لشخص سويّ أن يرتقي في سلم المعارف الدينية حتى الفقهية القديمة المتخلفة التي تحتوي عنفا غبيا مثل فتاوى قتل تارك الصلاة.. لا يمكن لهذا الشخص أن لا ينتبه إلى تناقضات وحمق الطرح الجهادي. وهنا يقع الاختراق المخابراتي الخطير لهذه الكتل البشرية الحمقاء.

الموضوع طبعا معقد وسيظل مصدر انقسام سياسي وتوظيف رخيص للأسف. لذلك سأكتفي برواية قصتين شخصيتين سريعا لتفسير حكاية الاختراق والتوظيف:
كان معنا طالب مناضل شديد الانضباط في نضاليته. لا يفوت اجتماعا عاما ولا حلقة نقاش ويرفع الشعارات بحماس في المظاهرات. صعد قبلي يوما إلى الحافلة ونحن نتجه من الكلية إلى وسط العاصمة للتظاهر. سقطت منه أمامي بطاقة. التقطتها لأعيدها إليه. كانت بطاقة مهنية مكتوب فيها أنه عون أمن.
هل كان حالة فريدة ؟

إليكم الثانية: كانت الدروس الدينية خلال النصف الثاني من الثمانينات في جامع الزرارعية بالعاصمة منتظمة ومكتظة. من بين الشيوخ النشطين فيها نقاشا وتنظيما وحرصا على مظاهر التقوى من اللحية إلى طابع السجود أحد الضباط السامين الذي سيشرف على الاعتقالات والتعذيب والقتل بعد سنوات قليلة.
طبعا أعرف من الأصدقاء من عاش قصص الاختراق المخابراتي الدولي المعقدة.
خميرة الإرهاب مجتمعية بل إنسانية حتى، أي متجذرة في الواقع المادي وفي البنى الثقافية للمجتمع، والبنى النفسية للفرد.
القول بأنه صناعة مفتعلة تبسيط لا علاقة له بالفكر والفهم.
أما توظيفه وتوجيهه والتحكم فيه تسليحا وتمويلا وتوقيتا فهو عمل سياسي مكشوف تتبناه أنظمة وشبكات الجريمة السياسية بكامل الوعي والتصميم، وترصد له علماء ومختصين. ومن ينكر ذلك لا يريد أن يفهم.. أو أنه يعمل على منع الفهم.

شاهد أيضاً

ماكرون رئيس صغير …

عبد الرزاق الحاج مسعود  ماكرون يسيء إلى صورة فرنسا والى شعبها المتعدد والى الاستقرار في …

الحرية الفاضحة

عبد الرزاق الحاج مسعود  زمن الدكتاتورية، كنا نظن أن انجلاءها كاف وزيادة لإقامة دولة الحقوق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.