الثلاثاء , 27 أكتوبر 2020

من سيجبر ضرر هذا الإنسان ؟

فتحي الشوك 

والآن هل سنعتذر لذلك الإنسان الّذي هتكنا عرضه ونهشناه كما لا يفعل ذلك حتّى الحيوان ؟
أيّ توحّش أصابنا وأيّ مرض وأيّ عمى ألوان؟
أشعث كثيف اللّحية أسمر البشرة، ثيابه رثّة أوجده حظّه العاثر في مكان الجريمة صدفة ليُقتاد مشتبها فيه، وقد يبرّر ذلك بوقع الصّدمة في إطار السّعي للبحث عن الحقيقة وكشف أوراق اللّعبة، فاذا بصورته تنتشر كما النّار في الهشيم على صفحات العامّة والنّخبة في زمن الدّجل والنّذالة والخسّة.

هذا هو الإرهابي الرّابع العفن الوحش المتوحّش، الجرذ الحيوان الّذي يجب أن يسحل ويعلّق جسده على أبواب المدينة لتأكل من رأسه الّطير!
هذا هو الّذي كانت له صورة مع شيخه الخرّيجي !
هذا من كان يوجّه الإرهابيين الثّلاثة الآخرين وهو من استقطبهم ودفعهم للجهاد ضد “الطّاغوت” الكفّار ابتغاء الفوز بحور العين !
اللّعنة على حقوق الإنسان وحتّى الحيوان وتبّا للحرّية والدّيمقراطية وثورة “البرويطة” الّتي أتت بالإرهاب و”الاخوانجية”!
محاكم تفتيش أُقيمت على عجل ومقاصل أُنشئت وعقول أبدعت في إيجاد وسائل التّعذيب كما فُعل في الموريسكيين أو في سجن أبو غريب ولم يساورهم أدنى شكّ في كون الرّجل إرهابي ابن إرهابي وتلميذ إرهابي وصاحب إرهابي، هيأته، لحيته، سحنته، بشرته، تكفي للحكم عليه.

فوزي السعيدي الذي لسوء حظه لم يكن له من اسمه شيئا، ثبت أن لا علاقة له بالحادثة الإرهابية الشّنيعة الّذي ذهب ضحيتها أحد عناصر الحرس المرابطين السّاهرين على أمننا، الشّهيد بإذن الله سامي مرابط وأصيب خلالها زميله الوكيل رامي الإمام بجراح خطيرة ونتمنّى له شفاء عاجلا وتامّا، عملية إرهابية من بين منفّذيها الثّلاثة شقيقان في العشرينيات من عمرهما ميسورا الحال، أحدهما متزوّج حديثا وكلاهما عُرفا سابقا بالمجون وحياة اللّهو كجلّ أدوات تنفيذ العمليات الإرهابية الّذين في الغالب هم من أصحاب السّوابق والمنحرفين ومروّجي الخمر و”الزّطلة” ومتعاطيها انقلبوا بين عشية وضحاها إلى أئمّة ومتفقّهين يفتون ويُكفّرون ويفجّرون ويذبحون.

فوزي مواطن بسيط منسي في وطن لا يحترم مواطنيه، عامل كادح يسعى لقوت يومه، يعمل ليلا في أحد المطاعم وزوجته تقضي يومها في صنع الخبز تتقاسم معه حلو الحياة ومرّها صحبة أبنائهما الثّلاثة.
فوزي لم يكن الضّحية الأول في تهمة الوصم والحكم المتسرّع ولن يكون الأّخير فقد سبق أن تعرض لذلك مواطن آخر يعمل بحضيرة بناء في عملية باردو الإرهابية منذ سنوات.
الشّكل كان حاسما ولا يمكن تصنيف هؤلاء المشتبهين إلّا بالوحوش ونزعهم كلّ صفة إنسانية.
من سيجبر ضرر هؤلاء أم أنّهم هوامش لا يستحقّون اعتذارا بل كما يعتقد بعض المرضى المهوسون بالإقصاء لا يستحقّون التّواجد والبقاء؟
نفس الغوغاء، ذات الميول التسطيحية والأحكام الانطباعية النّمطية المتسرّعة والجائرة والجارحة هي من أصدرت أحكاما متناقضة مع الأولى في قضيّة بلطجة احدى الحسناوات ذات البشرة الشّقراء والعيون الزّّّرقاء والشفاه المنتفخة والشفرات المطوّّلة والشعر الذّهبي المصفّف والأظافر المطليّة، لا يمكن لمثل هذه أن تكون مجرمة حتّى ولو شوّهت وجه ضحيتها واعترفت بذلك!
انتصب المدافعون عنها والمبرّرون لفعلتها بل تطوّع آخرون لتحمّل جرم ما ارتكبته بينما تمنّى آخرون لو كانوا هم ضحيتها!
مجرمة جميلة ستبقى في عيونهم المصابة بالحول جميلة ومنزّهة عن كلّ فعل قبيح أو مُنكر.
عنصريّة مقيتة وتجل للتّهميش و”الحقرة” وخطاب الحقد والكراهية وتكريس للفروقات الطّبقية والجهوية.
كان على فوزي أن يحلق لحيته بالموسى ولم لا يستعين بالسكّر وينمّص حاجبيه ويصفّف شعره ويلبس الجين الضيّق الممزّق ويوشّم زنده ولم لا ينتعل كعبا عاليا ويميس في مشيته ويصفّر بشفتيه المطليتين بالأحمر ليمرّ صدفة أمام حادث مماثل ولا يثير الشّبهات!

الإرهاب لا يعالج بمثل هذه الترّهات والأطروحات والمقاربات، وعدم السّعي للتّعامل مع أسبابه العميقة من جهل وتصحّر ديني وفقر وتهميش وظلم اجتماعي وأياد خارجيّة عابثة متآمرة مع أخرى داخليّة جعلت منه استثمارا وزرّا يُضغط عليه كلّما تعرّضوا إلى أزمة، ستجعل منه ظاهرة تغيب لفترة لتبرز حينما يراد ذلك، فالرّيبوتات، تلك الكائنات المشوّهة الهجينة المتوتّرة والمندفعة وغير المتوازنة المُفرّخة من ماكينة صدئة والنّتيجة المباشرة لمنظومة الفشل والتّدمير الممنهج للإنسان وللقيم من السّهل استنساخها أو توجيهها وتفعيلها، وتبقى دوما أدوات تنفيذ لأجندة الإرهابيين الحقيقيين من هم فوق الشّبهات، وبعضهم ذوو وجوه تلمع وبربطات عنق أنيقة وببدلات من آخر الصّيحات!
و بعضهنّ من غير ذوات “البرقع” تخالهنّ عارضات أزياء!

د.محمد فتحي الشوك.

شاهد أيضاً

لعبة الفيل و الحمار (2)

فتحي الشوك  أيّام قليلة و يبوح سباق الفيل و الحمار بكلّ أسراره، تهيّأت غابة العمّ …

لعبة الفيل و الحمار (1)

فتحي الشوك  يحبس العالم أنفاسه منتظرا بترقّب ما ستفرزه صناديق اقتراع الانتخابات الرّئاسية الأمريكية المزمع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.