الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

“الفاشوش في حكم قراقوش”

فتحي الشوك 

أورد المؤرّخ ابن ماماتي في كتابه “الفاشوش في حكم قراقوش” قصصا غريبة ترتقي إلى النّوادر تتعلّق ببهاء الدين قراقوش من ساهم في إرساء أركان الدّولة الأيّوبية وإنهاء الحكم الفاطمي في مصر مع نهاية القرن الثاّني عشر ميلادي و بداياته.

تناقلت الذاّكرة الشّعبية تلك القصص كما نوادر جحا وأشعب وصارت القراقوشية علامة مميزة لحكم الفرد المستبدّ الغبيّ ومن أشهر تلك الوقائع أنّه في عهده اشتكى أحدهم جنديّّا وكز زوجته فتسبب في إجهاضها وهي في شهرها السّابع فحكم قراقوش على الجندي بأن يتكفّل الأّخير بزوجة الشاكي ويسكنها عنده لمدة سبع أشهر ثم يعيدها إليه وهي حامل فلم يكن من المتضرّر إلاّ أن يهرب صحبة زوجته وقد تخلّى عن دعواه!.

وفي قصّة أخرى تقدّم أحدهم إلى قراقوش مشتكيا رجلا يتهرّب من سداد ما عليه من دين فما كان من قراقوش إلاّ أن سجن الشّاكي بعد أن برّر المشتكي به بان سبب عدم سداده للديّن يعود إلى عدم عثوره على الدّائن كل مرّة يهمّ بفعل ذلك فكان السّجن لتثبيت العنوان!

ويحكى كذلك أنّ بخيلا استدان وأراد التخلّص من مطالبيه بالسّداد فقرّر صحبة ابنه الأكثر بخلا منه أن يتظاهر بالموت ليصلّى عليه فيصرخ وهم يهمّون بدفنه فسأله قراقوش الحاضر حينها: “هل أنت حيّ أم ميّت” فأجابه بأنه حيّ فيلتفت إلى الحضور ويسألهم نفس السّؤال فيجيبونه بأنه ميّت فأمر بدفنه وهو حيّ !

أحكام غريبة وعجيبة يصفها البعض بالغباء المفرط في حين يصنّفها قلّة بأنّها عبقرية فذّة من فطحل وحيد زمانه، أوّل وفسّّر وحكم بما رآه واذا كانت استخراجاته تثير الضحك أحيانا وتتّّسم بالطرافة فهي كانت بعض الكلمات من الأسطر التّي تنضخ دموعا ودماء بما مارسه من ظلم ونهب وتصفية للخصوم وتسلّط وقمع.

كم من قراقوش حكمنا وكم من قراقوش قرقشنا ويقرقشنا وكان حكمه فاشوشا ومشاريعه “فنكوشا”؟
إلى متى سنعيد تجربة اكتشاف أنّ العجلة مدوّرة وأن البيض سيتكسّر حينما تكون مثلّثة أو مربّعة أو منحرفة الزّوايا؟
هل مصيرنا أن نجتر ونكرر أخطاءنا ونعيد تاريخنا في شكل مهزلة أو مأساة؟

أسئلة استحضرتها وأنا استمع إلى خطاب السّيد الرّئيس وأتمعّن في سلوكياته وربّما كان قراقوش أكثر وضوحا منه وسط الغموض الشّديد الّذي يتعمّد أن يلبس به فعله وقوله فيتوجّه دوما إلى المجهول وكأنّه يواجه أشباحا شرّيرة تراءت في شكل طواحين هواء كما كان يقنع دون كيشوت صديقه البسيط سانشو، وهو الذي يعلم كلّ شيء و يمتلك مطلق الحقيقة وفي فسطاط الأخيار المنصور حتما على بقية الأشرار و ستثبت ذلك الأقدار!

خطاب حرب وتخوين وحقد وفتنة من قبل من من المفترض أن يكون جامعا وداعيا للوحدة والتهدئة وباثا للطمأنية أمام ما يتهدد البلاد من الصعاب والأخطار.
توتّر وتشنّج وانفعال غريزي قد يكون مبرّرا لدى أحد العامّة عندما يُجرح في كبريائه ويُستثار غروره وتستفزّ أناه المتضخّمة لكن لا يمكن أن تجد لما وقع عذرا لدى من كان بمركز قيادة البلاد.
ربّما قد نتحسّر على قراقيش الماضي أمام ما نراه من قراقيش الحاضر!

د.محمد فتحي الشوك

شاهد أيضاً

قطّاع طرق الحبّ من غلاة اليمين واليسار

فتحي الشوك  أصاب بالقرف كلّما استمعت إلى تعليقات وتحليلات سدنة معبدي “الحدثوت” و “اللّاهوت” من …

لعبة الفيل و الحمار (2)

فتحي الشوك  أيّام قليلة و يبوح سباق الفيل و الحمار بكلّ أسراره، تهيّأت غابة العمّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.