الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

كيف نفهم آليات الحكم الفعلية ؟

أبو يعرب المرزوقي 

• المدخل اليوناني
المدخل اليوناني لتصنيف أنظمة الحكم وتحليل آليات عملها معلوم لأن تسمياته ما تزال سارية المفعول في العالم. وهو خاضع لنموذج نفسي عضوي يعتمد على قوى النفس الثلاث: العقلية والغضبية والشهوانية.
ويستند في تصنيف الأنظمة إلى تأليف بين محددين هما نسبة عدد الحكام إلى المحكومين وأخلاقهم.

ولما كان العدد مترددا بين ثلاثة احتمالات إما واحد أو قلة فوق الواحد أو كثرة.
وكان العامل الخلقي ثنائيا إما فاضل أو غير فاضل تم الوصول إلى أن العدد هو ستة أنظمة:
• ثلاثة فاضلة هي :

  • الملكية واحد فاضل
  • والأرستوقراطية قلة فاضلة
  • والجمهورية كثرة فاضلة

• وثلاثة غير فاضلة هي :

  • الدكتاتورية
  • والأوليغارشية
  • والديموقراطية.

لكن هذا التصنيف شكلي ولا يبين طبيعة المؤثرات في عمل الحكم من حيث هو حكم بصرف النظر عن عاملي عدد الحكام وأخلاقهم فضلا عن كون عاملي التصنيف لا يثبتان أمام الفحص.

  • فحكم الواحد ممتنع إذ يحكم معه بطانته.
  • وحكم الأغلبية ممتنع لان الحكم متنافس عليه فيقع احتكاره من قلة.

لذلك فإنه لم يبق إلا حكم القلة مع المحافظة على وهمي:

  • ⁩الواحد أساسا لشرعية الملكية وهو أساس كاذب
  • ⁩أو الكثرة أساسا لشرعية الجمهورية وهو أساس كاذب كذلك.

كما أن المعيار الخلقي المقابل بين الفاضل وغير الفاضل فهو مموه لأن:

  • ⁩الفضيلة قد لا تكون إلا منافقة
  • ⁩والرذيلة قد لا تكون إلا تهمة من المنافق للصادق.

• منطلقنا سيكون إذن مبدأ أكثر التصاقا بعمل الحكم بعد بيان عدم جدية المعيارين.
وهذا المبدأ واضعه يسمى عبد الرحمن بن خلدون.
إن مبدأ التصنيف الخلدوني ينطلق من تجاوز التصنيف اليوناني بخصائص الحكام وبمبدأ الحكم من حيث صلته الكمية والخلقية بهم

  • ⁩بسبب أن الحكام يمكن أن يخادعوا المحكومين بظاهر مخالف للباطن.
  • ⁩وبسبب استحالة حكم الواحد والأغلبية إلا وهما لأن الحكم هو دائما لأقلية نافذة.

تجاوزه إلى التصنيف بتراتب وظائف الدولة وبأعضائها المؤدية لهذه الوظائف أيا كان شكلها وبصرف النظر عن العدد والأخلاق.
فالمقابلة بين مادة العمران وصورته ببعدي كل منهما الفعلي (الحكم والاقتصاد) والرمزي (التربية والثقافة) هي المقابلة بين:

  1. الوظيفة الفعلية لسلطة الدولة ممثلة بسلطة مؤسسات المجتمع السياسي والاقتصادي أي سلطة القدرة المادية الفعلية سلاحا ومالا.
  2. والفاعلية الرمزية لسلطة المرجعية ممثلة بسلطة مؤسسات المجتمع التربوي والثقافي أي سلطة القدرة المعرفية الفعلية تخطيطا وعلاجا.

• وبذلك نحصل على أربعة أنظمة ذات أصل واحد هو وعي الجماعة بكيانها الحضاري الذي مادته المجتمع وصورته الدولة.
فالتراتب بين الفعلي من صورة العمران يعطينا نظريا صنفين من نماذج الدولة بمقتضى التقديم والتأخير على النحو التالي:

  1. دولة القرار الحاسم فيها بيد نخب السياسي والاقتصادي على نخب التربوي والثقافي:
    وتلك هي دولة سلطان القوة العنيفة المتقدم على سلطان القوة اللطيفة.
  2. أو العكس أعني دولة القرار الحاسم فيها بيد نخب التربوي والثقافي على نخب السياسي والاقتصادي:
    وتلك هي دولة سلطان القوة اللطيفة المتقدم على سلطان القوة العنيفة.

• لكن هذين الصنفين لا يقبلان الفصل في الحقيقة بل هما يتقاسمان السلطان على الإنسان

  • ⁩الأول يسيطر عليه بالسيطرة على حاجات بدنه.
  • ⁩والثاني يسيطر عليه بالسيطرة على حاجات روحه وفكره.

وكلاهما قد يصيبه الفساد فيصل في غايته إلى الفساد المطلق، أعني أن:

  • ⁩الأول يتحول إلى الاستعباد العسكري المادي.
  • ⁩والثاني يتحول إلى الاستعباد الروحي المعرفي.

والجمع بينهما يمكن أن يكون:

  • ⁩جمعا فاسدا وهو الأخطر ومنه تعاني الأمة حاليا إذ يتحالفان على تحقيق العبودية المطلقة
  • ⁩أو جمعا صالحا وهو ما تحلم به الأمة وتعتبر المرحلة الراشدة عينة منه جمعا يجعل
    – الثاني محددا للغايات (الاجتهاد)
    – والأول في خدمته بتحقيق الأدوات (الجهاد).

وهذا هو الحل المتمثل في الجمع بين المرجعيتين
الجمع الذي يمكن أن يحررهما من الفساد فيمدنا بالأساس الحقيقي ويحررنا من الأساس الزائف.
فالأساس الزائف الناتج عن فساد النظام يكون على النحو التالي:

  1. دولة الاستعباد العسكري:
    العبودية لقوة الشهادة القوة المادية السياسية والاقتصادية.
  2. دولة الاستعباد الديني:
    العبودية لقوة الغيب القوة الروحية الرمزية التربوية والثقافية.

ذلك أنه غالبا ما يتم التحالف بين القوتين المادية الرمزية منذ الدولة المصرية:

  • ⁩سلطان فرعون عسكري.
  • ⁩وسلطان هامان ديني.

وقد يؤدي الصراع بينهما إلى ما نرى مثالا منه في إيران حيث يصبح الاستعباد الديني حائزا على سلطان الاستعباد العسكري (حرس الثورة).
وقد يحصل العكس كالحال في السعودية حيث يصبح الاستعباد العسكري حائزا على سلطان الاستعباد الديني (العلماء حراس النظام).
لكن هذا الفساد لا يمكن أن يستمر لأن الاجتهاد العقلي والجهاد الروحي يتغلبان على القوة المادية العمياء ويفرضان التحولات التالية:

  1. فدولة الاستعباد العسكري تصبح أوليغارشية فتنتهي إلى تحويل الذوق المادي إلى طلب حرية القدرة ورمزها المال: دولة رجال الأعمال والتجار.
  2. ودولة الاستعباد الروحي تصبح أرستوقراطية فتنتهي إلى تحويل الذوق الروحي إلى حرية الإرادة ورمزها الجلال: دولة المواطنة الحرة.

• وبذلك تتحول الدولة الأليغارشية إلى شكل ثالث يجعلها لطيفة: حرية العقل ورمزها السؤال لكنها تبقى دولة أصحاب النفوذ المالي.

• وتتحول الدولة الأرستوقراطية إلى شكل دولة رابع يجعلها ألطف: حرية الحياة ورمزها الجمال لكنها تبقى دولة أصحاب النفوذ المعرفي.

• والشكل الأخير هو الذي يجمع بين هذه الأشكال الأربعة دون أن يكون واحدا منها ورمزه المتعال هو الدولة التي حاول الخلفاء الراشدون تأسيسها.
لكنها لم تصمد أمام نزاعات الأشكال السابقة الناشئة والنكوص إلى الجاهلية وصراع القبائل العربية والشعوبية.
وفيه يصبح الاستبداد العسكري رمزيا سلطان القانون ويصبح الاستبداد الديني رمزيا سلطان الأخلاق لأن سلطان الذوق المادي يصبح غاية الأول أي رفاهية حياتية
فتتهذب القوة المادية لتصبح نظام عيش سلمي ولأن سلطان الذوق الروحي يصبح غاية الثاني أي الرفاهية الروحية فتهذب القوة الرمزية لتصبح رفاهية جمالية.

• ولذلك فلا بد لهذه الدولة من أربع سلط يتقاسهما
فرعا أولي الأمر أي العلماء والأمراء الذين تؤمرهم الأمة ولكل منهما رأس وسلطة تصدر عنها كل تلك السلط
وهي متعددة الرؤوس التي تفرز هذه السلط أعني القوى السياسية والقوى الاقتصادية والقوى التربوية والقوى الثقافية والقوى الروحية:

  • 1 و 2. اثنتان لصاحب السلطة التنفيذية أو سلطان الأمراء الذين ينتخبهم الشعب وهم أصحاب السلطة التنفيذية لعهدة محددة: هما سلطان النخبة السياسية وسلطان النخبة الاقتصادية.
  • 3 و 4. اثنتان لصاحب السلطة التشريعية أو سلطان العلماء الذين ينتخبهم الشعب وهم أصحاب السلطة التشريعية لعهدة محددة: هما سلطان النخبة التربوية وسلطان النخبة الثقافية.
  • 5. والجامع هو صاحب السلطة المرجعية في كل ذلك أعني في المصالح المادية والمصالح الروحية أعني المجتمع المدني الذي يراقب الصاحبين.

المزاوجة بين القانونين الطبيعي والخلقي
وهذا الحل مبني على المزاوجة بين القانونين المتحكمين في التاريخ الإنساني. لذلك فقبل الكلام على معنى هذه الملاءمة في الدولة الإسلامية بين قانون الطبائع وقانون الشرائع وعلاقتها بالمنافرة بينهما في الديموقراطية كما بينا في المدخل الأول فلنحدد المقومات الأساسية التي مكنت البشرية من المزاوجة المقصودة بين القانونين اللذين يخضع لهما الإنسان من حيث هو إنسان أعني من حيث هو:
كائن ذو خلقة يغلب عليها حكم قانون الطبائع
وكائن ذو خلق يغلب عليه حكم قانون الشرائع
فهذان القانونان يجعلان الإنسان مشدودا إلى قطبين يبدوان متقابلين ومتنافيين عند الاقتصار على سابق الرأي الخالي من فهم التكامل بين العلاقتين في الفطرة السوية كما تحددها فلسفة الإسلام بما هو دين الفطرة التي لا تنكر الطبائع فضلا عن أن تعتبرها منافية للشرائع خلافا لما تراه الفلسفة المسيحية كما يعرضها هيجل في فلسفة الدين1. فالخلق من خاصيات الإنسان الطبيعية ومن ثم فالخلقة تتضمن في ذاتها غايتها الخلقية. لذلك فلا بد للإنسان من مرجعيتين متكاملتين مرجعية الخلق ويصله بها الحس الباطن ومرجعية الخلقة ويصله بها الحس الظاهر. وكلاهما بداية للعلم الطبيعي والإنساني:

  1. فعندما يقتصر الإنسان على قانون الطبائع فإنه يفقد غايته التي تنتج عن العمل بالقانون الخلقي لأنه يصبح خاضعا لقانون القوة فيفقد غاية وجوده أعني حريته وكرامته.
  2. وعندما يتصور الإنسان قانون الشرائع قابلا للتحقق من دون شروطه الطبيعية فإنه يفقد وسيلته التي تنتج عن العلم بالقانون الطبيعي فيصبح أعزل أمام طغيان القوة فيفقد حريته وكرامته.
  3. والوصل بينهما يمكن أن يتحقق ببعدي التربية الفلسفية التي يغلب عليها تقديم الأول على الثاني تقديم الوسيلة على الغاية: جمهورية أفلاطون والتأسيس على الوصل الميتافيزيقي بين العالمين الطبيعي وما بعد الطبيعي.
  4. كما يمكن أن يتحقق الوصل بينهما ببعدي التربية الدينية التي يغلب عليها تقديم الثاني على الأول تقديم الغاية على الوسيلة: مدينة الرسول والتأسيس على الوصل الميتاتاريخي بين العالمين التاريخي وما بعد التاريخي.
  5. ويمكن أن يتلاءم الوصلان أو أن يتنافرا. ومن التنافر بينهما ينشأ الفصل الذي يجعل الدولة خاضعة لمنطق المصالح المادية ويجعل المصالح المعنوية تابعة لها بحيث إن فاقد القوة يكون عاجزا تحصيل حقوقه فنعود إلى سلطان القانون الطبيعي.

لذلك فكلتا التربيتين يمكن أن تصبح مبتورة بحيث تقتصر التربية الفلسفية في تطبيقها السياسي على الوقوف عند الوسيلة دون الغاية وتقتصر التربية الدينية في تطبيقها السياسي على الوقوف عند الغاية دون الوسيلة. والبتر الأول دون البتر الثاني ضررا رغم كونه هو بدوره مضرا. وهو كذلك لأن تحقيق الوسيلة من دون الغاية ممكن وهو قابل لتدارك تحقيق الغاية في حين أن تحقيق الغاية من دون الوسيلة ممتنع ومن ثم فالخسران مضاعف. ذلك أن رد الشريعة إلى الطبيعة يجعل دولة الديموقراطية بالمعنى الحديث للكلمة تعامل مقومات الحياة الجمعية التي يمكن حصرها في خمسة مقومات: اثنان موجبان واثنان سالبان والأخير يؤسس للمقومات الأربع السابقة تعاملها على النحو التالي:

  • 1 و 2. فالمقومان الموجبان ينتجان عن نزعة تشاؤمية تقلل من إطلاق القانون الخلقي وهما البراجماتية المعرفية أساسا للعلاقة بالطبيعة أي القول بالتجربة معيارا وحيدا في النظر والنفعية الخلقية أساسا للشريعة أي القول بالمصلحة معيارا وحيدا للعمل وأساس الإيجابين هو القول بقانون الضرورة التي معيارها النسبوية.
  • 3 و 4. والمقومان السالبان ينتجان عن نزعة تفاؤلية تطلق القانون الطبيعي وهما نفي أي مرجعية متعالية على الإرادة الشعبية سواء كانت بالمعنى الفلسفي المتعارف أي القول بمرجعية المعرفة العقلية أو بالمعنى الديني المتعارف أي القول بالمعرفة النقلية قبالة مرجعية الإرادة الشعبية وأساس النفيين هو القول بقانون الصدفة الانتخابية التي معيارها كم المصوتين.
  • 5. والمقوم المؤسس لهذه المقومات الأربع كما يراها القائلون بإطلاق الإرادة الجماعية مرجعية وحيدة للقيم هو نظرية الإنسان مقياس الأشياء في النظر والعمل بطبيعة العلاقة بين القانونين الخلقي والطبيعي فيؤله الإنسان وتصبح كل القيم مردودة إلى الأهواء والنزوات لأن كل ما يتعالى عليهما يعد مجرد خدع خطابية لإخفاء حقائق الأشياء الجارية في هذا النوع من الاجتماع المحكوم بمنطق التاريخ الطبيعي أعني منطق البقاء للأقوى.

شاهد أيضاً

الديمقراطية، شروط التحديثي والتأصيلي الكاريكاتورية

أبو يعرب المرزوقي  كلما سمعت “مثقفا” يدعي الحداثة يرهن أهلية الشعوب لقيادة نفسها سياسيا بما …

الإعلام: ما مشكله ؟ ولماذا يعسر علاجه ؟

أبو يعرب المرزوقي  ما فهمته من مشروع الإصلاح المقترح هو الإصلاح بإطلاق حرية المبادرة والاعتماد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.