الإثنين , 26 أكتوبر 2020

قصبة قرطاج

فتحي الشوك 

قصبة البلد هي مدينته وهي مبان حصينة يتّخذها أهل الحلّ والعقد وكبار موظّفي الدّولة مقارا لإدارة الشّأن العام وهي في الأصل مواقع كان يتّخذها الجند للدّفاع عن منطقة معيّنة وتأمينها من الأخطار المحدقة، وقصبة تونس عُرفت منذ عهد الدّولة الحفصية وقد اختطفت الأضواء من قصبات أخرى في باجة والكاف والحمّامات، كما لا يخلو بلد عربي من قصبة مماثلة اتّخذت تقريبا نفس الشّكل والوظيفة أشهرها قصبة الجزائر والودّاية بالمغرب.

القصبة صُمّمت وكانت دوما منذ العهد الحفصي مرورا بالدّولة الحسينية إلى ما يسمى بالدّولة الوطنية كقناة تُمرّر الهواء المُتحكّم في منسوبه إلى بقية القُصيبات الهوائية وغالبا ما كانتا الرّئتان والقلب في باردو ثمّ قرطاج أمّا المخّ ففي مكان آخر خارج الدّيار.

هكذا كان مدلول التّسمية الشّكلي المعماري وما ينتج عنه من بُعد وظيفي، مع الإشارة إلى أنّ القصبة تعني أيضا العظام الطّويلة ذوات المخّ، و هي أيضا تُستعمل كوحدة لقيس الطّول ويُمكن أن تُستعمل لصيد السّمك أو لهشّ الغنم أو للجلد أو للعزف كما النّاي والمزمار (القصبة الشّاوية والرّكروكي).

وهو ما يفيد بإمكانية أن تتشّكل القصبة وتُوظّف بحسب من يُمسكها بقبضته والمهمّ أن لا تسقط عينا قافها فتَتعيّن أو لا تُبقر بطن صادها فتتأحأح !

ومن المنطقي حسب تاريخ القصبة وسيرتها الذّاتية أن يصطبغ من وجد أو وضع في خوائها بصفاتها فيكون بالضّرورة قصّابا أي جزّارا يأخذ الشّاة بقصبتها أو زمّارا أو عصا للصّيد أو الجلد أو الهشّ ولا عجب في أن تسترجع القصبة دورها بعد أن ظنّت بأنّها رئة لها اوتونوميّتها وبمقدورها أن تشتغل بانسجام مع القلب وبتناغم مع الجهاز العصبي.

من البديهي أن يكون للجسد رأس واحد وهو يحتاج لبقية الجسد ويتعاون مع بقية الأنظمة لكي لا تنهار كلّ المنظومة و إلاّ لأمكنه البقاء والخلود حتّى وإن قُطع أو فُصل عنه.

دوما ما كانت النّيرونات تميل إلى التسلّط فكيف إن تورّمت إحداها وتضخّمت وأنكرت على بقية الخلايا دورها ووظائفها؟

ما نشاهده اليوم من مشهد سوريالي يرتقي إلى مستوى العبث ونكوص العقل والجنون وهو ضد ّالفطرة والمنطق والقانون والمأساة أنّ مصدره يعتقد أنّه خارق للعادة وللقانون، تُهنا وهَرمنا بعد هرمنا الأوّل بين القصرين وبين الغرفتين في نفس القصر وبين الكمالين والوليدين، تضارب في الأسماء وفي المصالح وفي الشّرعية، وزراء يُعيّنون في آخر لحظة ويستمعون إلى خبر توزيرهم وهم لا يعلمون، ووزير أوّل يهان قبل أن يستلم المهام وبيانات تصويب تحتاج إلى تصويب! وتشكيل تحول إلى “تشليك” للدّولة ولدستورها الّذي أكله الحمار أو كاد ولمؤسّساتها الّتي فُخّخت وعلى قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.

حالة تخبّط وضرب عشواء وعجز وشبه شلل تام أصاب البلاد والعباد في حين بدأ البعض يرقص على نغمة المُخلّص المُلهم والمُنقذ من يختزل في ذاته المتورّمة الوطن والدولة والشعب والدستور.

نحن في ورطة ساهمنا فيها جميعا فكيف الخلاص؟

ملاحظة: كتبت المقال وأنا استمع إلى نغمات القصبة الشّاوية وأغنية في المزموم: “شاقية خلوني…ما تزيدوش عليا”.

د.محمد فتحي الشوك

شاهد أيضاً

لعبة الفيل و الحمار (2)

فتحي الشوك  أيّام قليلة و يبوح سباق الفيل و الحمار بكلّ أسراره، تهيّأت غابة العمّ …

لعبة الفيل و الحمار (1)

فتحي الشوك  يحبس العالم أنفاسه منتظرا بترقّب ما ستفرزه صناديق اقتراع الانتخابات الرّئاسية الأمريكية المزمع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.